بعد عزاء امي ٣

عامر بيه بص حواليه بسرعة ملامحه كانت مشدودة فتح درج المكتب وطلع منه مسدس أسود صغير حطه في جيبه وبصلي

عامر بيه: مفيش وقت يا هناء السلم الخلفي بتاع العمارة هو طريقنا الوحيد بس لازم نتحرك من غير صوت

مسكت الشنطة في حضني أكتر وخرجنا من باب المكتب الشقة كانت ضلمة والست الكبيرة اللي جابتلي العباية كانت واقفة مرعوبة عند المطبخ عامر بيه شاورلها تسكت وفتح باب خشب صغير ورا المطبخ بيؤدي لسلم الصيانة

نزلنا السلم بسرعة ودرجاته كانت ضيقة وبتعمل صدى صوت مرعب في ودني كنت حاسة إن خطوات رجالة سامح قريبة مننا وسمعت صوت رزع قوي جاي من الأدوار اللي تحت

صوت راجل من برة بيزعق: اقلبوا العمارة حتة حتة عامر الشافعي والبت مش لازم يخرجوا من هنا سامح بيه قال حية أو ميتة

قلبي كان هيقف من الرعب مديت إيدي ومسكت في كم جاكيت عامر بيه اللي كان نازل بثبات غريب كأنه متعود على المواقف دي وصلنا للدور الأرضي بس مخرجناش من البوابة الرئيسية عامر بيه زق باب حديد صدىء وطلعنا منه على ممر ضيق بين عمارتين المطر كان لسه بينزل بغزارة وغرق وشنا في ثواني

عامر بيه همس وهو بيشاور على عربية نص نقل قديمة واقفة في آخر الممر

عامر بيه: اركبي ورا في الصندوق واستخبي تحت المشمع بسرعة وماتتحركيش مهما حصل

جريت ونطيت جوه صندوق العربية ودفنت نفسي تحت مشمع بلاستيك تقيل ريحته جاز وتراب وعامر بيه ركب قدام جنب السواق اللي كان مستنيه ودور العربية وطلعت بأقصى سرعة

كنت سامعة صوت المطر بيخبط بقوة فوق المشمع وصوت الموتور العالي وجسمي كله بيتهز مع كل مطب في الطريق مكنتش عارفة إحنا رايحين فين بس كلام عامر بيه عن الصعيد ودير العذراء كان بيلف في دماغي زي الساقية الفلوس اللي عشت عمري كله محرومة منها وبشوف أمي بتموت قدام عيني بسبب نقص الدوا بقت هي السبب في إني أكون مطاردة في نص الليل زي المجرمين

بعد ساعات طويلة من السواقة والطريق اللي بدأ يبقى كله تراب ومكسر حسيت العربية وقفت فجأة المشمع اترفع وفجأة لقيت وش عامر بيه قدامي ونور الفجر بدأ يظهر في السماء بلون رمادي

عامر بيه: انزلي يا هناء إحنا وصلنا الصعيد ودخلنا طريق المزارع قبل سامح ورجالته بس لازم نتحرك رجلينا الدير المهجور مش بعيد من هنا

نزلت ورجلي كانت متبنجة من القعدة الطويلة بصيت حواليا لقيت أرض زراعية واسعة والنخل عالي ومغطي السماء وفي الأفق كان فيه سور قديم جداً مبني من الطوب اللبن ومهدوم من أطرافه

عامر بيه طلع نص الورقة المقطوعة وبص فيها وقال وهو بينهج من التعب

عامر بيه: المفتاح في حضن العذراء تحت الشجرة التي لا تثمر الشجرة هناك اهي

شاور على شجرة جميز ضخمة جداً بس غصونها كانت ناشفة وسودا كأن النار كلتها مفيش فيها ورقة واحدة خضرة كانت واقفة زي الشبح جنب سور الدير القديم المهجور

قربنا من الشجرة وبدأنا نحفر في الطين والتراب بإيدينا عامر بيه كان بيحفر بكل قوته ونفوذه وأنا بنبش معاه والشنطة تحت باطي لحد ما إيدي لمست حاجة حديد ناشفة وقوية مدفونة تحت الجذور الضخمة

وفجأة وبدون مقدمات سمعنا صوت عربيات جاية من بعيد وتراب الشارع الزراعي بيطير في الهواء وصوت كشافات عالي كسر ضلمة الفجر وبيقرب مننا بسرعه جنونية

عرفت إن سامح وصل والصوت كان بيقرب والوقت مابقاش في صالحنا والحديد اللي تحت إيدي كان محتاج قوة عشان يترفع

أمسكتُ بالحاجة الحديدية بكل ما أوتيتُ من قوة، وعامر بيه يسندني وهو ينهج. كانت ماسورة حديدية سميكة ممتدة تحت جذور شجرة الجميز الميتة، وفي نهايتها قفل ضخم مغطى بالطين الصعيدي النتن. صرختُ بصوت مكتوم والمطر يخف تدريجياً مع تباشير الصبح:

* عامر بيه! امسك معايا، العلبة أو الخزنة مش ه تطلع غير لو شدينا سوا!

في تلك اللحظة، فرملت سيارتان ربع نقل بعنف خلفنا، وطار التراب ليغطي وجوهنا. نزل سامح وهو يحمل بندقية خرطوش، وخلفه ثلاثة رجال ملامحهم قاسية كالصخر، ونهلة تقف عند باب السيارة وتصرخ:

* خدهم يا سامح! خدهم قبل ما يطيروا بالورث!

سامح وجّه البندقية نحونا مباشرة، وعيونه حمراء من الغل والتعب وقال بصوت يخرج كالفحيح:

* ابعدي عنها يا هناء.. ابعد عن الحديدة يا عامر يا شافعي. تلاتين سنة وأنا عايش في وهم إن أبويا مات غلبان، وفي الآخر يطلع غسيل أموال وسلاح؟ الفلوس دي حقي أنا، أنا اللي عشت بلقب ابن الحرامي في وسط البلد بسبب أمك مديحة! هاتي المفتاح والورقة اللي معاكي!

عامر بيه وقف بثبات عجيب، ومد يده أمام جسدي ليحميني، ونظر لسامح بكل برود وقال:

* أبوك كان مجرم يا سامح، ومديحة السيوفي مخدتش الفلوس لنفسها، أمك عاشت ميتة وحرمت بنتها عشان الفلوس دي ترجع للناس اللي أبوك دمرهم.. المستندات اللي تحت الشجرة دي فيها حبل المشنقة ليك وللناس الكبار اللي مشغلينك ودلوقتي البوليس على وصول!

سامح ضحك بجنون ورفع البندقية:

* بوليس إيه في وسط المزارع دي؟ مفيش حد هيسمع صوتكم!

وقبل أن يضغط على الزناد، تملكتني شجاعة عمري ما حسيت بيها.. شجاعة جاية من قهر السنين، من صورة أمي وهي بتموت ورجليها ورمة، ومن ذل الفقر اللي عشته. سحبتُ الحديدة بقوة غاشمة فجأة فانكسر الجذع المتعفن، وخرجت معها علبة معدنية مصفحة ملتصقة بالماسورة. وفي نفس اللحظة، دوت سرينة شرطة قوية جداً من خلف التلال المحيطة بالدير!

عامر بيه التفت لسامح بابتسامة نصر:

* أنا مكنتش بهددك يا سامح.. أنا مأمن طريقي من أول ما خرجنا من القاهرة، وبلاغي للنيابة العامة بملف عتمان المنياوي القديم اتقدم من ساعتين.

رجالة سامح لما سمعوا سرينة الشرطة والسيارات بتهجم على المكان، جريوا وسابوه في وسط الأرض. سامح تراجع برعب والبندقية اترخت في إيده، ونهلة صرخت وركبت العربية وحاولت تهرب لوحدها بس البوكسات قفلت عليها الطريق من كل حتة.

وقع سامح في الطين وهو بيبكي من القهر، والكلابشات اتقفلت في إيده وإيد مراته.

بعد أسبوعين من الحادثة..

كنت قاعدة في مكتب عامر بيه بوسط البلد، والعلبة المصفحة مفتوحة قدامنا. المستندات والفلوس والدفاتر اتسلمت للجهات الرسمية عشان ترجع لأصحابها والمشاريع الخيرية اللي أمي أوصت بيها في نص الورقة التاني اللي كان عامر بيه شايله معاه من زمان.

أمي مديحة طلعت بريئة من السرقة، بس عاقبت نفسها بأقسى عقاب ممكن إنسان يتحمله عشان تحميني وتطهر الفلوس. النيابة سابتلي الجزء الشرعي الحلال من ثروة أمي الأصلية قبل الهروب.. رقم يكفيني ويعيشني في مستوى عمري ما حلمت بيه.

طلعت من مكتب عامر بيه وتمشيت في شوارع وسط البلد.. المطر وقف، والشمس طالعة دافية. لأول مرة من سنين، حسيت إن رجلي شايلاني، وإن روحي هديت. بصيت للسماء وقولت: “الله يرحمك يا أمي.. خلاص، حاجات كتير كانت مقفولة، والنهاردة اتفتحت.. وأنا مسمحاكي”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *