خطوبتي ج 2

بقلم روماني مكرم

نظرت “سارة” إلى شاشةِ الهاتفِ المضيئةِ بحيرة، والترددُ يأكلُ أصابعها. كان الرقمُ الغريبُ يواصلُ الرنينَ بصرامةٍ عجيبة، كأنه يرفضُ التراجع. رفعت أمُّ سارة رأسها من العناق، وتطلعت إلى الهاتف ثم إلى وجه ابنتها الشاحب، وهزت رأسها بضعفٍ تشجعها على الرد.

ضغظت سارة على زر الإجابة، ووضعت الهاتفَ على أذنها بصمتٍ مشدود. أتاها من الطرف الآخر صوتٌ رجاليّ عميق، ثقيلُ النبرة، يحملُ في طياته جديةً لا تحتملُ المزاح:

— ” السلام عليكم.. الأنسة سارة معايا؟”

ردت سارة بصوتٍ متقطع يحاول استعادة توازنه:

— “أيوه.. مين معايا؟”

تنهد الصاحبُ المتصل عبر الهاتف، ثم قال بنبرةٍ حاسمة:

— “أنا الأستاذ محمود، صاحب المحل اللي داليا أخت عمر كانت بتشتري منه الإسدال والهدوم.. أنا آسف إني بكلمك في وقت زي دا، بس ضميري ما سمحليش أسكت بعد اللي شفته النهاردة.”

اعترت الصدمةُ ملامحَ سارة، وعقدت حاجبيها في ذهول:

— “محل الإسدال؟! مش فاهمة.. وحضرتك جبت رقمي منين؟ ومعاك إيه تخصني؟”

أجابها محمود بصوتٍ خفيض يحملُ تحذيراً خطيراً:

— “داليا جَتلي المحل من أسبوع ومعاها الإسدال، وطلبت مني أفك البطانة السفلية وأخيط جواها الورقة اللي لقيتوها.. طبعاً أنا رفضت وطردتها، بس هي استغلت زحمة المحل وراحت للولد الشغال عندي وادتلو فلوس عشان يعملها الموضوع دا من غير ما أعرف. أنا عرفت بالصدفة لما راجعت كاميرات المراقبة النهاردة الصبح وشفتها وهي بتديلو الورقة وبتحطهالو بنفسها!”

اتسعت عينا سارة، وشعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدها، بينما اقتربت أمها منها أكثر لتميل بأذنها نحو السماعة. وواصل محمود كلامه بلهجةٍ أشد جدية:

— “أنا طردت الولد من المحل خلاص.. بس أخدت رقمك من أختها لما كانت بتسجل بيانات التوصيل زمان، وكلمتك عشان أحذرك.. داليا مش بس عملت الورقة دي في الإسدال، داليا كانت بتسأل الولد عن مكان شيخ معين في أطراف البلد، وسمعتها بتبعتله بصمت صوتية بتقوله (الخطوبة هتتفركش بكرة، ولازم الحساب يبدأ من ليلة الفركشة)!”

تسمرت سارة في مكانها، وسقطت منها كلمةٌ واحدة بصوتٍ خافت:

— “حساب إيه؟!”

رد محمود بثقل:

— “ما أعرفش يا أنسة سارة.. بس هي كانت ناوبة على شر أكبر بكثير من مجرد فركشة الخطوبة.. خلي بالك من نفسك ومن أهل بيتك، والأحسن تبلغوا الشرطة بالكاميرات اللي عندي قبل ما تنفذ بقية اللي في دماغها.”

أُغلق الخطُ، وساد الغرفةَ صمتٌ أشدُّ هولاً من الأول. سقط الهاتفُ من يد سارة على الأريكة، ونظرت إلى أمها التي كانت تتنفسُ بصعوبةٍ من هول ما سمعت.

وفجأةً، وقبل أن تستوعبا ما قيل، انقطعت الكهرباءُ عن الشقة بالكامل! أظلمت الصالةُ فجأة، وهبت نسيمُ هواءٍ باردٍ ومفاجئ من نافذة الشارع، محتملاً برائحةٍ غريبة كأنها رائحةُ حريقٍ خفيف.. وفي نفس اللحظة، تعالت طرقاتٌ متسارعة وقوية جداً على باب الشقة الخارجي!

#الكاتب_رومانى_مكرم_

تجمدت “سارة” وأمها في ظلام الصالة الدامس. كانت الطرقاتُ على الباب تزدادُ شدةً وعنفاً، كأن أحداً يحاول دكهُ بيده، فيما كانت رائحةُ الحريقِ الخفيفة تتسللُ من تحت العقب السفلي للباب وتنتشرُ في أرجاء الشقة.

تمسكت سارة بساعد أمها برعب، وقالت بصوتٍ يرتجف:

— “مين اللي يخبط بالطريقة دي يا ماما؟ الكهربا قطعت ليه فجأة؟”

حبست الأمُّ أنفاسها، وسحبت ابنتها خلف ظهرها ببطء وهي تتجهُ بخطواتٍ حذرة نحو الباب. اقتربت من الثقب البصري، وقبل أن تضع عينها عليه، سكنت الطرقاتُ فجأة.. وعاد الصمتُ المريب ليخيم على الممر الخارجي.

نادت الأمُّ بصوتٍ محشور بالخوف يحاول أن يبدو قادراً على المواجهة:

— “مين برة؟! مين اللي بيخبط؟!”

لم يأتِها ردٌّ إنساني، بل سمعت صوتَ خطواتٍ متسارعة تهبط الدرج بسرعةٍ جنونية، يعقبها صوتُ اصطدامِ شيءٍ معدني ثقيل على الأرض أمام الباب مباشرة!

بحركةٍ سريعة، أضاءت سارة كشاف هاتفها المحمول، وجاءت تقف بجوار أمها. أدارت الأمُّ المقبضَ بحذر، وفتحت الباب ببطء.. ليتصاعد في وجوههن جدارٌ من الدخان الأسود الخفيف.

على عتبة المنزل، كانت هناك زجاجةٌ زجاجية مكسورة يتصاعد منها دخانٌ كيهمي كريحة البارود، وبجوارها حقيبة قماشية سوداء صغيرة. تقدمت الأمُّ وشكلت ضوء الكشاف نحو الحقيبة، ثم مدّت يدها وفتحتها بطرف قطعة خشبية كانت مجاورة للباب.

داخل الحقيبة.. كانت تقبع صورةٌ شخصية لسارة، تم إحراق أطرافها بعناية، ومكتوب في ظهرها بأسلوبٍ ملطخ بالمداد الأسود: (الحساب بدأ.. ولن ينتهي بالشبكة).

صرخت سارة وغطت وجهها بيديها، بينما اشتعل رأسُ الأمِّ بالغضب والوعي الحاد. أدركت الأمُّ فوراً أن داليا لم تكتَفِ بالافتضاح، بل اندفعت في طريق الانتقام الأعمى بعد أن انكسرت أمام أخيها وأمها.

سحبت الأم الصورة والحقيبة، وأغلقت الباب بقوة وقفلته بالمفتاح المزدوج، ثم التفتت إلى سارة وقالت بصوتٍ صارم لا يقبل التردد:

— “ما فيش خوف بعد النهاردة يا سارة! البت دي اتجننت والشر عمى عينيها.. تلفونك فين؟”

التقطت سارة هاتفها بيدين ترتعشان:

— “أهو يا ماما.. هنعمل إيه؟ نكلم الأستاذ محمود صاحب المحل؟”

ردت الأم وهي تضيء الشمعة الموجودة على الطاولة:

— “هنكلم الأستاذ محمود ناخد منه تسجيلات الكاميرات فوراً.. وهنطلب ‘عمر’ أختها يجيب أمه وييجي هنا فوراً يشوف المهزلة دي بنفسه، قبل ما نروح نعمل بلاغ رسمي في النيابة بتهمة السحر والتهديد والاعتداء!”

اتصلت سارة برقم “عمر”. رن الهاتف لعدة ثوانٍ قبل أن يأتيهم صوته المكسور والمحمل بالهموم:

— “أيوة يا سارة.. خير؟”

صرخت الأم في الهاتف قبل أن تتكلم سارة:

— “اسمع يا عمر! أختك مجنونة وبرقبتك أنت وأمك! انزل شوف المصيبة اللي رمتها قدام باب بيتنا وحرق الشقة اللي كان هيحصل! لو ما جيتش حالا ومعاك أختك وأمك، تسجيلات المحل وبلاغ السحر هيكونوا في القسم خلال نص ساعة!”

على الطرف الآخر، ساد صمتٌ ذهوليّ من عمر، قبل أن يُسمع صوتُ حركةٍ جارفة وصراخُ أخته داليا من خلفه وهي تحاول منعه، ليرد عمر بنبرةٍ مرعوبة:

— “أنا جاي حالا يا أم سارة.. أرجوكي استني ما تعمليش حاجة لما أصل!”

#الكاتب_رومانى_مكرم_

مرّت الدقائقُ العشرين التاليةُ كأنها دهورٌ من الجمر. كانت الصالةُ تغرقُ في ضوء الشمعة الضعيف الذي يراقصُ الظلالَ على الجدران، بينما جلست “سارة” بجوار أمها، تحتضنان بعضهما وسط رائحة الدخان الكريهة التي بقيت عالقةً في الممر. لم تكن سارة تبكي، بل كانت تتابع الصورةَ المحروقة الأطراف القابعة على الطاولة المجاورة لعلبة القماش السوداء، وتشعرُ بأن غشاوةً ثقيلةً قد أُزيحت عن عينيك؛ خطوبةٌ كادت أن تسحبها إلى جحيمٍ أبدي لو لم يتداركها قدرُ الله في الوقت المناسب.

وفجأةً، ارتجت العمارةُ بوقعِ خطواتٍ صاعدةٍ مسرعة، تلاها صراخٌ مكتوم وشجارٌ حاد في الممر الخارجي. تقدمت الأمُّ بخطواتٍ ثابتة، وأدارت المفتاحَ في القفل لتفتح الباب على وسعه.

كان المشهدُ في الممر محتدماً.. وقف “عمر” يمسكُ بذراع أخته “داليا” بقوةٍ وصرامة، وجهه متفحمٌ بالخجل والغضب، ووراءهما تقف الأمُّ واضعةً يدها على قلبها وتستغيثُ بصوتٍ خافت. كانت داليا تتخبطُ بين يديه كالمجنونة، عيناها متسعتان بشرٍّ طائر، وثوبها متسخٌ بغبار السلم، تنظرُ إلى سارة وأمها بنظراتٍ ممتلئة بالكره والأحطاط.

دفعها عمر إلى داخل الصالة بقوة، وأغلق الباب خلفهم ثم جثا على ركبتيه تقريباً أمام أم سارة، وقال بصوتٍ مبشوح ينبضُ بالندم والعجز:

— “يا أم سارة.. أنا حافي القُدمين قدامكم النهاردة! حقكم على رأسي، ومستعد أعمل أي حاجة تطلبوها.. أنا ما كنتش أعرف إن الشر وصل بأختي للمرحلة دي!”

صاحت داليا بصوتٍ هيستيري وهي تحاول الفكاك من قبضة أخيها:

— “ما تتأسفش لحد يا عمر! دول ناس جعانين! أخدوا منك أحسن أياّم حياتك وسابوك! أنا كنت باخد حقك وحق الفلوس اللي اترمَت عليهم! كنت بعمل اللي يقصر لسانهم للابد!”

تقدمت أمُّ سارة نحوها بخطوةٍ واحدة، ولم ترفع يدها لتضربها، بل اكتفت بنظرةٍ ممتلئة بالاحتقار الشديد، وقالت بصوتٍ رزين زلزل أركان داليا:

— “حق مين يا بنت الجعانة؟! الفلوس اللي بتتكلمي عنها بنتي كانت بتصونها وتصون أخوكي! الهدية والفاكهة والأكل اللي طالعين تتمنوا بيه، بنتي وردت أضعافه احتراماً وأصولاً! بس اللي جوّاه نقص.. ما يملأش عينيه غير تراب القبر! بتعملي أعمال وسحر لبنتي عشان رفضت تهانتك ورجعتلك إسدالك اللي حطيتي فيه سمّك؟!”

ثم سحبت الأمُّ الصورةَ المحروقة والحقيبة السوداء من على الطاولة، وألقتها في وجه داليا وعمر:

— “شوف يا عمر! شوف أختك جاية تدبّ الحرائق عند باب بيتنا بعد ما مشيتوا! شوف السحر اللي كتباه على صورة بنتي! صاحب المحل كلمنا وبعتلنا فيديو الكاميرات وهي بتدفع للولد فلوس عشان تخيط الورقة في الإسدال! والتسجيلات صوت وصورة معايا على التلفون دا!”

انهار عمر بالكامل، وتلفت نحو أخته وصدمها بصعةٍ قوية على وجهها أطارت برأسها جانباً:

— “أنتِ إيه؟! أنتِ مش بني آدمة! أنتِ جيبتيلنا العار والخراب لحد بيتنا! بقى بتعملي أعمال وسحر وتدوري في الدجل والخراب عشان ترضي غلك؟!”

سقطت داليا على الأرض تشدُّ وجهها، وبكت لأول مرة ليس ندماً، بل هواناً وانكشافاً بعد أن سقطت كل أوراقها. أسرعت أمُّ عمر وجثت بجوار ابنتها وتبكي بحرقة، متوسلةً لأم سارة:

— “استري علينا يا أم سارة.. استري علينا يسترها عليكِ ربنا في بنتك! لو البلاغ دا اتعمل في القسم، أختها ومستقبلها وهيضيعوا، وعمر مش هيعرف يرفع رأسه بين الناس تاني! ابوس إيدك سامحينا وحقكم فوق راسنا!”

نظرت سارة إلى هذا المشهد المأساوي.. عريس الأمس الذي كان يطالب بحساب الفاكهة والعيديات، وأخته التي كانت تتبختر بالغرور والإسدال، أضحيا الآن أثرين مكسورين تحت أقدام الحق. رفعت سارة رأسها وقالت بصلابة:

— “التنازل مش هيدخل بيتنا ببلاش يا أم عمر.. البلاغ هيفضل محطوط في القسم لو داليا ما امضتش بكرة الصبح على تعهد بعدم التعرض، وتكتب إقرار بخط إيدها بتعويض كل التلفيات وإبطال العمل اللي عملته، وتسيب البلد كلها لو لزم الأمر! وأما الشبكة والهديا فتاخدوها وتمشوا فوراً.. وما أشوفش وش حد فيكم قدام باب بيتنا تاني لطول العمر!”

نظرت داليا بسخط، لكن عمر قاطعها بصوتٍ قاطع كالسيف:

— “هتمضي على كل اللي يطلبوه يا داليا.. ورجلك مش هتخطّي الشارع دا تاني طول ما أنا حَي! ولو فكرتِ تئذيهم بحرف واحد، أنا اللي هسلمك للشرطة بإيدي!”

في تلك اللحظة، عادت الكهرباءُ فجأةً لتضيء الصالة بالكامل، وتكشفَ عن وجوههم المتفحمة الخائبة. أخذ عمر علبة الشبكة والحقيبة، وجرّ أخته وأمه الخائبتين إلى الخارج، وأغلقوا الباب خلفهم لآخر مرة.

تنفسَت سارة وأمها الصعداء، واحتضنتا بعضهما في لحظة انتصارٍ وحرية نادرة.. لكن، حين التقطت سارة هاتفها لتغلق التسجيلات، وجدت رسالةً نصية جديدة وصلتها للتو من رقمٍ مجهول آخر كتب فيها: (فاكرة إن داليا هي بس اللي كانت عايزة تدمّر حياتك؟ افتحي الرسالة الجاية وتفرجي على المفاجأة الكبيرة!)

#الكاتب_رومانى_مكرم_

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *