يوم الفرح 3

تجلّدتُ أمام الرسالة، ولم أسمح للرعب أن يجد طريقه إلى وجهي أمام عم ناصر والحراس. أعدتُ طي الورقة السوداء بدقة وضعتها في جيبي.

— “عم ناصر.. نرجع القصر فورًا. قصر أمينة المنشاوي في الزمالك.”

القصر القديم بالزمالك كان مغلقًا منذ وفاة جدتي. بناء كلاسيكي من العشرينيات، جدرانه تشهد على بدايات العائلة، ويحتوي على مكتبة جدتي الخاصة التي لم يدخلها أحد منذ رحيلها.

وصلنا في منتصف الليل. كانت أضواء القصر الشاحبة تعكس ظلال الأشجار العتيقة. صعدتُ فورًا إلى الدور الثاني، حيث القبو والمكتب الخشبي الضخم المصنوع من الشجر الأبنوس.

بدأتُ البحث بين الأوراق والمذكرات القديمة. كانت أمينة المنشاوي امرأة فائقة التنظيم، تدون كل قرش وكل خيط. ولكن خلف الخزنة الرئيسية، لاحظتُ وجود لوحة زتيية قديمة لجدتي وهي تقف أمام أول ورشة نسيج لها. تحسستُ إطار اللوحة، فوجدتُ مقبضًا مخفيًا.

تزحزحت اللوحة لبتكشف عن خزنة صغيرة جدارية صلبة، تعتمد على فتح برقم سري. تذكرتُ تاريخ وفاة جدي الراحل وتاريخ تأسيس أول مصنع، وأدخلتُ الأرقام: 1-9-5-8.

تكتكت الخزنة وانفتحت.

داخل الخزنة، لم يكن هناك ذهب ولا أموال.. بل كانت هناك مفكرة جلدية حمراء متهالكة، وبجوارها عقد شركة قديم يعود لعام 1962، وم\سدس فاخر من الطراز القديم.

فتحتُ المفكرة ببرود. كانت خطوط جدتي اليدوية واضحة وصرامة كلماتها تنبض من بين السطور:

> *”إلى ليلى.. حفيدتي الوحيدة والوريثة الشرعية لذكائي وقوتي:*

> *إذا كنتِ تقرئين هذه السطور، فهذا يعني أن ‘فاروق الجبالي’ أو أحد أبنائه قد ظهر من الظلام ليطالب بما يدعي أنه حقه.*

> *في بداية طريقي، لم أكن أملك سوى فكرتي وعزيمتي، وفاروق كان الشريك المالي الأول بأموال جاء بها من تجارة مشبوهة وتهريب. عندما اكتشفتُ مصدر أمواله وحاول إجباري على أدخال مصانع النسيج في عمليات غسيل أموال، رفضتُ وبلّغتُ السلطات. سُجن فاروق، وأخذتُ العقد القانوني الذي يعطيني الحق الكامل في الشركة بعد تسديد كافة ديونه وأمواله للدولة.*

> *فاروق أقسم وهو يقاد للسجن أن يعود يومًا ما ليأخذ الإمبراطورية.. أو يدمرها على رؤوس أحفادي.*

> *يا ليلى.. السيوفي وطارق لم يكونوا سوى أداة صغيرة في يد أبناء فاروق الجبالي.. لا تطعني الذئاب وتنسي مَن أطلقهم عليكِ.”*

>

سقطت قطرة عرق من جبيني. فاروق الجبالي! الإسم الذي كان يُهمس به في عالم المال كأحد أكبر حيتان السوق السوداء والخفاء في الشرق الأوسط.

في تلك اللحظة بالذات، انطفأت أضواء القصر بالكامل.

ساد صمت مرعب. عم ناصر كان في الأسفل، لكنني لم أسمع له صوتًا.

سحبتُ المس\دس القديم من الخزنة، وتأكدتُ من وجود الرصاصات فيه—جدتي كانت تحسب حساب كل شيء. خرجتُ بخطوات هادئة للغاية في الممر المظلم، أعتمد على ضوء القمر المتسلل من النوافذ الطويلة.

سمعتُ صوت أقدام ثقيلة تصعد السلم الرخامي.

وقفتُ أعلى السلم، ورأيت ظلاً عريضًا لرجل يرتدي معطفًا طويلاً، ويحمل في يده عصا بأعلى رأس من الفضة، وبجواره اثنان من المسلحين بجسامة غير طبيعية.

توقف الرجل عند أسفل السلم، ورفع رأسه. أضاء ضوء القمر وجهه.. رجل في سبعينيات عمره، بعين واحدة غائرة وشطب جراحي يمتد على خده الأيسر.

— “مساء الخير يا بنت أمينة..” قالها بصوت أبحّ كصوت الحديد الصدئ. “شبهها بالظبط.. نفس العينين الباردة والنظرة اللي فاكرة نفسها فوق البشر.”

رفعتُ المس\دس بثبات وأشرتُ به مباشرة نحو رأسه:

— “أنت فاروق الجبالي.”

ضحك العجوز ضحكة جافة هزت أركان الممر المظلم:

— “برافو يا ليلى.. قرأتِ المذكرات بسرعة. جدتك سقتك من سمّها بدري. بس المس\دس القديم ده مش هيحميكي.. ولا الشوية اللي عملتيهم مع عيلة السيوفي الهبل دول. السيوفي وطارق كانوا مجرد ‘طُعم’ عشان أشغلك بعيد عن الصفقات الكبيرة اللي كنت باخدها منك واحدة ورى التانية في السوق الأوروبي.”

— “أنت اللي اشتريت أسهم الشركة في البورصة من ورايا لحساب شركات أوفشور؟” سألته وأنا أحتفظ بهدوء أنفاسي.

— “شاطرة!” رد فاروق وهو يخطو أول خطوة على السلم. “من بكرة الصبح.. النسبة اللي معايا في شركة المنشاوي أصبحت 49%.. وبكرة في فتح جلسة البورصة، هنسحب باقي الأسهم وهنعلن الاستحواذ الكامل. إمبراطورية أمينة المنشاوي هتتغير اسمها لـ’مجموعات الجبالي’.. وإنتِ هترجعي لصفر زي ما جدتك بدأت بالضبط!”

ساد الصمت لثوانٍ. نظرتُ إليه بابتسامة صغيرة، ابتسامة جعلت فاروق يتوقف عن الصعود، ويزداد الشك في عينيه.

— “أنت بجد فاكر إنك بتلعب معايا يا فاروق؟” قلتُ وأنا أنزل خطوة واحدة نحوه على السلم.

— “إنتِ في موقف ضعف يا بنت المنشاوي! المسلحين بتوعي محاصرين القصر، وعم ناصر تحت مربوط ومغمى عليه!” صرخ فاروق بغضب.

سحبتُ هاتفي الصغير باليد الأخرى، وفتحتُ السبيكر.

صوت صدح في القاعة، صوت رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية والبورصة:

— “مساء الخير يا ست ليلى.. بنأكد لحضرتك إن تم تجميد كافة عمليات الشراء والاستحواذ اللي تمت من شركات الأوفشور التابعة لشركة ‘الجبالي جروپ’ بناءً على أمر قضائي صادر بتهمة غسيل الأموال والتعامل بأوراق مزورة من التسعينات.”

وجه فاروق اتخطف في ثانية. رجع خطوة لورا بصدمة هائلة:

— “إيه؟! إنتِ عملتي إيه؟!”

— “جدتي أمينة كانت عارفة إنك هترجع يا فاروق..” أجبته ونبرة صوتي أصبحت أصلب من الصلب نفسه. “ومن خمس سنين، حطت كل أسهم الشركة الرئيسية في وقف عائلي مغلق لا يجوز بيعه ولا تداوله في البورصة إلا بموافقة المالك الفردي.. اللي هو أنا. الأسهم اللي أنت اشتريتها من السوق دي كانت أسهم وهمية وطُعم إحنا اللي عرضناه في السوق بأسماء شركات مدنية عشان نلم كل فلوسك السريلة ونحجز عليها!”

فاروق أشار للمسلحين بجانبه بغل:

— “اقتلوها! اخلصوا منها دلوقتي!”

قبل أن يتحرك المسلحان خطوة واحدة، تحطمت النوافذ الزجاجية للقصر بالكامل، ودخلت أشعة الليزر الحمراء الخاصة بقوات التدخل السريع والأمن الوطني، وملأت الصدر والوجوه.

— “اثبت مكانك أنت وهو! الشرطة محاصرة المكان!” صرخ ضابط المباحث وهو يدخل من الباب الرئيسي ومعه عشرات العناصر المسلحة.

تمت السيطرة على المسلحين في ثوانٍ معدودة، ونُزع الس\لاح منهما وأُسقطا على الأرض.

وقف فاروق الجبالي محاصرًا بأشعة الليزر الحمراء، ينظر إليّ وهو يلهث برعب وذهول، غير مصدق أن الإمبراطورية التي ظل يخطط لتدميرها عقودًا، تحطمت أحلامه أمام بوابتها في ليلة واحدة وعلى يد فتاة في العشرينيات.

نزلتُ السلم بخطوات متزنة، حتى وقفتُ أمامه مباشرة. أعدتُ الم\سدس إلى جيبي، ونظرتُ في عينيه المليئتين بالغل والانهيار.

— “جدتي ما سرقتش إمبراطوريتها بالدم يا فاروق..” همستُ في أذنه بكل شموخ. “جدتي بنتها بالعرق والذكاء.. وأنا حريستها. ومفيش ذئب مهما كبر يقدر يلمس سور المنشاوي ويمشي على رجليه.”

قيدت الشرطة فاروق الجبالي، وسُحب للخارج وهو يصرخ بهستيريا.

ركضتُ لأسفل، واطمأننتُ على عم ناصر الذي كان بخير بعد أن أفاقه المسعفون.

وقفتُ على شرفة القصر العتيق مع بزوغ أول أشعة لشمس الصباح، أنظر إلى شروق يوم جديد.. يوم أصبحت فيه ليلى المنشاوي هي الحاكم المطلق للإمبراطورية، بلا أعداء في الظل، وبلا خوف من الماضي.

أخرجتُ المفكرة الحمراء، وكتبتُ في الصفحة الأخيرة بخط يدي:

> *”تُبنى الإمبراطوريات بالجهد، وتُحمى بالقوة.. واليوم، بدأ عهد ليلى المنشاوي.”*

>

خرجتُ من قصر الزمالك مع ساعات الصباح الأولى، والشمس تشرق على القاهرة لتعلن عن بداية يوم جديد تماماً. فاروق الجبالي خلف الأسوار، وعائلة السيوفي تساق إلى مصيرها المحتوم، وطارق المنشاوي معزول وملاحق قضائياً. لكنني تعلمتُ من جدتي أمينة أن النصر لا يكتمل بمجرد قطع رؤوس الأفاعي، بل بتجفيف المأوى الذي ولدت فيه.

ركبتُ السيارة متجهةً إلى مقر المحكمة الاقتصادية. اليوم ليس يوم إداري في الشركة، بل يوم الحساب الشامل والعلني.

في قاعة المحكمة الفسيحة، كانت الجلسة محددة للنظر في بلاغات النيابة العامة ضد كريم السيوفي، ووالده فؤاد، ووالدته سهير، وطارق المنشاوي، بتهم التزوير والشروع في الابتزاز والتآمر لتدمير أصول اقتصادية وإشعال حريق عمدي.

دخلتُ القاعة وأنا أرتدي ثوبًا أسود أنيقًا، يزينه معطف أبيض ناصع، وحلق الألماس الخالص يتلألأ تحت أضواء القاعة. يجلس خلفي عشرات الصحفيين والمصورين وكبار رجال الأعمال.

جلس المتهمون في قفص الاتهام.

كريم كان يرتدي ملابس السجن البيضاء، وجهه شاحب، وعيناه غائرتان مليئتان بالندم والكسرة. لم يجرؤ على رفع عينيه ليقابل عينيّ. أما سهير، فكانت تجلس في الزاوية، شعرها المتصلب أصبح أشعث، ووجهها الذي كان ينضح بالاستعلاء يمتلئ الآن بملامح الخوف والانهيار. فؤاد كان يتنفس بصعوبة، يمسك بقلبه ويكلم محاميه بصوت مرتعش. وفي الطرف الآخر من القفص، كان طارق المنشاوي يمسك بقضبان الحديد وينظر إليّ بغل مكتوم.

جلس القاضي، وساد الصمت القاعة.

بدأ ممثل النيابة العامة بتلاوة أسباب الدعوى، مستعرضًا الأدلة القاطعة التي قدمتها: الأدلة الصوتية والمصورة لعملية الابتزاز، التسجيلات الحرارية لحريق العاشر من رمضان، والتحويلات البنكية المشبوهة بين طارق وعائلة السيوفي وفاروق الجبالي.

— “سيادة القاضي..” قال ممثل النيابة بصوت جهوري هز أركان القاعة. “إننا لا ننظر اليوم مجرد قض\ية نزاع مالي أو عائلي، بل ننظر جري\مة مكتملة الأركان استهدفت تدمير صرح اقتصادي وطني وقفت خلفه امرأة مكافحة، واستغل فيه المتهمون مشاعر الزواج والقرابة للسرقة والنهب بغير وجه حق!”

طلب محامي كريم الكلمة، وقام محاولاً استعطاف الهيئة:

— “سيادة القاضي.. موكلي كريم السيوفي وقع تحت تأثير والده، وكان يمر بأزمة مالية خانقة، وما حدث منه يوم الصباحية كان اندفاعًا طائشًا، فنلتمس من عدالة المحكمة استخدام أقصى درجات الرحمة.”

هنا، رفعتُ يدي واستأذنتُ القاضي في الحديث بصفتي المجني عليها والمدعي بالحق المدني.

أذن لي القاضي. وقفتُ بثبات، ونظرتُ نحو قفص الاتهام مباشرة:

— “سيادة القاضي.. كريم لم يكن طائشًا ولا مخدوعًا. كريم وعائلته دخلوا حياتي بمهندسية باردة، واستغلوا الهدوء الذي تربيتُ عليه للوصول إلى أختام ومصانع جدتي. السذاجة ليست جري\مة، لكن استغلالها للسرقة والابتزاز هو أقبح أنواع الجرائم. الرحمة مع هؤلاء هي خيانة لكل امرأة مكافحة تبني مستقبلها بيدها، ولكل عامل في مصانعنا ينتظر روتبه ليعيل أسرته.”

كريم انهار في هذه اللحظة، وبدأ يبكي بصوت مسموع:

— “سامحيني يا ليلى! أرجوكِ يا ليلى تنازلي.. أنا اتخدعت، أبيا وسهير هما اللي زقوني!”

سهير صرخت فيه بغضب وهستيريا داخل القفص:

— “اخرس يا فاشل! أنت اللي ضيعتنا بضعفك!”

تحولت قفص الاتهام إلى ساحة من الشجار والاتهامات المتبادلة بين أفراد العائلة، في مشهد مهين كشف عن حقيقتهم العارية أمام الجميع. ضرب القاضي بمطرقتِه بقوة للسيطرة على القاعة.

وبعد مداولة لم تدم أكثر من ساعة، خرجت الهيئة للنطق بالحكم:

— “حكمت المحكمة حضورياً:

أولاً: بسجن المتهم كريم فؤاد السيوفي بالسجن المشدد لمدة سبع سنوات وتغريمه عشرة ملايين جنيه.

ثانياً: بسجن المتهمة سهير عبد الحميد بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات بتهمة التحريض والمشاركة في إشعال حريق عمدي.

ثالثاً: بسجن المتهم فؤاد السيوفي لمدة خمس سنوات وتجميد كافة أصوله وممتلكاته لصالح الوفاء بالديون.

رابعاً: بسجن المتهم طارق المنشاوي لمدة خمسة عشر سنة بتهمة الخيانة العظمى لشركة مساهمة والتآمر مع أطراف أجنبية للإضرار بالمصلحة الاقتصادية، مع تجريده من كافة ملكياته وأسهمه في الشركة.”

سقطت سهير مغشيًا عليها على أرضية القفص، بينما انهار طارق وفؤاد، وصاح كريم بالبكاء وهو يُساق بالكلبشات لخارج القاعة.

خرجتُ من باب المحكمة، حيث التفت حول الصحافة والتلفزيون. وقف “عم ناصر” بجانبي ومعه الحقيبة الجلدية التي تضم أوراق التوسع الجديد.

وجه لي أحد الصحفيين سؤالاً:

— “مدام ليلى المنشاوي.. بعد سقوط عائلة السيوفي وطارق وفاروق الجبالي، ما هي خطتك القادمة لـ ‘إمبراطورية المنشاوي’؟”

نظرتُ إلى الكاميرات بابتسامة واثقة، أرتدي فيها كبرياء السنين التي بنتها أمينة المنشاوي:

— “المنشاوي لم تكن أبداً قصة انتقام.. المنشاوي قصة بناء. الأعداء سقطوا لأنهم انشغلوا بالهدم، ونحن استمررنا لأننا نتقن البناء. اليوم نغلق صفحة الماضي بالكامل، ونبدأ خطة إنشاء أكبر مجمع لنسيج الحرير والقطن في الشرق الأوسط باستثمارات تتجاوز المليار دولار.”

عدتُ إلى السيارة المرسيدس، وفي الطريق، أخرجتُ من حقيبتي الورقة الخشبية الصغير التي طبعت عليها صورة جدتي أمينة. مسحتُ الغبار عنها، وحطيتها قدامي على الطابلوه.

— “حقك رجع يا أمينة..” همستُ لنفسي. “والإمبراطورية في إيد أمينة.”

لكن.. وقبل أن تصل السيارة إلى مقر الشركة، أخرج عم ناصر لوحًا إلكترونيًا وقال بنبرة جدية:

— “ست ليلى.. الصفقة الكبرى مع الوفد الألماني وسفراء دول الاتحاد الأوروبي جاهزة للتوقيع النهائي بكرة في الفندق الكبير.. بس في شخص غريب طلب يحضر التوقيع بصفته الشريك الدولي الجديد اللي اشترى ديون عائلة السيوفي الخارجية.. شخص بيسمي نفسه ‘الرئيس’.”

التفتُّ لعم ناصر وعيناي تشتعلان بالتحدي:

— “الرئيس؟ خليه يجي يا عم ناصر.. المنشاوي ما بقاش يخاف من الأشباح.”

دخلتُ القاعة الملكية في الفندق الكبير بالقاهرة. كانت الأضواء الخافتة والموسيقى الكلاسيكية الهادئة تضفي انطباعًا بالوقار والسيطرة. سفراء دول الاتحاد الأوروبي، ورؤساء الشركاء الألمان، ومندوبو البنوك العالمية يجلسون حول الطاولة البيضاوية الفخمة، ينتظرون لحظة الإعلان عن أكبر صفقة نسيج في تاريخ الشرق الأوسط بقيمة مليار دولار.

كنتُ أرتدي فستانًا رسميًا أسود مطعّمًا بخيوط الحرير الذهبية التي صنعتها مصانعنا في غزل المحلة، وعلى صدري دبوس ذهبي عتيق يحمل حرف (A)—أول حرف من اسم جدتي “أمينة”.

وقفتُ على رأس الطاولة، وبجانبي عم ناصر يمسك بملفات التوقيع النهائية.

ساد الصمت عندما انفتح الباب الرئيسي للقاعة، ودخل رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة حادة التصميم، ملامحه هادئة بثقة صارمة، وفي عينيه ذكاء حاد يشبه ذكاء القادة العظام.

وقف الرجل أمامي مباشرة، وأمسك بيده حقيبة جلدية سوداء.

— “الست ليلى المنشاوي..” قالها بلغة عربية فصيحة تشوبها نبرة ثقة راقية. “أنا ‘يوسف الجبالي’.. الابن الأكبر لفاروق الجبالي، والرئيس التنفيذي لمجموعة المستثمرين الدوليين في أوروبا.”

تهامس الحضور في القاعة. عم ناصر تحرك خطوة للأمام بحذر، لكنني رفعتُ يدي وأشرتُ له بالهدوء. لم يرف جفني، ولم يتغير إيقاع أنفاسي.

— “أهلاً يا أستاذ يوسف..” قلتُ بصوت هادئ ومباشر. “جاي تكمّل اللي أبوك وطارق وعيلة السيوفي فشلوا فيه؟ ولا جاي تشوف بنفسك الإمبراطورية وهي بتتوسع؟”

ابتسم يوسف ابتسامة غير متوقعة، فيها احترام حقيقي وتجرد كامل من أي غل. فتح الحقيبة وأخرج منها وثيقة رسمية مختومة من بنك الاستثمار الأوروبي والمحكمة الدولية.

— “أنا مش جاي أحاربك يا ليلى..” قال يوسف بنبرة صادقة هزت القاعة. “أنا قديت العشرين سنة اللي فاتوا في أوروبا بصلّح القذارة اللي أبوي عملها باسم العائلة. ولما علمت باللي عمله السيوفي وطارق بالاتفاق مع أبوي، قمت بشراء كافة الديون والأسهم المشبوهة اللي حاولوا يبتزوكِ بيها.. وسددتها بالكامل للحكومة وللبنوك.”

وضع يوسف الوثيقة أمامي على الطاولة.

نظر للورقة، فإذا هي تنازل كامل وبدون أي مقابل عن كافة الأصول والأسهم التي حاول فاروق الجبالي الاستحواذ عليها، مضافًا إليها شبكة توزيع أوروبية ضخمة تملكها مجموعته في ألمانيا وفرنسا!

— “دي مش منحة يا ليلى..” أكمل يوسف وهو ينظر في عينّي بثبات. “دي إعادة حق.. وتكفير عن أخطاء عيلتي. جدتك أمينة كانت على حق لما رفضت الشراكة المشبوهة مع أبوي، وأنتِ أثبتِ إنك مش بس وريثة أمينة.. أنتِ القائدة اللي تستحق تقود سوق النسيج في المنطقة كلها.”

نظر السفراء والشركاء الألمان لبعضهم البعض باحترام شديد، وقاموا متأثرين بهذه اللحظة التاريخية، وساد التصفيق الحار القاعة الكبرى.

نظرْتُ إلى يوسف الجبالي مطولاً، ورأيتُ في عينيه صدق الرجل الذي قرر أن يبدأ صفحته الخاصة بعيدًا عن ظلال الماضي.

ممدتُ يدي له بثبات:

— “الشراكة النظيفة هي الوحيدة اللي بتعيش يا يوسف.. والمنشاوي بيحترم القوي اللي بيعرف الحق.”

مصافحته أمام عدسات المصورين وكاميرات الصحافة العالمية، لتُلتقط الصورة التاريخية التي تصدرت غلاف كبريات المجلات الاقتصادية في الصباح التالي تحت عنوان: **«نهاية حروب الظلام.. وليلى المنشاوي تتربع على عرش النسيج العالمي».**

مضيتُ على عقود التوسع الأكبر بقيمة مليار دولار، وتم إطلاق اسم “مجمع أمينة المنشاوي الصناعي” على أكبر مدينة نسيج متكاملة في الشرق الأوسط.

بعد مرور عامين..

كنتُ أقف في شرفة المقر الرئيسي الجديد للإمبراطورية في العاصمة الإدارية الجديدة. المبنى يرتفع خمسين دورًا، يطل على المساحات الخضراء، وأصوات الماكينات في مصانعنا بالثلاث مدن تبث في التلفزيونات الداخلية حركة لا تتوقف على مدار أربع وعشرين ساعة.

جاءني عم ناصر وهو يحمل قهوتي الصباحية، ابتسم وهو ينظر إليّ بوفاء وأبوة:

— “صباح الخير يا ست ليلى.. خطوط الإنتاج الجديدة في ألمانيا وافتتاح فرع نيويورك تموا بنجاح، وتقرير الأرباح السنوية كسر كل الأرقام القياسية في تاريخ الشركة.”

رشفْتُ من القهوة ونظرتُ للسماء الصافية.

تذكرتُ ثاني يوم بعد الفرح.. تذكرتُ كريم وسهير وفؤاد وهم يظنون أن الروب الحريري الأبيض وحلق الألماس علامة سذاجة وضبط صيد سهل.

تذكرتُ الموثق والقلم الأسود اللي شطبت بيه على ورقة التنازل.

كم كانوا عميانًا! لم يفهموا أن القوة لا تحتاج إلى صراخ، وأن الهدوء هو الغلاف الأثقل للحديد.

اليوم.. كريم يقضي سنواته خلف الأسوار يفكر فيما خسره بسبب الجشع، وسهير وطارق يدفعون ثمن حقد أكل قلوبهم، بينما اسم “المنشاوي” أصبح رمزًا للشرف والعمل والسيادة.

لمستُ حلق الألماس الخاص بجدتي، وابتسمتُ ابتسامة نصر هادئة صافية.

— “جدتي أمينة كانت بتقوللي: ‘ما توريش الديابة فين الحديد اللي مخبياه’..” قلتُ لعم ناصر وأنا ألتفتُ لمكتبي. “بس هي نسيت تقوللي.. إن الديابة لما بتشوف الحديد.. بتهرب وتفوت إمبراطوريتها لصاحبتها الحقيقية.”

أغلقتُ ملف الماضي للأبد، ومشتُّ بخطوات واثقة نحو قاعة الاجتماعات.. حيث كان المستقبل ينتظر ليلى المنشاوي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *