حق بنتي حكايات علي ابو الدهب
لقيت بنتي نايمة في الشارع ومبقتش عارف أنطق. جوزها باع البيت وبدأ حياة جديدة كلها رفاهية مع عشيقته من سنين، وسابها من غير أي حاجة. أخدتها معايا البيت وتاني يوم الصبح رحت للبرج الفخم اللي عايشين فيه. ولما فتح الباب أخيرًا، اللي عملته هيدمر حياته للأبد.
لقيت بنتي نايمة على كرتونة ورا صيدلية مقفولة، ودبلة جوازها مربوطة بخيط حوالين رقبتها زي ما تكون ذكرى من حياة ماتت. للحظة، نسيت إزاي أتنفس.
المطر كان مغرق بالطوها. شعرها، اللي كان زمان ناعم وبيلمع، كان لازق على خدودها. وكيس بلاستيك فيه كل حاجة تملكها في الدنيا.
همست: “آية”.
فتحت عينيها ببطء، وعلامات الكسوف لملت ملامحها قبل ما تعرفني.
”بابا؟”
الكلمة دي بس كسرت حاجة جوايا.
ركعت جنبها على الأرض، ومهمتنيش الرصيف الوسخ، ولا ريحة البنزين، ولا الناس اللي بتعدي وكأنها زبالة. دي بنتي! بنتي الذكية الرقيقة. نفس الطفلة اللي كانت بتنام على كتفي لما الرعد يضرب في الشتا.
سألتها: “إيه اللي حصل؟”
حاولت تقعد وقالت: “مكانش نفسي تشوفني بالمنظر ده.”
”احكيلي.”
شفايفها تترعش: “كريم باع البيت.”
جسمي اتصلب.. “البيت اللي أنا ساعدتكم تشتروه؟”
هزت راسها: “زور إمضتي. قال إن الفلوس دي عشان يسد ديون، وبعدها اختفى.” صوتها اتشرخ وهي بتكمل: “بعد كام شهر، عرفت إنه عايش في وسط البلد مع نادين. شقة دوبلكس وعربيات وحفلات. وقال للناس إني مريضة نفسية ومدمنة، وإني أنا اللي سبته وهربت.”
إيديا اتقفلت وبقت زي الحجر.
آية بصت الناحية التانية وقالت: “روحت لمحامين.. محدش صدقني. كريم معاه ورق وشgroup ورق شهود وفلوس. وقال لي لو وقفت قصاده، هيضمن إني مش هشوف هنا تاني أبداً.”
حفيدتي! اللي عندها 7 سنين.
سألتها: “وهنا فين دلوقتي؟”
”معاهم”.. صوت آية مبقاش طالع من كتر القهر. “قال لي إن الأم المشردة ملهاش أي حقوق.”
العاصفة تقترب
ساعدتها تقوم، مكانش ليها أي وزن وهي في إيدي.
في بيتي، فضلت تحت الدش لحد ما المية السخنة خلصت وبقت ساقعة. عملت لها شوربة، وكانت بتاكل وإيديها بتترعش، وكل كام قطمة تهمس وتقول: “أنا آسفة”.
فضلت ساكت لوقت طويل.
بعدها قمت فتحت الخزنة القديمة اللي ورا مكتبة الكتب.
آية استغربت وقالت: “بابا؟”
جوه الخزنة كان فيه ملفات، أظرف مقفولة، سجلات بنوك، محاضر محاكم، وكارنيه بقالي 12 سنة ملبستهوش.
قبل ما أطلع معاش، كنت محقق جنائي في قضايا النصب والفساد في مكتب النائب العام. أشكال كريم دي ياما ابتسمت في وشي زمان..
بس مكانش حد فيهم بيبتسم بعد ما بخلص معاه.
حطيت ملف واحد على التربيزة.
وكان مكتوب عليه بالحبر الأسود: “كريم…” (اسمه بالكامل).
آية فضلت تبص للملف وهي مبرقة.
بصيت لبنتي وقلت لها بصوت هادي: “كان المفروض يرميكي قدام باب بيتي.. مش في الشارع.
نمت آية أخيراً بعد ما أخدت مهدئ، بس أنا عيني مغمضتش ثانية طول الليل. قعدت على مكتبي والملفات مفتوحة قدامي، براجع تمن سنين من غسيل الأموال، والشركات الوهمية اللي كريم كان فاكر إنه مخبيها ورا أسماء تانية. الغبي مكانش يعرف إن المحقق الجنائي مبيسبش كارنيهه بره عقله لما بيطلع معاش، وأنا من يوم ما دخل بيتنا وأنا عيني عليه، بس كنت ساكت عشان خاطر بنتي.
الساعة بقت سبعة الصبح. لبست بدلي الكحلي القديمة، حطيت الكارنيه في جيبي، وأخدت الفلاشة اللي عليها “الخراب المستعجل” وركبت عربيتي متوجهاً لوسط البلد.
البرج الفخم كان ناطحة سحاب واجهتها من الإزاز الأسود، الأمن على البوابة حاولوا يوقفوني، بس نظرة واحدة من عيني مع حركة إيدي بالملف خلتهم يرجعوا لورا. ركبت الأسانسير لحد الدور الأربعين.. شقة الدوبلكس.
وقفت قدام الباب الخشب الزان، وضغطت على الجرس ببرود وثبات.
بعد دقيقتين الباب فتح. ظهر كريم بروب ستان أسود، وفي إيده كاس قهوة، وبمجرد ما شافني، الابتسامة المستفزة اللى على وشه اختفت، وكاس القهوة اتهز في إيده.
كريم بتوتر حاول يداريه: “حمايا العزيز؟ أهلاً.. بس آية مش هنا، آية سابتني وسافرت من فترة ومنعرفش عنها حاجة..”
مردتش عليه. زقيت الباب بدراعي ودخلت الشقة ببرود، وبقيت بتمشى في الصالة الواسعة اللى مفروشة بمليون جنيه من فلوس النصب. كانت نادين واقفة على السلم الداخلي بالبرنص، بتبصلي بقرف وتقول: “مين ده يا كريم؟ وإزاي الأمن يدخلوا الأشكال دي هنا؟”
قعدت على الكنبة الجلد، حطيت رجل على رجل، وطلعت الفلاشة والملف وحطيتهم على الترابيزة الإزاز.
قلت بصوت هادي وراسي: “نادين.. لمي هدومك في شنطة واحدة، وقدامك عشر دقائق بالظبط تخفي من الشقة دي، لأن البوكس زمانه على أول الشارع، ولو لقوا واحدة زيك في شقة متهم بغسيل أموال وتجارة سلاح، هتقضي أحلى سبع سنين في سجن القناطر.”
نادين وشها جاب ألوان وبصت لكريم برعب: “كريم.. إيه الكلام ده؟”
كريم هجم على الترابيزة وعروق رقبته ناطقة: “أنت اتجنيت يا راجل أنت؟ أنت فاكر نفسك لسه محقق؟ أنت حتة عجوز على المعاش، والورق كله في إيدي، والبيت باسمي، وبنتك مدمنة في المصحة، وأعلى ما في خيلك اركبه!”
ضحكت.. ضحكة خفيفة هزت ثقته في نفسه تماماً.
وقفت وقربت منه لحد ما بقينا وش لوش، وهمست: “البيت اللى زورته إمضاء آية فيه، وصاحب شركة العقارات اللى هربت له الفلوس في دبي، والمحامي اللى دفع لشهود الزور.. كلهم دلوقتي مقبوض عليهم في مكتب التحقيقات بسببي. الفلاشة دي عليها تسجيلات صوت وصورة ليك وأنت بتنقل أصول الشركة الوهمية باسم نادين.. يعني أنت ونادين والشهود بتوعك، داخلين قضية جنايات أمن دولة.”
كريم بدأ يتنفس بصعوبة، والوجع والندم اللى شفته في عين آية بالليل، شفته دلوقتي بيتولد في عينه أضعاف.
في اللحظة دي، طلعت هنا.. حفيدتي من الأوضة وهي بتفرك في عينيها. أول ما شافتني جريت عليا: “جدو!”
شيلتها وضمتها لصدري وقلت لها: “يلا يا قلب جدو عشان ماما مستنياكي في البيت.”
كريم انهار، ركع على ركبه ومسك في رجل البنطلون بتاعي وهو بيبكي: “أبوس إيدك يا باشا.. بلاش الحبس، أنا هكتب لها كل حاجة.. هكتب لها الشقة والعربيات والبيت، بس سبني أمشي.. بلاش تدمرني!”
بصيت له بقرف ونفضت رجلي من إيده وقلت له: “أنا مش جاي أتاجر معاك يا كريم. الحبس ده حق الدولة اللى سرقتها.. أما حق بنتي اللى نيمتها في المطر على الرصيف، فدناه هسيبك ليل نهار في الزنزانة تفتكر ملامحها وهي بتقول لك ‘حرام عليك’.”#حكايات_علي_ابوالدهب
أخدت هنا في إيدي، ونادين كانت بتجري بشنطتها برعب بره الشقة، وسيبت كريم على الأرض بيصرخ زي الحريم، وصوت سرينات عربيات الشرطة كان واصل لحد الدور الأربعين وهو بيعلن نهاية حياته للأبد.
رجعت البيت.. فتحت الباب، وآية كانت قاعدة مستنية، أول ما شافت هنا جريت عليها وحضنتها ودموعها نزلت، بس المرة دي مكنتش دموع قهر.. كانت دموع النصر والحرية.#حكايات_علي_ابوالدهب
بصيت لبنتي وقلت لها: “ارفعي راسك يا آية.. من النهاردة مفيش مطر، ومفيش رصيف.. أنتي بنت المحقق
