سر ابي القديم ج2

حكايات نور محمد

الصوت الغليظ اللي طالع من التليفون كان كفيل إنه يخلي الدم يتجمد في عروقنا كلنا. الدكتور رؤوف بص للتليفون بصدمة شلت حركته، ومراته حطت إيدها على بوقها تكتم شهقة رعب. أما أبويا.. ملامحه اللي كانت مليانة رعب من ثواني، اتغيرت تماماً! الخوف اللي كان مالي وشه اتبدل فجأة لغضب عارم، غضب مكتوم بقاله ٣٥ سنة كان عامل زي البركان اللي لاقى منفذ عشان ينفجر.
​أبويا مد إيده اللي بتترعش، ومسك التليفون من إيد الدكتور رؤوف، وقرب المايك من بوقه وقال بصوت جمهوري، صوت رجعله شبابه وهيبته ونسف كل معاني العجز:
ـ “قول للباشا الكبير بتاعك.. قول لـ (سليمان بيه السويفي).. إن عبد الرحمن شاكر اللي دفن سره في الضلمة ٣٥ سنة، النور هيرجعله النهاردة! والسر اللي مات عشانه (منصور) هيفضحكم كلكم في عز الظهر!”
​الدكتور رؤوف كان واقف مشلول كأنه اتضرب على راسه، وقال بصوت متقطع:
ـ “سليمان؟! سليمان أخويا الكبير؟! الباشا يبقى أخويا؟! فهموني إيه اللي بيحصل.. مين اللي قتل منصور؟”
​أبويا قفل السكة في وش الراجل، وسند على عكازه وقام وقف بصلابة كأنه جبل، وبص في الاتجاه اللي طالع منه صوت الدكتور رؤوف وقال بحسرة:
ـ “أخوك سليمان هو اللي ولع في مخازن القطن ليلتها يا دكتور عشان يداري على سرقته لفلوس الحكومة وعجزه في الدفاتر.. ولما (منصور) الخفير شافه بالصدفة وكشفه، سليمان طلع سلاحك إنت يا رؤوف -اللي كان سارقه من مكتبك- وضربه بالنار وقتله بدم بارد! وأنا.. أنا كنت مستخبي وشفت كل حاجة بعيني. سليمان حس بيا، جابني

وهددني.. قالي إنك إنت يا رؤوف اللي ولعت في المخازن وإنت سكران، وإنه اضطر يقتل منصور عشان يداري عليك. قالي لو فتحت بوقي، هيسلمك إنت لحبل المشنقة لأن سلاحك هو اللي اتقتل بيه الخفير!”
​أبويا سكت لحظة ياخد نفسه اللي كان بيحرق صدره، وكمل بدموع القهر:
ـ “أنا عشان بحبك وبعتبرك ابني اللي ربيته على إيدي في الدوار، رضيت أشيل تهمة الحريق، وأتجلد، وأتسجن، وأتنفى من البلد، وسكت على دم منصور عشانك.. أتاريني كنت مغفل، وسليمان ضحك علينا إحنا الاتنين، شيلني أنا الحريق، ووهمك إنت إنك قتلت منصور في الضلمة عشان يفضل كاسر عينك ومسيطر على العيلة كلها!”
​رؤوف وقع على الكرسي وهو بيبكي بهيستريا. أخوه الكبير دمره، دمر حياة أبوه الروحي (عبد الرحمن)، وعاش طول عمره بيبتزهم هما الاتنين وباني مجده وثروته على دم بريء وعذاب ناس مظلومة.
​وفجأة.. وفي عز لحظة المكاشفة دي، سمعنا صوت كسر باب العمارة من تحت! صوت خطوات تقيلة وكثيرة بتجري طالعة السلم بسرعة مرعبة. رجال سليمان وصلوا عشان ينفذوا تهديدهم ويمحوا أي أثر لينا قبل ما السر يخرج للنور.
​أبويا مسك إيدي بخوف وقال: “اهربي يا نور.. نطّي من البلكونة على سطوح الجيران، متخليهمش يطولوكي!”
بس الدكتور رؤوف قام بسرعة البرق، مسح دموعه، وعينيه لمعت بتحدي وشرار عمري ما شفته، طلع تليفونه التاني وقال بثقة وثبات:
ـ “أنا مش حتة دكتور صغير يا عبد الرحمن.. أنا رؤوف السويفي، ومرضايا هما اللي بيمشوا البلد دي، وسليمان نهايته اتكتبت النهاردة!”
​اتصل رؤوف برقم خاص جداً، لواء كبير جداً في الداخلية كان رؤوف لسه عامله جراحة دقيقة في عينيه ومنقذه من العمى من أسبوعين. قاله جملتين بالظبط:
“أنا بتعرض لمحاولة اغتيال حالا في العنوان ده من رجالة سليمان السويفي.. وعندي دليل واعتراف كامل على جريمة قتل من ٣٥ سنة!”
​وفي أقل من عشر دقايق، وقبل ما البلطجية يكسروا باب الشقة علينا، كانت أصوات سرينات الشرطة والقوات الخاصة بتحاوط المكان كله. صوت السلاح والقبض على الرجالة بره كان زي الموسيقى اللي بتعلن نهاية الظلم وطلوع فجر جديد.
​بعد ما القوات أمنت المكان وأخدنا أنفاسنا، الشرطة اتحركت فوراً للقبض على (سليمان الباشا الكبير) اللي افتكر إن فلوسه ونفوذه هيحموه من عدل ربنا. رؤوف رفض تماماً إننا نروح القسم دلوقتي، وأصر إننا نتحرك في حراسة الشرطة على المستشفى بتاعته.
مسك إيد أبويا وقاله بحلفان:
ـ “عينيك دي مسؤوليتي.. وهترجع تشوف بيها النور، وتشوف بيها سليمان وهو لابس البدلة الحمرا ومساق للمشنقة!”
​دخل أبويا غرفة العمليات. كنت قاعدة بره في طرقة المستشفى على أعصابي، بقرأ قرآن وأدعي، وأفتكر الست العجوزة الطيبة اللي قابلتها الصبح.. الألف وثمانمية جنيه اللي طلعتهم لله وأنا في أشد الحاجة ليهم، هما اللي فتحوا باب المستشفى، وهما اللي كشفوا السر، وهما اللي جابوا حق أبويا من سابع أرض! ربنا كريم أوي، ومبيأخرش الفرج إلا عشان يجهزلنا معجزة، “صنائع المعروف تقي مصارع السوء” دي مكنتش مجرد مقولة، دي كانت طوق النجاة اللي ربنا بعتهولي.
​بعد ساعات طويلة، خرج رؤوف وهو بيبتسم ودموعه بتلمع في عينيه، وقال الكلمة اللي ردت روحي:
ـ “العملية نجحت يا نور.. أبوكي هيرجع يشوف أحسن من الأول بفضل الله.”
​بعد يومين، ولما جه وقت فك الشاش من على عينين أبويا، كنا متجمعين في جناحه بالمستشفى. رؤوف شال الشاش براحة. أبويا رمش بعينيه كذا مرة في النور الساطع، وبعدين لف وشه وبصلي.
لأول مرة من سنين طويلة، عيون أبويا تتركز عليا وتشوفني بوضوح، ملامحه كانت بتنطق بكل الحب اللي في الدنيا. دموعه نزلت على خده، مد إيده الخشنة ومسح على وشي وقال بصوته الدافي وهو بيحضنني:
ـ “كبرتي يا نور.. وبقيتي ست البنات، وبقيتي النور اللي ربنا بعتهولي في عز عتمتي عشان ينجيني.”
​حضنته وأنا ببكي من الفرحة، ورؤوف ومراته كانوا بيبكوا معانا، حضننا إحنا الاتنين وقال لأبويا: “إنت أبويا اللي مجابتوش أمي، وحقك رجعلك تالت ومتلت.”
​سليمان اتحاكم واتحاسب على كل جرايمه، والسر اللي كان مدفون ظهر بالكامل، وفلوسه متنفعتوش قدام عدل ربنا ثم القانون. ورؤوف رجعلنا حقنا وكرامتنا، وبنى لأبويا مستشفى خيري كبير في قلب الصعيد لعلاج غير القادرين مجاناً، وخلاه باسم “مستشفى عبد الرحمن شاكر”.
​اتعلمت من الليلة دي، إن الخاتم اللي بعته عشان أعالج أبويا، جابلي كنوز الدنيا كلها لما تاجرته مع ربنا. جبر الخواطر مبيضيعش، وأي قرش بتطلعه في عز ضيقتك بيتردلك حياة كاملة. والسر مهما طال عليه الزمن واندفن في سابع أرض، بييجي يوم وربنا يبعتله شعاع نور يكشفه، لأن ميزان العدل في السما.. عمره ما بيختل!
​#الكاتبه_نور_محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *