مسافر لندن ج2

حكايات روماني مكرم

**الجزء الثالث**

نزلت كلمات المحامي عليا زي الصاعقة، الورق في إيده كان بيتهز، وبصته الشامتة كانت بتعكس كم الغل والترتيب اللي كان طارق بيخطط له من لحظة ما نزل من المطار. أخذ أخويا الورق منه بقوة وطرده بره الشقة وهبد الباب في وشه، بينما أنا وقفت مكاني مش قادرة أستوعب البشاعة.. جوزي اللي غربته سنة كاملة عشان بنيت معاه بيت، بدل ما يجري يلمس جراحي ويطيب خاطري وخاطر ابنه، رايح يرفع عليا قضايا ويزور الواقع عشان يخليني فرئية للشارع وياخد مني سيف!

سيف صحي من النوم على صوت الهبد، جرى عليا وحضن رجلي وهو بيترعش ويقول:

— ماما.. هو بابا جه عشان ياخدني منك؟ أنا خايف يا ماما ومش عايز أروح معاه!

نزلت لمستواه بإيدي السليمة وحضنته بقوة ودموعي بتنزل حامية على قميصي، وحلفت في سري إن لو على رقبتي، الولد ده مش هيتاخد مني.

صبيحة اليوم التالي، كانت النيابة ساحة لمعركة حقيقية. دخلت أنا وأبويا وأخويا والمحامي بتاعنا، وكنت سانده إيدي المجبسة ووشي لسه معالم الضرب باينة عليه. على الناحية التانية، كان طارق واقف مع أبوه ومحاميهم، وشكلي لما شفت سعيد أخوه طالع من الحجز ومكلبش في إيد أمين الشرطة، جالي شعور متناقض بين القهر والانتصار. سعيد كان وشه أصفر وشعره مبهدل، الهيبة الكدابة والفتونة اللي كان بيعيشها على الستات اتبخرت أول ما انحبس في التخشيبة.

أول ما النيابة بدأت التحقيق، حاول محامي سعيد يقلب الحقيقة ويقول إنها كانت مشاجرة عائلية وإنني أنا اللي تطاولت عليه وزقيته على السلم وهو كان بيدافع عن نفسه! بس المحامي بتاعنا قدم التقرير الطبي الموثق اللي بيثبت الكسر في الساعد والجروح القطعية، وقدم شهادة اتنين من الجيران اللي أنا كنت دخلتهم الشقة وشافوا آثار الاقتحام والضرب المباشر.

وكيل النيابة بص لسعيد ونهر المحامي بتاعه، وأمر بتجديد حبس “سعيد” 15 يومًا على ذمة التحقيق بتهمة الضرب والاعتداء العمدي وإحداث عاهة مستديمة واقتحام مسكن!

القرار ده كان ضربة قاضية لطارق وأهله. لما سمعوا القرار، حماتي صرخت في الصالة وبدأت تدعي عليا، وطارق وشه اتغير وبقى زي الميتين. قرب مني والمحامي بتاعه بيحاول يمسكه، وبص لي بعيون فيها شر وقال بصوت مكتوم:

— فرحانة يا سارة؟ فاكرة إنك كده كسبتي؟ سعيد هيخرج.. بس أنتِ وابنك حياتكم معايا انتهت، والورقة اللي في إيد المحامي هخليكي تلفي بيها على المحاكم عشر سنين!

رديت عليه بثبات كسر غروره:

— اللي يبيع مراته عشان بطلجي يسيبها تتكسر، ما يلزموش غير المزبلة يا طارق.. وسعيد لو خرج هيرجع السجن تاني، وأنا للقانون جاهزة!

خرجنا من النيابة، وبدأت حرب السجلات والأوراق الرسمية. طارق رفع إنذار طاعة بيطالبني فيه بالرجوع لبيت العيلة، وكأنه بيبعتني للمقصلة برغبتي! محامينا رد فوراً باعتراض على إنذار الطاعة، موضحاً بالتقارير ومحاضر الشرطة إن السكن غير آمن على الحياة ولا يُؤمن فيه على النفس والمال.

في نفس الوقت، رفعنا ق\ضية “خلع” وقض\ية “نفقة للطفل”، لأن طارق من لحظة ما نزل مصر امتنع تماماً عن الإنفاق على ابنه، وحول كل فلوسه لحساب أمه وأخوه عشان يضغط عليا مادياً ونفسياً!

مر أسبوعين، والضغط المادي بدأ يبان، أبويا راجل متقاعد وعلى قد حاله، ومصاريف العلاج والأدوية وإشاعات دراعي المكسور مع مصاريف سيف كانت حملاً ثقيلاً. بس الموقف ده صحى جوايا قوة عمرها ما كانت موجودة.. قررت إنني مش هستسلم ولا هكون العبء اللي يكسر أهلي.

بدأت أجمع العينات والملاحظات وبدأت اشتغل من البيت في شغل الترجمة والتنسيق الإلكتروني اللي كنت بشتغله زمان قبل الجواز. كنت بسهر بالليل وإيدي الشمال بالجبس أكتب بالإيد اليمين، والوجع يقطع في جسمي، بس العزيمة كانت بتغذيني.

وفجأة.. في يوم الجمعة بالليل، والهدوء لف المنطقة، سمعنا صوت خبط زعيق وشوشرة تحت البيت!

أخويا بص من الشباك وشه اتغير تماماً وقال بصوت مرعوب:

— انزلي يا سارة استخبي في الأوضة بسرعة! طارق جايب معاه أربعة بلطجية ومعاهم أمه، وواقفين تحت العمارة بيكسروا في باب المدخل وبيزعقوا بعلو صوتهم عشان ياخدوا سيف بالعافية!

صوت طارق كان طالع من الشارع بيهز العمارة وهو بيصرخ:

— أنزل يا “عمي” سلمني ابني بالذوق.. بدل ما أطلع أهد الشقة فوق رؤوسكم وآخده بالعافية!

بقلم الكاتب: رومانى مكرم

**الجزء الرابع (قبل الأخير)**

وقفت في نص الأوضة ودمي جمد في عروقي، صوت طارق والبلطجية اللي معاه تحت العمارة كان يخلع القلوب، وصوت تكسير الباب الصاج بتاع المدخل كان بيتردد في الشارع كله. “سيف” ابني اترعش وحضن فيا وهو بيبكي بهستيريا:

— ماما.. بابا هيضربنا زي عمو سعيد؟ أنا خايف يا ماما!

مسكت دموعي بالعافية وضميته لصدري بإيدي السليمة، وقولت لأخويا بصوت حاسم ورجفة الخوف اختفت منه تماماً:

— اطلب النجدة فوراً يا أحمد، واطلب جيراننا الشرفاء ينزلوا.. طارق اتجنن وخلاص مابقاش باقي على أي حاجة!

أخويا اتصل بالنجدة وسجل بلاغ اقتحام وترويع، ونزل يجرى على السلم هو وأبويا، وأنا أقفلت الأوضة عليا وعلى ابني بالمفتاح، ومسكت عصا حديد كانت ورا الباب بإيدي اليمين، وحلفت لو حد منهم تجرأ وكسر شقة أهلي ودخل، هدافع عن ابني ونفسي لآخر نفس في عمري.

في الشارع تحت، الجيران والشباب الكبار لما سمعوا الصوت والتكسير ورؤوا البلطجية بيحاولوا يقتحموا العمارة، اتجمعوا فوراً. أهل المنطقة ما قبلوش إن حرمة بيت جارهُم تتهتك بالطريقة البشعة دي. حصلت مشادة كلامية وزعيق شديد بين شباب الشارع والبلطجية اللي طارق أجرهم، واشتبكوا مع بعض وحصلت ضرب وهرج ومرج هز الشارع كله.

خلال دقائق معدودة، كانت سرينة عربيات النجدة بتلعلع في المنطقة، والشرطة وصلت قبل ما طارق والنعرات اللي معاه يقدروا يهربوا! البوكس نزل منه الضابط والقوة، ومسكوا طارق والبلطجية المتأجرين متلبسين وبحوزتهم أسلحة بيضاء، وحماتي كانت واقفة بتصرخ وتدعي، بس الظابط ما أداهاش فرصة، وأمر بصلب طارق والبلطجية واقتادهم جميعاً على القسم!

نزلت أنا وأبويا وأخويا على القسم فوراً. طارق كان واقف في الكلبشات ووشه متبهدل من الاشتباك مع الجيران، عينيه كانت زايغة ومش مصدق إن كبرياءه وغروره وصلوه لمكان زي ده! أول ما شافني، كان عايز يزعق، بس الظابط نهره بقوة وقفل عليه.

تحررت القضايا ومحضر اقتحام جديد وترويع للمواطنين وحيازة أسلحة، وانضم المحضر الجديد لملف الق\ضية القديمة. وكيل النيابة المرة دي ما تساهلش، وأمر بحبس طارق 4 أيام على ذمة التحقيق، وانتقل من موقع “الزوج اللي بيمارس ضغطه” لموقع “المتهم في قضايا جنائية”!

الضربة القاضية دي كسرت شوكة بيت العيلة بالكامل. سعيد أخوه مقبوض عليه ومجدد له الحبس، وطارق جوزها لحقه في التخشيبة بنفس التهم والفضائح! حماتي وحمايا بقوا يلفوا حوالين نفسهم زي الفرخة المذبوحة، الكبر اللي كان ماليهم والفتونة اتبخرت تماماً، وبقوا يرجوا الطوب عشان نرضى نعمل صلح!

بعد أسبوع من المحاكمات والضغط، محامي طارق أدرك إن القضايا ملفوفة حوالين رقبة طارق وسعيد، وإن المحاكم مش هترحمه، وممكن يلبس حكم سجن يضيع مستقبله وشغله في لندن للأبد.

جاءنا المحامي بيت أهلي، بس المرة دي مش جاي بقلة أدب ولا بورق طاعة، جاي ووشه في الأرض وبيترجى أبويا:

— يا حاج.. طارق وسعيد ضاعوا، وطارق شغل London هيطير منه وسعيد مستقبله اتدمر. طارق مستعد يطلق سارة رسمياً وبكل حقوقها الشرعية، وهيكتب لها شقة مستقلة باسمها وباسم ابنها بعيد عن بيت العيلة خالص، ويسلمها كل مؤخرها ونفقة الولد كاملة.. بس تسحبوا المحاضر والتنازل يتم قبل جلسة التجديد الجاية!

أبويا بص لي وقال:

— القرار قرارك يا سارة.. الحق جالك لحد عندك، والظالمين أخدوا درس عمرهم ما هينسوه.

بصيت لإيدي المجبسة اللي بدأت تطيب، ولإبن سيف اللي كان نايم في أمان من غير خوف، وقررت آخد حقي والتنازل يكون بشرط واحد يضمن لي حياتي وحياة ابني للأبد!

بقلم الكاتب: رومانى مكرم

**الجزء الخامس والأخير**

جلست في مكتب المحامي، وقلم التنازل في إيدي، لكن عيني كانت باصة بثبات لطارق وأبوه المحني ظهرهم قبالتي. طارق كان خاسس، وشه شايل ذل التخشيبة، وغروره العالي اتبخر واتبدل بنظرة انكسار ورجاء.. نفس الراجل اللي كان من أيام بيهددني وياخد ابني بالعافية، واقف النهاردة مستني كلمة مني ترحمه من السجن وتنقذ اللي فاضل من حياته.

قلت بصوت واضح وقاطع هز الأوضة:

— التنازل مش هيتم إلا بعد ما التنازلات والرسميات تخلص الأوّل! الطلاق يقع وثيقة رسمية بائنة لا رجعة فيها، شقة مستقلة باسم ابننا سيف تتسجل تسجيل شهر عقاري، وكل حقوقي ومؤخري ونفقة الولد تتدفع كاش وتتوثق في النيابة. غير كده.. القضايا هتمشي والقانون ياخد مجراه وخلّي غروركم ينفعكم في السجن!

حمايا بص لطارق وهو بيهز رأسه بحسرة، وطارق غمّض عينيه بمرارة ووافق على كل الشروط وهو ساكت.

في خلال ثلاثة أيام، كانت الإجراءات كلها تمت. أُبرمت وثيقة الطلاق الرسمية، واتسجلت الشقة باسم سيف، واستلمت كل حقوقي المادية كاملة. وفي جلسة النيابة، قدم المحامي التنازل المشروط وتصفية القضايا بعد ما أخدت حق كرامتي ودرامي اللي اتكسر، وخرج طارق وسعيد من التخشيبة.. بس خرجوا مكسورين، السمعة اتلوثت، وهيبة الفتونة والسيطرة الكدابة اتمسحت للأبد.

طارق لمّ شنطه ورجع لندن وهو شايل خيبة أمله وفشله، وسعيد بقى يطأطئ رأسه في الشارع وما يقدرش يرفع عينيه في وش حد من الجيران اللي شهدوا على ذلّه.

أما أنا.. بعد ما فكّيت الجبس عن إيدي، وقفت قدام مرايتي وبصيت لنفسي بابتسامة نصر وفخر. الشحوب اللي كان في وشي اختفى، والخوف اللي كان ماليني مات للأبد. أخدت ابني سيف وعشنا في شقتنا الجديدة الآمنة، كملت شغلي واجتهدت، وبقيت بشتغل وبكبر وبيتي مقفول عليا وعلى ابني في عز وكرامة وأمان، من غير ما أكون تحت رحمة حد أو أستنى حماية من راجل ما يصونش حرمة بيته.

**العبرة والحكمة من القصة:**

إن الصبر على الظلم مش شجاعة.. والاستسلام تحت مسمى “عشان خاطر البيت” ما بيجيبش غير المهانة والكسرة.

المرأة اللي بتسامح في كرامتها وجسدها وأمانها، بتدّي الظالم تصريح مفتوح إنه يتمادى في أذيتها. الراجل الحقيقي هو اللي يكون سكن وأمان لمراته، يحميها من أقرب الناس ليه قبل الغريب.. والبيت اللي ما يتبنيش على الاحترام والمودة هو مجرد سجن، ومغادرته بكرامة وقوة أفضل ألف مرة من العيشة فيه مذلولة.

الحق ما بيموتش طالما وراه صاحب يدور عليه، والقانون بياخد مجراه لما تكون صاحب حق وثابت على موقفك. لا تتنازلي عن كرامتك أبداً، لأن اللي يفرط في كرامته مرة.. بيعيش عمره كله مكسور.

**تمت.**

بقلم الكاتب: رومانى مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *