9شهور 2

روماني مكرم

نزلنا السلم وصوت صويت حماتي لسه بيرن في ودني، بس المرة دي مكنش بيهز فيا شعرة. الجيران كانوا واقفين على السلالم وفي المداخل، عيونهم كلها فضول وبصاتهم بيني وبين الشنطة اللي في إيد محمود. شريف حاول ينزل ورايا، وقف على بسطة السلم يزعق بصوت مرعوش:

* “يا محمود استهدى بالله، ميوصلش الأمر لكده! مفيش حريم بتخرج بشنطتها في نص الليل، والناس بتتفرج علينا!”

محمود لفّ له وهو نازل، وشاور بصباعه في وشه، ونبرته كانت تلوّي الحديد:

* “الناس دي تتفرج على خيبتك يا شريف. تتفرج على اللي ساب أمه وأخته يسرقوا مراته ويمدوا إيدهم عليها وهو واقف زي قفص الطماطم. أختي خط أحمر، واليوم اللي فكرت فيه تهينها، كان آخر يوم ليك في حياتها. حسابي معاك مبقاش كلام.. حسابنا هيبقى في المحاكم وعلى يد رجالة.”

ركبنا العربية، ومحمود حط الشنطة في الشنطة ورا، وأنا قعدت جنبه قدام. طول الطريق لبيت أهلي، مكنتش بتكلم، بس دموعي اللي حبستها جوه البيت بدأت تنزل، مش ضعف ولا ندم على شريف، لكن قهر على الأيام اللي ضاعت وعلى الكسرة اللي عيشتها. محمود بصل لي وطبطب على إيدي وقال:

* “متبكيش يا بنت أبويا. دموعك دي غالية، والكلب اللي سكت على ضربك، والله لأخليه يلف حوالين نفسه عشان يطول رضاكِ وميطولوش. الذهب والجهاز هيرجعوا تمن ونقد، والضربة اللي انضربتيها هتدفع تمنها من هيبتهم وسط الناس.”

أول ما دخلت بيت أمي، الست لقتني داخلة بالشنطة ووشي معلم، صرخت ولطمت على صدرها:

* “يا مري! ماله وشك يا بنتي؟ عملوا فيكِ إيه ولاد عواطف؟”

* “متقلقيش يا أمي،” محمود اللي رد وهو بيقعدني على الكنبة، “بنتك رجعت بيتها، والناس دول حسابهم معايا. اتسرقت وانضربت، والست عواطف وبنتها سماح اتهموكِ إنتِ كمان بالسرقة.”

أمي قعدت على الأرض من الصدمة، وعينها دمعت:

* “أنا؟ أنا يا بنتي يتقال عليا حرامية؟ وأنا اللي كنت بدخل بيتهم مكسوفة وأقول أهم أهل بنتي! حسبي الله ونعم الوكيل فيهم، ربنا ينتقم منهم.”

قعدت جنب أمي وحضنتها:

* “والله يا أمي حقك وحقي هيرجع. أنا سكتّ تسع شهور وكنت هبلة، بس خلاص، الرأس اللي وافقت على الذل، اقطعيها.”

تاني يوم الصبح، محمود منجمش. أخدني من إيدي ورحنا على قسم الشرطة. مكنتش عايزة حلول ودية، ولا قعدات عرب هيفوتوا فيها الحق. دخلنا وعملنا محضر رسمي: “سرقة مشغولات ذهبية، واستيلاء على منقولات زوجية، وتعدي بالضرب والسب والقذف”، وأرفقنا بالمحضر تقرير طبي بمكان الكف اللي على وشي والكدمات اللي في إيدي من خناقة حماتي وسماح.

وكيل النيابة لما شاف التقرير وشاف علبة الذهب الفاضية وسمع أقوالي وأقوال محمود، أمر باستدعاء شريف وعواطف وسماح للتحقيق.

في نفس اليوم بالليل، تليفون محمود ميبطلش رن. ناس من طرف شريف، كبار الحتة عندهم، وعمامه بيحاولوا يتدخلوا:

* “يا حاج محمود، عيب، إحنا لسه ناسب، والمحاكم بتخرب البيوت. تعالوا نقعد قعدة رجالة ونشوف الذهب ده راح فين، ويمكن البنت ناسية!”

محمود رد عليهم على الاسبيكر وعينه عليا:

* “قعدات الرجالة للرجالة اللي بتصون بيوتها، مش للي بيقف يتفرج على مراته وهي بتنضرب. أختي انسرقت في بيته، والتقرير الطبي في النيابة، والاستدعاء هيوصلهم بكرة الصبح. مفيش قعاد، ومفيش كلام غير قدام القاضي.”

يوم التحقيق في النيابة، روحت مع محمود والمحامي بتاعنا. وقفت في الممر مستنية دورنا، وفجأة لقيت شريف داخل ووراه أمه وأخته. شريف كان باين عليه الهم، ووشه أصفر، وحماتي “عواطف” مكنتش بنفس الجبروت؛ كانت لافة طرحتها وموطية صوتها، وسماح واقفة وراها ومخضوضة.

أول ما شريف شافني، حاول يقرب:

* “هنا.. أرجوكِ اسمعيني، الموضوع مكنش يستاهل المحاكم، إحنا ممكن نحل كل حاجة، والذهب هجيبلك غيره!”

قبل ما أنطق، حماتي شدته من إيده وبصتلي بغل مكتوم:

* “سيبك منها يا شريف، دي جاية تتبلى علينا، مفكرة إن المحاكم هتخوفنا؟ إحنا ملناش صباع تحت ضرس حد!”

المحامي بتاعي ابتسم وبصلهم:

* “تمام يا حاجة.. خلينا نشوف الكلام ده جوة قدام وكيل النيابة، خصوصاً لما يسألك عن الذهب اللي سماح بنتك راحت باعته لمحل الصاغة اللي في أول الشارع عندكم من تلات أيام، وصاحب المحل سجل البطاقة بتاعتها في دفتر المبيعات!”

سماح أول ما سمعت الجملة دي، وشها صفي منه الدم، ورجلها بدأت تترعش، وبصت لأمها برعب.. وعرفت في اللحظة دي إن اللعب بقا على المكشوف، وإن حبل المشنقة اللي كان ملفوف حوالين رقبتي، بدأ يتلف حوالين رقابهم هم.

 

دخلنا أوضة وكيل النيابة، والجو جوة كان مشحون وخانق. المحامي بتاعي قدم الدفاتر وبلاغ الصاغة، ووكيل النيابة بصلنا بنظرات حاسمة، وبعدين وجه نظره لسماح اللي كانت واقفة ساندة على الحيطة ودموع الخوف بدأت تنزل على عينيها.

* “إسمك سماح؟”

صوت وكيل النيابة كان زي السكينة.

ردت بصوت مرعوش:

* “أيوة يا فندم.”

* “البطاقة دي بتاعتك؟ والصورة دي في دفتر محل الصاغة لبيع غويشتين وخاتم بنفس الأوصاف اللي في محضر المدعية.. بتاعتك؟”

سماح بصت لأمها وهي بتترعش، والحاجة عواطف اللي كانت داخلة بقلب جامد بدأت تلتفت حوالين نفسها، ووشها يجيب ألوان. شريف وقف مذهول، بيبص لأخته ولأمه كأنه بيسمع الكلام ده لأول مرة، أو كأنه كان مغيب تماماً وعامل نفسه مش هنا.

* “ردي يا سماح!” زعق وكيل النيابة.

* “يا فندم.. يا فندم والله أنا.. أمي اللي قالت لي! أمي قالت لي الذهب ده بتاع أخوكي وهو اللي جابه وهما متفقين يبيعوه عشان يسددوا قسط الشقة الجديدة!”

الكلمة نزلت على شريف زي الصاعقة. لف لأمه وبصوت عالي نسى فيه إنه في النيابة:

* “أمي؟! إنتِ اللي أخدتي الذهب؟ إنتِ تقوليلي مراتها تلاقيها مخبياه وتخليني أشك فيها وأزعق لها، وإنتِ اللي سارقاه وبايعاه؟!”

الحاجة عواطف حاولت تداري الفضيحة، وصوتها طلع مبحوح ومليان غل:

* “إسكت يا خايب! كنت عايزني أشوف أختك مديونة ومحتاجة قرشين وأسيبها؟ ما هي مراته وفي بيته، والبيت واحد! وبعدين هي اللي لسانها طويل وغلطت فينا!”

وكيل النيابة خبط على المكتب بقوة:

* “بس! إنتوا فاكرين نفسكم قاعدين في حارة؟ دي سرقة موصوفة، وتزوير، وبلاغ كاذب باتهام والدة المجني عليها. والتقرير الطبي بيثبت واقعة الاعتداء بالضرب من الأم وابنتها.”

التفت وكيل النيابة للشاويش وقال بنبرة صارمة:

* “يتحفظ على المتهمة الأولى عواطف، والمتهمة الثانية سماح، على ذمة التحقيق وتتأجل الجلسة لعرضهم على المحكمة.”

في اللحظة دي، الصالة اتقلبت مناحة. سماح قعدت في الأرض تصرخ وتلطم، والحاجة عواطف بدأت تتوسل وتعيط بعد ما الجبروت كله طار في ثانية:

* “يا بيه أرجوك! إحنا حريم وملناش في الحبس! يا هنا.. يبنت الأصول تنازلي، الله يخليكِ متخربيش البيت!”

بصيت لها ببرود تام، البرود اللي هما زرعوه فيا على مدار تسع شهور. مكنش في قلبي نقطة شفقة واحدة. وبصيت لشريف اللي جيه جرى عليا وحاول يمسك إيدي وهو بيبكي:

* “هنا.. أنا أسف، أنا كنت حمار ومغفل، والله ما كنت أعرف إنهم عملوا كده! أنا هطلقك وهديكِ كل حقوقك، بس بلاش حبس لأمي وأختي، هبوس على رجلك ورجل أخوكِ، بلاش الفضيحة!”

محمود أخويا زقه بعيد عني وقال بقرف:

* “إيدك لتتمد عليها تاني يا شريف. الفضيحة إنتوا اللي عملتوها لنفسكم لما فكرتوا إن مالهاش ضهر. القانون هياخد مجراه، والكلب اللي يمد إيده على حريم الناس، يستاهل يتربى جوة الزنزانة.”

خرجنا من أوضة النيابة، وورايا صوت الكلبشات وهي بتقفل على إيدين حماتي وبنتها، وصوت شريف وهو بيصرخ وراهم ومش عارف يعمل إيه، بقى زي العيل التايه اللي ضيع كل حاجة بضعف شخصيته وجبنه.

لما رجعنا البيت، قعدت مع محمود والمحامي، ومحمود قال وعينه كلها فخر بيا:

* “خطوتنا الجاية هي قضية طلاق للضرر، وهنرفع قضية تبديد منقولات زوجية “القائمة”. جهازك كله اللي في الشقة هيرجع بالقطعة، وال ميرجعش هيدفعوا تمنه كاش، والذهب تمنه هينزل في القضية.”

المحامي ابتسم وقال:

* “موقفنا أقوى من الحديد يا مدام هنا. هما دلوقتي في الحبس الاحتياطي، وشريف قدامه حل من الاتنين؛ إما يسلم كل حاجة بالذوق ويمضي على الطلاق وحقوقك كاملة عشان يلحق أمه وأخته من السجن، أو يشيل الليلة معاهم.”

كنت قاعدة ساندة راسي على إيدي، حاسة براحة مكنتش حساها من تسع شهور. الكابوس بدأ ينتهي، والناس اللي داست على كرامتي بقوا تحت رجلي بالقانون. بس الحكاية لسه مخلصتش.. لسه في خطوة أخيرة، خطوة استرداد كل قشاية تخصني، والوقفة الأخيرة قدام شريف وهو بيمضي على وثيقة نهايته معايا.

بعد تلات أيام من حبس حماتي وبنتها، جالي اتصال من محامي شريف. الراجل كان صوته مكسور، وبيتكلم بنبرة رجاء مفيهاش نقطة من النفخة الكدابة اللي كانوا عايشين فيها:

* “يا أستاذ محمود، شريف موافق على كل شروطكم. هيطلق المدام غيابي أو بحضورها، وهيوقع على تنازل عن كل منقولات الزوجية، وهيجيب تمن الذهب كاش ويسلمه في المحكمة، بس أرجوكم قدموا طلب تنازل عن قضية السرقة والضرب عشان الست الكبيرة والبنت يخرجوا.. دول مبهدلين في الحجز.”

محمود بصلّي وشاورلي براسه، وأنا أخدت منه التليفون ورديت بنفسي:

* “قول لموكلك يا متر، الطلاق يحصل بكرة الصبح عند المأذون اللي اخترناه إحنا، وتمن الذهب يدخل في حسابي البنكي بالمليم قبل ما نروح، وجهازي يتلم في عربيات نقل بكرة تحت إشراف أخويا ورجالته، ومن غير ما حد من أهله يلمس قشاية. أول ما جهازي يدخل بيت أبويا، وفلوس دهبي تبقى في جيبى، ورقة الطلاق في إيدي.. ساعتها بس هروح مع المحامي بتاعي أتنازل عن القضية. غير كده، يكملوا مدتهم في السجن.”

المحامي وافق علطول ومقدرش يناقش، لأن رقابهم كلهم كانت تحت السكينة.

تاني يوم الصبح، المشهد في الحتة كان يرد الروح. تلات عربيات نقل كبار وقفوا تحت بيت حماتي. رجالة أخويا محمود دخلوا الشقة وبدأوا يفكوا الأوض، النيش، والأجهزة الكهربائية اللي شقيت فيها. شريف كان واقف على جنب، وشه في الأرض، عينه مكسورة ومبيقدرش يرفعها في عين أي حد من الجيران اللي كانوا واقفين يتفرجوا ويقولوا: “دا جزاء اللي يظلم بنات الناس ويستقوى عليهم”.

كل حاجة تخصني نزلت، حتى المكياج والهدوم اللي كانت سماح مخبياها في دولابها، رجالة محمود جابوها. مسبتش ورايا غير الحيطان الفاضية، الشقة اللي دخلتها من تسع شهور وأنا فاكرة إني هبني فيها بيت، خرجت منها وأنا هادة جدرانها على دماغ اللي ظلموني.

بعد ما العربيات مشيت، روحنا على مكتب المأذون. شريف كان قاعد زي العيل الصغير، ماسك القلم وإيده بترتعش. بصلّي وعينه مليانة دموع ندم وقالي:

* “سامحيني يا هنا.. أنا خسرتك وخسرت بيتي بسبب أمي وأختي، أنا مكنتش راجل معاكي.”

بصيت له بكل برود وقسوة علمهالي الزمن في بيته:

* “الندم مبيصلحش اللي انكسر يا شريف. إنت مخسرتنيش بسببهم، إنت خسرتني بسبب جبنك وقلة شخصيتك. الراجل اللي ميحميش مراته جوة بيته، ميسواش في عينها ضفرها. امضي يا شريف.. امضي واقفل الصفحة السودا دي من حياتي.”

مضى شريف على وثيقة الطلاق، والمأذون نطق الكلمة اللي حسيت بعدها إني اتولدت من جديد: “أنتِ طالق منه يا بنتي”. في اللحظة دي، حسيت بنسمة هواء باردة دخلت صدري، كأن جبل كان كابس على نفسي وانزاح.

أخدت ورقة الطلاق، وتمن دهبي، ورجعت مع محمود على بيت أمي. أول ما دخلت، أمي استقبلتني بالزغاريد، دموع الفرحة كانت في عينها وهي شايفاني راجعة رافعة راسي، وجهازي مالي الشارع وكرامتي المحفورة في الأرض رجعت تمن ونقد.

المحامي راح تاني يوم وقدم التنازل، وحماتي وبنتها خرجوا من الحجز، بس خرجوا ووشهم في الأرض، سيرتهم بقت على كل لسان في المنطقة، وشريف عاش مكسور العين وسط الناس، بيته اتهد وفلوسته راحت وشخصيته اتمحت تماماً.

أما أنا، فوقفت قدام مرايتي في أوضتي القديمة ببيت أهلي، بصيت لوشي اللي مابقاش فيه أي أثر للكف اللي انضربته. ابتسمت لنفسي وعرفت إن التسع شهور دول مش غلطة عمري، دول الدرس اللي علمني أكون قوية، وعلمني إن الأصول بتتعمل مع ولاد الأصول بس، وإن الطيبة مفيهاش عيب، بس لازم يكون وراها ضهر يحميها ولسان يعرف يجيب الحق.. والحمد لله، حقي رجع تالت ومتلت، وبدأت حياتي من جديد وأنا أقوى وأجمل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *