بقلم بسمه

وإن ده حقك لأنك أمهم وربتهم وتستاهلي كل حاجة.
القاعة كانت كلها صامتة، والكل بيشوف المشهد ده بقلوب حزينة. الأقارب اللي كانوا بيقفوا جنب حماتي من شوية، ابتعدوا شوية، وكل واحد بيبص لغيره بدهشة وعدم تصديق. عم جوزي الكبير تنحنح وقال بصوت عالي وهادئ
يا ولاد الحلال، ده مش حلال أبدًا. الأخذ بغير إذن صاحبه حرام، مهما كانت الأسباب، ومهما كانت القرابة. والأم لما تربي ولادها بتكون عايزة لهم الخير، مش عايزة تاخد منهم حاجات وتخدعهم. وإن كان في نفسك حاجة يا ست الكل، كنتي تتكلمي وتقولي، وكلنا كنا نساعدك ونعطيكِ أكتر مما عايزة، بس الغش والخداع ده ما يجيبش غير الشر.
حماتي ما عرفتش ترد، بس فضلت تعيط وتقول آسفة ومش عارفة إيه اللي جابني للكلام ده. أنا قربت منها ومسكت إيدها، وقلت لها بكل هدوء وحنان
يا ست الكل، أنا مش عايزة أكرهك ولا أخاصمك، وأنتِ أم جوزي، وغالية عندي قوي. بس اللي كنتي بتعمليه ده أذاني كتير، خلاني أشك في نفسي، وأقول يمكن أنا اللي غلط، ويمكن أنا مش منظمة، ويمكن شكلي وحش قدام الناس. وكنت بحاول أرضيكِ في كل حاجة، وأعمل اللي تطلبيه، بس ما كانش ينفع، لأن الغلط كان من غيري. والحق يقال، أنا كنت حزينة قوي لما كنت بشوف هدوم بنتك منشورة ولا حد يقول لها حاجة، وهدومي يتشال على طول، وكنت أقول ليه التفرقة دي؟ ليه هي تستاهل وأنا لا؟
حماتي رفعت راسها وبصت لي، وقالت
كنت فاكره إنها أضعف منك، وإنك تتحملي أكتر، وإنك عاقلة وتفهمي. وكنت بحس إنك بتاخدي مكاني في قلب ابني، فكنت بعاندك وأعمل كده عشان أثبت إن أنا لسه الكبيرة، وإن كلامي هو اللي يمشي. وكنت غبية، غبية قوي، لأن اللي خسرته أكتر من اللي أخذته. خسرت ثقتكم، وخسرت احترامكم، وخسرت السكينة اللي كانت في البيت.
جوزي قعد جنبها ومسك كتفها، وقال
يا أمي، أنا بحبك ومش هغير حبي لك أبدًا، بس اللي عملتيه ده غلط، ومش ينفع يتكرر تاني. وكنت لازم تسمعيني منها من زمان، بس كنت أعمى عن الحقيقة، وكنت بقول كلامك صح ومش بشوف غيره. وأنا آسف منكِ ومنها، آسف قوي لأني ما وقفتش جنبها من أول يوم، وكنت أسيبها تتألم لوحدها.
بعد كده، طلبنا من الضيوف يتفضلوا ياكلوا ويشربوا، وإن شاء الله المشكلة دي تتحل بالحسنى. وكل واحد منهم جاء يطمنا ويقول إن الحق ظهر، وإن الخير باقي، وإن العيلة لازم تفضل مترابطة مهما حصل.
لما خلصت العزومة ومشي الكل، جبت الباسكت وفتحته، وطلعت كل الحاجات، وطلبت من حماتي تشوفها معايا. قلت لها
الحاجات دي كلها ليا، بس إن كنتي عايزة أي حاجة منها، أو عجبتك أي حاجة، قولي لي من غير ما تخبي، وأنا أديهالك من قلبي، من غير ما أحد يطلب مني. وإن كان في حاجات تانية مخبية عندك، نروح ناخدها مع بعض، ونرجعها لمكانها، وننسى اللي فات، ونبدأ صفحة جديدة.
حماتي وافقت، ورحنا معاها لشقتها، وفتحت دولاب قديم كان مخبي ورا ستارة، وطلعت منه باقي الحاجات الخاتم، المفرش الصغير، ملابس كانت اختفت، وحتى هدية كانت جبتها لصديقتي وكنت فاكره ضعتها قبل ما أديها لها. وكانت بتعيط كل ما تطلع حاجة، وتقول آسفة مليون مرة. سارة كانت معانا، وكانت بتساعدنا ترتب الحاجات، وتقول لي
سامحيها، هي بتخاف تضيع سيطرتها، وتحس إن لسه لها قيمة، بس مش عارفة الطريقة الصح. وإن شاء الله تتغير من دلوقتي.
قلت لها السامح كريم، والله يسامح الجميع. المهم إننا عرفنا السبب، وإننا اتفقنا على الطريق الصح من دلوقتي.
ومن اليوم ده، تغيرت أمور كتير. حماتي بقت بتجي وتقولي يا بنتي الحاجة الفلانية عجبتني ممكن أخذها؟ وأنا أديها لها وأزيد عليها، وبتكون فرحانة قوي. وبقت تساعدني أنشر الغسيل بنفسها، وتقولي الهدوم بتاعتك نظيفة وحلوة، وما فيهاش حاجة تخجل، واللي عنده عين يبص بيها. وحتى لما بيجوا ضيوف، بتقول لهم إن مرات ابني هي اللي نظفت وعملت كل حاجة، وبتفتخر بيا قدام الكل.
جوزي بقت ثقته فيا أكتر من أول، وبيقف جنبي في كل موقف، وبيقول لي أنا تعلمت من الموقف ده إن لازم أسمع الكلام من الطرفين، وما أتسرعش في الحكم، وإن الحق مهما طال بيظهر، والصبر جميل وعاقبته خير. وبقينا نخرج كل أسبوع مع حماتي وسارة، ونقضي وقت حلو مع بعض، وما بنذكرش اللي فات أبدًا.
وعرفت في النهاية إن المشاكل ما بتجيش إلا عشان تعلمنا وتقربنا من بعض، وإن الصبر والهدوء والعدل هم اللي بيحلوا كل خلاف، وإن الحق لو طال بيظهر في النهاية، وإن الناس مهما كانت غلط، فالسامح والغفور هو اللي بيكسب الأجر والمحبة والاحترام. والبيت ما بيعلوش إلا بالمحبة والتفاهم والصدق، وبدونهم ما بيبقاش بيت، ولا عيلة، ولا حياة طيبة.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *