قلت بهدوء لسه الرقم النهائي ما اتأكدش. لما إجراءات الشهر العقاري تخلص هنعرف القيمة بالضبط. حماتي فقدت اهتمامها فورًا، ورفعت طرف شفايفها باستخفاف وقالت خلاص، يلا ناكل بدل تضييع الوقت في كلام فاضي. بدأ العشا في صمت. دينا كانت قاعدة الناحية التانية، وكل شوية تقطع حتة صغيرة من الحلو وتحطها لخطيبها في طبقه. أما حماتي، فكانت بتسأل الشاب بالتفصيل عن عيلته وشغله. ولما عرفت إن اسمه شريف جلال، وإن عيلته شغالة في الاستثمار العقاري والتجاري، ملامحها اتغيرت فورًا. العبوس اللي كان مالي وشها اختفى، وابتسامتها بقت أوسع. طول العشا، كريم كان مركز في موبايله. كل شوية يجيله اتصال، فيقوم يخرج للبلكونة، يتكلم كلمتين، وبعدها يرجع يقعد. ومن أول ما دخلت البيت لحد اللحظة دي... ما بصليش حتى مرة واحدة. أنا فضلت باصة في طبق الأكل اللي قدامي. كنت بمضغ ببطء، لكني فعلًا ما كنتش حاسة بطعم أي حاجة. وأنا لسه في نص الأكل، موبايلي بدأ يرن. بصيت على الشاشة. كانت فرح عادل. فرح زميلتي في نفس القسم في الشركة. اتعينت بعدي بسنتين. لكن من حوالي ست شهور، قربت جدًا من عيلة الشناوي. في الأعياد والمناسبات كانت تيجي تزور حماتي ومعاها هدايا غالية. ولما دينا تروح تعمل أظافرها أو تتسوق، كانت فرح دايمًا تروح معاها. فضل الموبايل يرن. مرة... واتنين... وتلاتة... لكن أنا حطيته على الوضع الصامت ورجعته في الشنطة. أول ما رفعت عيني، لقيت نظرات دينا عليا. كانت باصة ناحيتي بابتسامة صغيرة، فيها معنى غريب. وبعدين قالت ببطء شكل زميلة مرات ابن خالتي ملحاحة أوي. بعدها قربت من ودن شريف، وهمستله بكلمتين. الاتنين بصوا لبعض... وضحكوا. أنا نزلت عيني تاني، وبلعت آخر لقمة في بقي. بعد ما العشا خلص، دينا اتكأت على ضهر الكرسي، ومدت دراعاتها وهي بتقول كأنها بتعلن حاجة عادية أنا وشريف اتفقنا خلاص. الخطوبة هتبقى يوم 8 الشهر الجاي. حماتي حطت المعلقة من إيدها بسرعة. الفرحة اللي ظهرت على وشها كانت حقيقية جدًا. وقالت بجد؟ كويس إنكم حددتوا اليوم. كل ما نخلص بدري، نبقى مطمنين أكتر. دينا قربت منها، وسندت راسها على كتفها، وقالت بدلع يا طنط، يوم الخطوبة عايزة أستلف طقم الزمرد بتاعك وألبسه. هترضَي تدّيهولي ولا هتستخسريه فيا؟ حماتي ردت من غير أي تردد أستخسره فيكي إزاي يا حبيبتي؟ خديه طبعًا. وبعدها مباشرة لفتت ناحيتي. الابتسامة كانت لسه على وشها... لكن نبرة صوتها اتغيرت تمامًا. وقالت آه صحيح يا ندى... حلقان الياقوت الأزرق اللي أنا اديتهملك في فرحك من ست سنين، لسه عندك؟ وقفت الشوكة في إيدي. حماتي كملت بكل هدوء طلعيهم واديهم لدينا. هيبقوا لايقين جدًا على فستان الخطوبة بتاعها. فضلت إيدي معلقة في الهوا كام ثانية. وبعدين حطيت الشوكة في الطبق بهدوء. رفعت عيني وبصيتلها. حضرتك عايزة الحلقان اللي اديتهوملي هدية في فرحي؟ حماتي عقدت حواجبها، كأنها مستغربة سؤالي. أيوه. فين المشكلة؟ مفيش مشكلة. بس حضرتك قولتي وقتها إنهم هدية جوازي. وما هما فعلًا كانوا هدية جوازك. لبستيهم ست سنين، مش كفاية؟ قالت الجملة بمنتهى البساطة. وكأنها بتتكلم عن فستان قديم أو شنطة مبقتش بتستخدمها. دينا قربت الكوباية من شفايفها، وشربت رشفة، وبعدها قالت بابتسامة يا ندى، أنا بس هستلفهم يوم الخطوبة. إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟ بصيتلها وسألت هستلفيهم؟ أيوه. زي البروش الألماس اللي خدتيه من تلات شهور؟ ابتسامتها جمدت لحظة. لكنها رجعت بسرعة وقالت البروش كان طنط هي اللي اديتهولي. رديت وأنا اللي اشتريته. المكان سكت فجأة. حماتي خبطت بإيديها على طرف الترابيزة وقالت بضيق إنتِ هتفضلي كل شوية تعايرينا بالبروش ده؟ أنا ما عايرتش حد. أمال بتفتحي الموضوع ليه؟ لأني دفعت فيه كل اللي معايا. ضحكت حماتي بسخرية. وإحنا قلنا لكِ تشتري حاجة بالسعر ده؟ إنتِ اللي حبيتي تتمنظري قدام الناس. وبعدين، البروش دخل بيت الشناوي، يبقى بقى من حاجات البيت. فضلت باصة لها من غير ما أرد. ست سنين كاملة... كنت كل مرة أسمع كلام بالشكل ده، أسكت. وأحاول أقنع نفسي إن ده اختلاف طباع. أقول يمكن حماتي لسانها حاد بس قلبها كويس. يمكن كريم مشغول. يمكن دينا صغيرة ومدلعة. يمكن أنا اللي حساسة زيادة. لكن النهارده... لأول مرة، ما حاولتش أبرر لهم أي حاجة. كريم أخيرًا رفع عينه من الموبايل. بصلي وقال ببرود ادي الحلقان لدينا وخلاص. يوم واحد وهترجعهملك. لفيت ناحيته. الرجل اللي قدامي كان بيكلمني باعتباري مراته. مع إنه من 68 يوم خلص طلاقي من غير ما أعرف. سألته وإنت متأكد إنها هترجعهولي؟ كريم عقد حواجبه. ندى، ما تعمليش مشكلة على حاجة تافهة. حاجة تافهة. كالعادة. كل حاجة تخصني كانت تافهة. فلوسي تافهة. تعب أمي تافه. كرامتي تافهة. حتى جوازي نفسه... كان تافه لدرجة إنه أنهاه من غير ما يكلف نفسه يقولي. ابتسمت. وقلت بهدوء حاضر. دينا ابتسمت بانتصار. حماتي قالت بكرة هاتيهم معاكي. رديت مش هينفع بكرة. ملامحها اتغيرت. ليه؟ مسحت طرف بوقي بالمنديل، وبعدها حطيته جنب الطبق. وقلت لأن الحلقان مش عندي. دينا سألت بسرعة أمال فين؟ رفعت كتفي. بعتهوم. كريم بصلي لأول مرة باهتمام حقيقي. بعتيهم؟ أيوه. حماتي صوتها علي إنتِ اتجننتي؟ تبيعي حاجة من مجوهرات عيلة الشناوي من غير ما ترجعي لحد؟ بصيتلها وقلت حضرتك قلتي من شوية إنهم هدية جوازي. والهدية لما تتوهب لحد، بتبقى ملكه. وأنا بعت الحاجة اللي بقت ملكي. بعتيهم بكام؟ مش فاكرة. مش فاكرة؟! صرختها علت في الصالون. لكن أنا فضلت هادية. فعلًا مش فاكرة. دينا عضت على شفايفها وقالت يا خسارة... كانوا لايقين جدًا على فستاني. بصيتلها وابتسمت. بسيطة. خلي شريف يشتريلك أحسن منهم. وش شريف اتغير للحظة. أما حماتي، فضربت كف بكف وقالت شوفتي يا دينا؟ بقالها ست سنين في البيت، ولسه مش عارفة تتصرف زي ناس العائلات. كريم رجع بص للموبايل وقال خلاص يا أمي، الموضوع انتهى. انتهى؟ هو بالنسبة له كل حاجة بتنتهي بكلمة. الحلقان انتهوا. البروش انتهى. جوازي انتهى. أما أنا... فالمفروض أفضل موجودة مكان ما أنا. أخدمهم. وأبتسم. وأتصرف كأني معرفش حاجة. بعد دقائق، الناس بدأت تتحرك من على السفرة. حماتي أخدت دينا وشريف ناحية الصالون علشان يتكلموا في تفاصيل الخطوبة. وأنا قمت بهدوء، شلت شنطتي، واتجهت ناحية الباب. قبل ما أخرج، كريم ناداني ندى. وقفت ولفيت ناحيته. كان واقف بعيد عن باقي الناس، وإيده في جيب بنطلونه. قال استنيني في العربية. هنروح مع بعض. بصيتله ثانيتين. وبعدين قلت مش هينفع. ليه؟ عندي مشوار. مشوار إيه دلوقتي؟ ابتسمت. حاجة شخصية. عينيه ضاقت. يمكن دي كانت أول مرة من ست سنين أرد عليه بالجملة دي. حاجة شخصية. حاجة مش من حقه يعرفها. قال بنبرة ضيق ندى، بلاش التصرفات الغريبة دي. أنا ماشية. أنا قلت استنيني. فضلت باصة له. وبهدوء شديد سألته وإنت من إمتى بتحتاج تاخد رأيي قبل ما تقرر حاجة تخصني؟ ملامحه اتشدت. قصدك إيه؟ ابتسمت أكتر. ولا حاجة. فتحت الباب وخرجت. وأنا ماشية في ممر الفيلا، موبايلي اهتز جوه الشنطة. طلعتُه. كان فيه سبع مكالمات فائتة من فرح. ومعاهم رسالة واحدة لازم أقابلك حالًا. الموضوع يخص الشغل... ومش هينفع يتقال في التليفون. الفصل الثالث أول ما زقيت باب القسم ودخلت، الهوا اللي جاي من برّه اندفع لجوه، ومعاه حسّ غريب خلاني أقف لحظة. فيه حاجة مش طبيعية. كل زمايلي كانوا قاعدين في أماكنهم، لكن أول ما مشيت بينهم، أغلبهم وطّوا راسهم، وكأنهم فجأة بقوا مشغولين جدًا في الورق اللي قدامهم. بعضهم كان بيرمقني من طرف عينه، ولما أبص ناحيته، يهرب بنظره بسرعة. النظرات دي أنا شفتها قبل كده كتير. نظرات فيها فضول... وشفقة... وحاجة الناس عارفينها، لكن محدش عنده الشجاعة يقولها في وشي. على المكتب اللي في نص القسم، كانت فيه باقة ورد ضخمة جدًا. مش تغليف عادي من بتاع محلات الورد الصغيرة. الورد مترتب بعناية، والورق اللي ملفوف حواليه باين إنه غالي، وحتى القاعدة المصممة مخصوص كان مطبوع عليها شعار محل مشهور. فرح عادل كانت قاعدة ورا باقة الورد، ماسكة فنجان القهوة وبتشرب براحة. أول ما شافتني، حطت الفنجان جنبها ولوحتلي بإيديها. ندى... جيتي أخيرًا. تعالي اقعدي، محتاجة أتكلم معاكي. قربت منها وقعدت على الكرسي اللي جنب مكتبها. فرح فضلت تحرك معلقة صغيرة في القهوة، وبعدين قالت بصوت هادي إمبارح بعد ما مشيتي، المدير وائل كان بيدور عليكي. بصيتلها من غير ما أرد. فكملت الموضوع يخص مشروع النخبة. إيدي شدت على حزام الشنطة اللي في حجري. مشروع النخبة أنا اللي تابعته من أول يوم لآخر يوم. أنا اللي كنت لمحة نيوز مسؤولة عن التواصل مع العميل. وأنا اللي قعدت مع الفريق ليلتين كاملتين من غير نوم، علشان نخلص تقرير نص السنة بعد ما العميل رفض النسخة الأولى أربع مرات. سألتها يخص المشروع من ناحية إيه؟ فرح ابتسمت ابتسامة صغيرة. المشروع اتنقل ليا. فضلت باصة لها ثانيتين. اتنقل لكِ؟ هزت راسها. أيوه. المدير وائل قال إن ظروف عيلتك الفترة دي مش مستقرة، وإن عندك حاجات كتير شاغلة بالك، فشاف إن الأفضل إن حد تاني يكمل المشروع. قالت الكلام بملامح فيها القدر المناسب جدًا من الأسف. لا زيادة تخليها تبان منافقة... ولا نقصان يفضح فرحتها. وكأنها فعلًا زعلانة علشاني. كملت أنا حاولت أتكلم معاه، صدقيني. قلتله إن المشروع بتاعك وإنك تعبتِ فيه، بس هو قال إن القرار جاي من فوق، وإنه مجرد إجراء احترازي. وبعدين مالت ناحيتي شوية، ووطت صوتها ندى، أنا بنفذ تعليمات بس، بلاش تزعلي مني. سكتت لحظة، وبعدها قالت وكأنها افتكرت حاجة فجأة آه، على فكرة... تقرير تحليل استراتيجية المنافسين اللي عرضتيه في اجتماع الشهر اللي فات، المدير وائل قاللي أعتمد عليه، وأضيف كام صفحة تحليل زيادة. هتبعتيلي الملف الأصلي لما تفضي، صح؟ بصيت لوشها المبتسم. من تلات شهور، فرح استلفت مني شمسية لأنها نسيت بتاعتها. من شهرين، بدأت تقرب من دينا وتدخل في دايرة معارف عيلة الشناوي. من شهر، جابت لحماتي طقم عناية بالبشرة غالي في مناسبة عائلية محدش في الشركة أصلًا كان يعرف عنها حاجة. ودلوقتي... بتبتسملي وهي بتاخد مشروعي وملفاتي ومجهودي، وكأنها بتطلب مني قلم. قلت بهدوء استني لما المدير وائل يكلمني بنفسه. ابتسامتها خفت للحظة. أكيد طبعًا، بس أنا كنت حابة أقولك قبل ما تعرفي بطريقة رسمية. قمت من مكاني ورجعت لمكتبي. وأنا ماشية، سمعتها بتقول ورايا متضغطيش على نفسك يا ندى... كلنا مقدرين إنك تعبانة الفترة دي. ما رديتش. قعدت على الكرسي وفتحت نظام الشركة الداخلي. دخلت على بيانات مشروع النخبة. اسم مدير المشروع كان متغير فعلًا. مكان ندى فؤاد بقى مكتوب فرح عادل وقت التعديل كان الساعة 610 مساءً إمبارح. في نفس الوقت تقريبًا... كنت قاعدة على سفرة بيت عيلة الشناوي، والحساء قدامي بيبرد، وكريم مشغول في موبايله، ودينا بتلمحلي إن فرح عمالة تتصل بيا. فضلت باصة لاسم فرح على الشاشة. محاولة اتصالاتها إمبارح ما كانتش علشان تحذرني. كانت علشان تستمتع وهي أول واحدة تقوللي إن شغلي اتاخد مني. قفلت النظام. وحطيت إيدي على الكيبورد. فضلت ثابتة مكاني فترة طويلة. المشروع ده مش مجرد ملف. ده كان أهم مشروع اشتغلت عليه من يوم ما دخلت الشركة. لو نجح، كان المفروض أبقى مرشحة رسميًا لمنصب مديرة فريق في الترقية الجاية. لكن دلوقتي... المشروع راح. والتقرير هيتنسب لفرح. والترقية غالبًا راحت معاهم. بعد الساعة عشرة بشوية، سكرتيرة المدير وائل جات عند مكتبي وقالت أستاذة ندى، المدير مستني حضرتك في مكتبه الساعة اتنين. هزيت راسي. حاضر. رجعت السكرتيرة، وباقي القسم فضل يتصرف كأنه ما سمعش حاجة. ما نزلتش أكل وقت الغدا. قعدت على مكتبي، وفتحت تطبيق البنك على الموبايل. الرقم لسه موجود. 100 مليون جنيه. الرصيد ما اختفاش. ما كانش حلم. القريبة البعيدة اللي سابتلي الميراث عمرها ما اتجوزت. بعد وفاة أمي، محدش في العيلة كان بيجيب سيرتها. كل اللي عرفته عنها كان مكتوب في كام ورقة استلمتهم من مكتب الشهر العقاري. اسمها كان تهاني فؤاد عبد الرحيم. قبل ما أروح مكتب الشركة، لقيت رسالة من رقم مش مسجل عندي. كان مكتوب فيها ندى، خلصتي موضوع ميراث خالتك؟ لما تخلصي، اتصلي بيا. التوقيع هالة صلاح الدين. هالة صلاح الدين ما كانتش ست غريبة. الاسم ده كنت سمعته قبل كده. كانت المحامية الخاصة بقريبتي الراحلة. لكن بعد الرسالة دي، الطرف التاني ما بعتش أي تفاصيل زيادة. كأن حد رمى حجر في الميه... واستنى يشوف الدواير هتوصل لفين. صورت الرسالة واحتفظت بيها في ملف خاص على الموبايل. الساعة اتنين بالضبط، خبطت على باب مكتب المدير وائل. اتفضلي. دخلت. كان قاعد ورا مكتبه الكبير، وملامحه متصلبة. على الترابيزة قدامه كان فيه ظرف أبيض سميك. قعدت على الكرسي المقابل له. المدير وائل حك إيديه في بعض، وفضل يتردد قبل ما يتكلم. ندى... الشركة الفترة الأخيرة بتعمل إعادة هيكلة. ما قلتش حاجة. فكمل الإدارة العليا طلبت تقليل عدد الموظفين في بعض الأقسام. والقسم عندنا مطلوب منه يستغنى عن اتنين. فتح الظرف ببطء، وطلع منه ورق. كان واضح إنه حافظ الكلام اللي هيقوله، لكنه لسه مش عارف يبصلي في عيني. كلنا معترفين بكفاءتك، ومحدش يقدر ينكر تعبك. لكن بشكل عام، نتائجك خلال آخر سنتين، رغم إنها مستقرة، ما كانش فيها القفزة اللي الإدارة كانت مستنياها. رفعت عيني وبصيتله. هو نفسه من تلات شهور قال قدام القسم كله إن نتائجي من أفضل النتائج في المجموعة. المدير وائل بلع ريقه وكمل وكمان أخدنا في الاعتبار إن ظروفك العائلية مختلفة، وإن عيلة جوزك مرتاحة ماديًا. فحتى لو وقفتي شغل فترة، مش هيكون عندك ضغط كبير... قاطعته مباشرة مين؟ سكت. قلت مين اللي طلب تمشوني؟ عقد حواجبه. ندى، الموضوع مش بالشكل ده. تقييمي في الربع الأخير كان التالت على المجموعة كلها. وخدت تقييم ممتاز في نصين سنة ورا بعض. ولو فيه تخفيض عمالة حسب الأداء، يبقى مش دوري. سكت لحظة، وبعدين كملت إلا لو حد من برّه الشركة اتدخل. المدير وائل لف بعينه ناحية شاشة الكمبيوتر. فضل ساكت فترة طويلة. سألته تاني مين؟ تنهد وقال أنا ما أعرفش التفاصيل كلها. اللي وصلني إن حد من عيلتك اتكلم مع الإدارة العليا. حد من عيلتي؟ أنا ما عنديش عيلة تقريبًا. يبقى المقصود عيلة كريم. مين فيهم؟ كريم؟ حماتي سعاد؟ ولا دينا؟ المدير وائل زق الظرف ناحيتي. ده اتفاق إنهاء الخدمة. التعويض كويس، والشروط أفضل من اللائحة الأساسية. ما مدتش إيدي آخده. قلت قبل ما أتكلم في التعويض، غيروا المسمى الوظيفي بتاعي كمان؟ ملامحه اتلخبطت. تقصدي إيه؟ دخلت الصبح على النظام. مشروع النخبة اتنقل لفرح عادل. واسمي اتمسح من خانة المدير المسؤول من إمبارح الساعة ستة وعشرة. قال بسرعة دي ترتيبات إدارية داخلية. وإنتوا عارفين إمبارح إني همشي؟ سكت. الإجابة ظهرت على وشه قبل ما ينطق. كل حاجة كانت مترتبة. المشروع اتسحب مني الأول. اسمي اتمسح من الملفات. وبعدين النهارده يستدعوني علشان أمضي وأمشي بهدوء. أخدت الظرف، لكن ما فتحتوش. قلت هاخد نسخة أراجعها مع محامي. المدير وائل اتوتر. الإجراءات واضحة، ومش محتاجة محامي. ابتسمت. أي ورقة فيها تنازل عن حق من حقوقي محتاجة محامي. قمت من مكاني. قبل ما أوصل للباب، ناداني ندى. وقفت. قال بصوت أخف أنا بنصحك تقبلي العرض. ما تحاوليش تكبري الموضوع. الشخص اللي اتدخل علشان القرار ده يتاخد، نفوذه أكبر مما تتخيلي. لفيت ناحيته. أكبر من مين؟ لكن المدير وائل ما ردش. خرجت من المكتب. أول ما رجعت القسم، كل العيون اتعلقت بالظرف اللي في إيدي. فرح كانت واقفة جنب مكتبي. وأول ما شافتني، عملت وش متعاطف وقالت ندى... إنتِ كويسة؟ حطيت الظرف على المكتب. كويسة جدًا. مدت إيديها كأنها هتلمس دراعي. بعدت خطوة. قلت ملف مشروع النخبة مش هبعتهولك. ابتسامتها اختفت. بس المدير وائل قال... اللي موجود على نظام الشركة تقدري تستخدميه. أما ملفي الشخصي والتحليلات اللي عملتها خارج وقت الشغل، مش من حقك تاخديهم. رفعت حاجبها. إحنا فريق واحد. ضحكت ضحكة قصيرة. من إمتى؟ ملامح الناس حوالينا اتغيرت. فرح قربت مني وقالت بصوت واطي ندى، متطلعيش غضبك فيا. مش أنا اللي مشيتك من الشركة. بصيت في عينيها. بس إنتِ كنتِ عارفة من إمبارح. سكتت. قلت وعرفتي قبل ما أعرف أنا. ردت بسرعة أنا عرفت بالصدفة. وعرفتي برضه بالصدفة إن المشروع هيتنقل ليكي الساعة ستة وعشرة؟ وشها شحب لحظة. قبل ما ترد، موبايلي رن. كان رقم غريب. بعدت عنها ورديت. ألو؟ جالي صوت ست هادي وواثق مدام ندى فؤاد؟ أيوه. أنا هالة صلاح الدين، محامية مدام تهاني فؤاد، صاحبة التركة. بصيت ناحية الظرف الأبيض اللي على مكتبي. قالت وصلني إن إجراءات الميراث خلصت. لازم أقابلك النهارده، لأن فيه بند في الوصية ما ينفعش يتقال في التليفون. سألتها بند يخص إيه؟ سكتت ثانيتين، وبعدها قالت يخص زوجك السابق... كريم الشناوي. إيدي شدت على الموبايل. كملت هالة أو بالأدق، يخص السبب الحقيقي اللي خلاه يطلّقك من وراكي. خرجت من الشركة وأنا ماسكة الكرتونة الصغيرة اللي فيها حاجتي. الموبايل رن تاني. نفس الرقم. رديت. جالي صوت ست هادي لكنه حازم مدام ندى فؤاد؟ أيوه. أنا الأستاذة هالة صلاح الدين... المحامية الخاصة بالمرحومة تهاني فؤاد. وقفت مكاني. حضرتك بعتّيلي رسالة الصبح. أيوه. لازم أشوفك النهارده. الموضوع ما ينفعش يتقال في التليفون. بصيت للساعة. أنا عندي مشوار الساعة ستة. المقابلة مش هتاخد أكتر من نص ساعة... لكن بعد اللي هتشوفيه، حياتك كلها هتتغير. ... بعد نص ساعة كنت قاعدة قدامها في مكتب صغير مطل على النيل. هالة حطت قدامي ملف بني سميك. وقالت قبل ما نتكلم عن الميراث... لازم أسألك سؤال. هزيت راسي. اتفضلي. إنتِ متأكدة إن كريم الشناوي كان لسه جوزك لحد النهارده؟ ابتسمت بسخرية. للأسف... اكتشفت الصبح إنه طلقني من شهرين. هالة هزت راسها. لأ... يعني إيه لأ؟ فتحت الملف. طلعت منه صورة ضوئية لعقد طلاق. كريم ما قررش يطلقك بعد الميراث... سكتت لحظة. هو كان بيحاول يطلقك قبلها بوقت طويل. اتسمرت في مكاني. إيه؟ أول طلب طلاق اتقدم قبل أربعة شهور. مستحيل. الطلب اترفض وقتها بسبب نقص بعض المستندات. طلعت ورقة تانية. وبعدها أعاد الإجراءات مرة تانية... ونجح من 68 يوم. حسيت إن نفسي بيتقطع. سألتها ليه؟ هالة بصتلي مباشرة وقالت لأن حد وصله خبر إنك هتورثي. قلبي وقف. إيه؟ المرحومة تهاني فؤاد كانت مريضة بقالها سنة تقريبًا، وبدأت تجهز وصيتها من شهور. بس أنا حتى ما كنتش أعرفها. هي كانت تعرفك. سكتت. وبعدين فتحت ظرف أبيض. طلعت منه جواب مكتوب بخط إيد. المرحومة كتبت الجواب ده قبل وفاتها بأسبوع. ناولتهولي. وكان أول سطر فيه إلى ابنة أخي الوحيدة... ندى. دموعي نزلت لأول مرة من الصبح. قلت بصوت مبحوح هي كانت تعرفني؟ ابتسمت هالة. أكتر مما تتخيلي. سألتها بسرعة وإيه علاقة ده بكريم؟ قالت بهدوء لأن الشخص اللي سرب خبر الوصية لعيلة الشناوي... مش غريب عنهم. بل واحد منهم. فتحت عيني بصدمة. مين؟ هالة سكتت ثواني. وبعدين زقت قدامي صورة. أول ما بصيت فيها... إيدي كلها بدأت ترتعش. الصورة كانت لكريم... قاعد في نفس المكتب ده. وأمامه المرحومة تهاني. وتاريخ الصورة... قبل وفاتها بشهر واحد فقط. رفعت راسي ببطء. كريم كان يعرفها؟ هالة قالت الجملة اللي قلبت كل حاجة لأ... كريم ما كانش يعرفها بس... كريم راح لها بنفسه، وطلب منها تحذف اسمك من الوصية. فضلت باصة للصورة. حاسّة إن الدنيا كلها بتلف حواليا. بصيت لهالة وأنا بالكاد عارفة أتكلم مستحيل... الصورة مزيفة؟ هزت رأسها. لأ. يبقى أكيد راح لها في شغل أو أي حاجة تانية. هالة سحبت ورقة من الملف، وحطتها قدامي. شوفي التاريخ. بصيت. كان قبل وفاة عمتي بسبعة وعشرين يوم. وقبل طلاقي بأربعين يوم تقريبًا. رفعت عيني تاني. هو كان يعرف إنها قريبتي؟ قالت في الأول لأ... لكن بعد ما عرف، راح بنفسه. قلبي كان بيدق بعنف. وقال لها إيه؟ تنهدت هالة وقالت أنا ما كنتش موجودة وقت المقابلة، لكن مدام تهاني سجلت كل اللي حصل. سجلته؟ بالصوت. طلعت فلاشة صغيرة من الملف. دي نسخة من التسجيل. إيدي امتدت ناحيتها، لكن هالة ما سلمتهاليش. قالت بهدوء قبل ما تسمعيه، لازم تعرفي حاجة. سكتت. مدام تهاني كانت ست ذكية جدًا. لما كريم طلب يقابلها، شكت إن فيه سبب. فعملت تسجيل كامل للمقابلة من غير ما يعرف. بلعت ريقي. شغليه. وصلت الفلاشة باللاب توب. بعد ثواني... طلع صوت رجل أعرفه أكتر من صوت نفسي. أنا كريم الشناوي... جوز ندى. إيدي اتقبضت بقوة. صوته كان هادي جدًا. أنا جيت علشان أوفر عليكي مشاكل كتير. وبعدين طلع صوت ست كبيرة في السن. هادئ... وفيه هيبة. مشاكل إيه؟ رد كريم ندى ما تستحقش الميراث ده. حسيت إن حد ضربني على صدري. كمل وهو بيتكلم بمنتهى الثقة هي طيبة... لكن ضعيفة. ولو معاها المبلغ ده، ناس كتير هتستغلها. سكت لحظة. وبعدين قال الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي. لو حضرتك ناوية تكتبي حاجة... اكتبيها باسمي أنا. دموعي نزلت من غير ما أحس. أما التسجيل... فكان لسه مكمل. صوت عمتي جه هادي جدًا وإنت تطلع مين علشان أكتبلك فلوسي؟ ضحك كريم ضحكة خفيفة. أنا جوزها... وفي الآخر الفلوس هتبقى في بيت واحد. سألت ولو اتطلقتوا؟ سكت ثانيتين. وبعدين قال مش هتعرف. أنا وهالة بصينا لبعض. والتسجيل فضل شغال. صوت كريم كان واضح جدًا أنا هخلص إجراءات الطلاق بهدوء، وهي مش هتعرف غير بعد ما كل حاجة تخلص. شهقت وأنا حاطة إيدي على بقي. الكلام اللي كنت فاكرة إنه مستحيل... كان خارج من بقه هو. بصوته. ومن غير أي ضغط. كمل ولما الفلوس تدخل... هرجعلها تاني، وساعتها كل اللي معاها هيبقى ملك بيت الشناوي. قفلت هالة التسجيل. المكتب كله سكت. أنا كنت باصة قدامي. ولا قادرة أعيط... ولا قادرة أتكلم. بعد دقيقة كاملة، سألتها بصوت مبحوح يعني... هو كان مخطط لكل ده؟ هزت رأسها. من أول ما عرف إن فيه وصية باسمك. وعمتي؟ ابتسمت هالة لأول مرة. عمتك رفضته من أول خمس دقايق. وقالت له بالحرف أنا كنت بدور على ندى طول عمري... مش علشان أسيب فلوسي لحد غيرها. فتحت درج المكتب. وطلعت ظرف مختوم بالشمع الأحمر. وقالت ده الجواب اللي سابته ليكي. لكن قبل ما تمدهولي... قالت جملة خلتني أرجع أبصلها. بالمناسبة... الشخص اللي بلغ كريم أصلاً بموضوع الوصية... مش هو اللي فاكرة. عقدت حاجبي. يعني مش عمتي؟ لأ. أمال مين؟ هالة أخدت نفسًا عميقًا. وقالت الشخص ده... من بيت الشناوي نفسه. لكن... مش كريم. اتسمرت مكاني. مين؟ قالت بهدوء لو قلتلك اسمه دلوقتي... هتروحي تواجهينه. وده آخر حاجة كانت عمتك عايزاها. سألتها بسرعة أمال كانت عايزة إيه؟ هالة دفعت الظرف ناحيتي. وقالت افتحي الوصية الأول... هتعرفي ليه سابتلك المية مليون... وليه كانت متأكدة إن عيلة الشناوي كلها هتحاول تاخدهم منك. إيدي كانت بتترعش وأنا بفك ختم الشمع الأحمر. الظرف كان قديم... واضح إنه اتقفل من شهور. طلعت منه ورقة واحدة. مكتوبة بخط إيد منتظم. وفي أولها إلى ندى... لو إنتِ بتقري الجواب ده، يبقى أنا خلاص مش موجودة في الدنيا. حسيت بدموعي بتنزل تاني. وكملت القراءة. يمكن تستغربي ليه واحدة عمرك ما شوفتيها سابتلك كل ثروتها. لكن الحقيقة إني كنت أعرفك من زمان... وإنتِ بس اللي ما كنتيش تعرفيني. رفعت عيني بسرعة. بصيت لهالة. قالت بهدوء كملي. رجعت للجواب. لما أبوكي اتوفى، كنت وقتها بره مصر، ولما رجعت دورت عليكم. لكن أمك رفضت أي مساعدة مني، وقالت إنها هتربيكي بكرامتها. دموعي كانت بتنزل على الورقة. احترمت قرارها... لكني ما بطلتش أتابع أخباركم. كنت أعرف إنك خلصتي الجامعة، وعرفت يوم فرحك، وحتى يوم وفاة والدتك كنت واقفة بعيد، من غير ما حد يعرفني. شهقت. يعني... كانت موجودة في كل المحطات المهمة في حياتي. وأنا حتى ما كنتش أعرف شكلها. كمّلت. أنا ما خلفتش أولاد، وما كانش عندي غيرك. لكن بعد جوازك، بدأت أقلق. وقفت عند السطر ده. قلبي بدأ يدق أسرع. الشخص اللي اخترتيه مش زي ما بيبان. بصيت لهالة. قالت كملي... أهم جزء لسه جاي. بلعت ريقي. وقريت. أول مرة شفت كريم، كان بيقنع أمك تبيع شقتها وتحط الفلوس في مشروع باسمه. اتسمرت. أنا عمري ما سمعت عن الموضوع ده. أمك رفضت، وقالتلي بالحرف أنا بنتي لو احتاجت رغيف عيش، هتشتغله بإيديها... لكن فلوسها ما تتحطش في إيد حد. دموعي نزلت بغزارة. أمي... حتى وهي مريضة كانت بتحاول تحميني. كمّلت. بعد وفاة أمك، بدأ كريم يسأل عن أملاكي بطريقة غير مباشرة. وقتها بدأت أشك فيه. علشان كده استعنت بمكتب تحريات خاص. رفعت رأسي بسرعة. مكتب تحريات؟ هالة هزت رأسها. أيوه. يعني... فتحت درج المكتب، وطلعت ملف أسود. حطته قدامي. ده تقرير التحريات. فتحت أول صفحة. وأول صورة كانت لكريم. خارج من فندق. وإيده ماسكة إيد واحدة ست. مش فرح. ولا دينا. ولا أي حد أعرفه. سألت وأنا مخنوقة دي مين؟ هالة قالت اسمها ياسمين. مديرة شركة استثمار. وعلاقتهم بدأت من سنة ونص. قلبي وقع. لكن هالة قالت بسرعة متستعجليش. وقلبت الصفحة اللي بعدها. صورة تانية. كريم... قاعد مع مدير شركتك. المدير وائل. في مطعم فاخر. وتاريخ الصورة... قبل قرار فصلك بأسبوع. وقلبت الصفحة اللي بعدها. صورة تالتة. حماتك. وسكرتير مجلس إدارة الشركة. في نفس المطعم. وفي نفس اليوم. أنا بقيت مش قادرة أتكلم. هالة قالت دلوقتي فهمتي ليه اتشليتي من المشروع؟ هزيت رأسي ببطء. قالت لأنهم كانوا محتاجين يضعفوكي. ليه؟ علشان الست اللي بتخسر جوازها... وشغلها... في نفس الوقت، بتبقى سهلة السيطرة. سكتت شوية. وبعدين قالت كانوا متأكدين إنك أول ما تستلمي الميراث، هتلجئي لكريم. ابتسمت بمرارة. أيوه... لو كنت لسه ندى القديمة، كان ده اللي هيحصل. كنت هروحله أعيط. وأقوله يساعدني. وأسيبه يدير فلوسي. لكن دلوقتي... كل حاجة اتغيرت. قفلت الملف بهدوء. وبصيت لهالة. وسألتها عمتي كانت عايزة مني إيه؟ ابتسمت لأول مرة. وقالت قبل وفاتها بأسبوع، قالتلي جملة واحدة. قالت إيه؟ ردت وهي بتبص في عيني قالت لو ندى طلعت شبه أمها... فهي مش هتنتقم بسرعة. هي هتخليهم يخسروا كل حاجة الأول... وبعدها تمشي. سكتت. وبعدين زقت ناحيتي مفتاح صغير لونه فضي. استغربت. ده إيه؟ قالت ده مفتاح خزنة خاصة باسمك. فيها إيه؟ ابتسمت وقالت مش فلوس. عقدت حاجبي. أمال؟ قالت بهدوء فيها الحاجة الوحيدة اللي ممكن تسجن كريم الشناوي... وتدمر عيلة الشناوي كلها. إيدي اتجمدت فوق المفتاح. وسألتها بصوت واطي إيه اللي جوه الخزنة؟ ردت هالة مستندات... وتسجيلات... وعقود. ثم مالت ناحيتي وقالت لكن قبل ما أديهالك... لازم تجاوبيني على سؤال واحد. إيه هو؟ ثبتت عينيها في عيني وقالت لو اكتشفتي إن الشخص اللي خانك... مش كريم لوحده... وإن فيه حد تاني قريب جدًا منك كان شريك في كل اللي حصل... هتقدري تتحملي الحقيقة؟ فضلت باصة لهالة كام ثانية. بعدها مدّيت إيدي، وخدت المفتاح. قلت بهدوء بعد اللي سمعته النهارده... مفيش حقيقة تقدر تصدمني أكتر. هالة ابتسمت ابتسامة خفيفة. أنا كنت مستنية منك الإجابة دي. فتحت درج المكتب للمرة التانية، وطلعت ظرف صغير مكتوب عليه خزنة رقم 17. ناولتهولي وقالت الخزنة في بنك خاص. الدخول ليها مسجل باسمك من يوم وفاة المرحومة تهاني. ليه ما ادتنيش المفتاح من الأول؟ لأن ده كان شرطها. شرط إيه؟ قالت لو ندى أول ما تعرف الحقيقة فكرت في الانتقام، ما تدهوشالها. لكن لو فضلت هادئة وعرفت تتحكم في نفسها... يبقى خلاص، بقت جاهزة. ابتسمت بسخرية. واضح إنها كانت عارفاني أكتر مني. ... خرجت من مكتب هالة. وأول حاجة عملتها كانت إني رحت البنك. الخزنة كانت في الدور السفلي. الموظف راجع بطاقتي الشخصية، وبعدها أخدني لحد باب فولاذي ضخم. فتح الباب. وأشار على الخزنة رقم 17. دخل المفتاح. لفيته. وصدر صوت تك. وسحبت الدرج المعدني. ماكنش فيه دهب. ولا فلوس. ولا مجوهرات. كان فيه صندوق أسود صغير. وملف أزرق. وفلاشة. خدتهم وطلعت أوضة خاصة للقراءة. أول ما فتحت الملف... وقعت عيني على أول عنوان. التحويلات المالية الخاصة بكريم الشناوي. قلبت الصفحة. كان فيه كشف حسابات بنكية. تحويلات بالملايين. لكن الغريب... إن الفلوس ما كانتش رايحة لحساب كريم. كانت رايحة لحساب شركة باسم شركة النور للاستثمار الطبي. أنا عمري ما سمعت عن الشركة دي. قلبت الصفحة اللي بعدها. ولقيت نسخة من السجل التجاري. وأول اسم في مجلس الإدارة كان سعاد الشناوي. حماتي. أما نائب رئيس مجلس الإدارة... فكان كريم الشناوي. لكن الاسم الثالث... خلاني أتجمد. فرح عادل. فضلت باصة للاسم. ومش قادرة أستوعب. فرح... زميلتي في الشغل... طلعت شريكة معاهم؟ قلبت الصفحة بسرعة. لقيت عقد تأسيس الشركة. وتاريخه... قبل سنة ونص. يعني في الوقت اللي كانت فيه فرح بتقرب مني، وتعتبرني صاحبتها... كانت شريكة مع جوزي وحماتي. حسيت بغصة في صدري. لكن لسه فيه حاجة أهم. فتحت الفلاشة. كان فيها عشرات الملفات. أول فيديو اشتغل... كان من كاميرا مراقبة داخل مطعم فاخر. التاريخ... قبل أربعة شهور. كريم... قاعد على الترابيزة. قدامه حماتي. وعلى يمينه... فرح. بعد دقيقة، المدير وائل وصل وقعد معاهم. الصوت كان واضح. حماتي قالت لازم ندى تسيب الشركة قبل ما الفلوس تدخل حسابها. المدير وائل سأل ولو رفضت؟ كريم رد بهدوء هنسحب منها المشروع الأول. وبعدين هنخيرها بين الاستقالة أو الفصل. فرح سألت ولو عرفت الحقيقة؟ كريم ضحك. وقال ندى عمرها ما بتشك في حد بتحبه. الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة. لأنها كانت حقيقية. كنت بثق فيه ثقة عمياء. الفيديو كمل. حماتي قالت أهم حاجة بعد ما تستلم الميراث، ما تسيبهاش تمسك الفلوس بنفسها. كريم رد سيبيها عليا. هترجعلي بنفسها. وأول ما ترجع... كل حاجة هتبقى تحت إيدي. قفلت الفيديو. إيدي كانت بتترعش. لكن للمرة الأولى... ما كنتش بعيط. كنت هادية بشكل مخيف. فتحت آخر ظرف موجود في الصندوق. كان مكتوب عليه بخط عمتي لا تفتحيه إلا بعد ما تشوفي الحقيقة بنفسك. فتحت الظرف. طلع منه شيك. قيمته... خمسة ملايين جنيه. ومعه ورقة صغيرة. مكتوب فيها دي مش هدية. دي أول خطوة في خطتك الجديدة. ابدئي من هنا... وخليهم يخسروا بنفس الطريقة اللي كانوا ناويين يخسروكي بيها. ابتسمت لأول مرة. قفلت الملف. وحطيت كل حاجة في الشنطة. وأنا خارجة من البنك، الموبايل رن. كان كريم. رديت. قال بنفس النبرة الباردة المعتادة إنتِ فين؟ كلنا مستنيينك في البيت. بصيت على الساعة. ابتسمت. وقلت بهدوء جاية. لكن المرة دي... أنا ما كنتش راجعة كزوجة مطيعة. ولا ست مكسورة. أنا كنت راجعة... علشان أبدأ أول خطوة في حساب طويل جدًا. وحسابهم... كان هيبدأ من الليلة دي. أول ما وصلت فيلا عيلة الشناوي، كان البيت كله منور. الخدم بيتحركوا في كل مكان. والعشا متجهز. أول ما دخلت، حماتي بصتلي بضيق. إيه التأخير ده؟ ابتسمت بهدوء. كان عندي شوية إجراءات خاصة بالميراث. أول ما سمعت كلمة الميراث، دينا رفعت رأسها بسرعة. أما كريم، فقفل شاشة موبايله وحطه على الترابيزة. حماتي سألت باهتمام حاولت تخبيه خلصتي الإجراءات؟ أيوه. والمبلغ نزل؟ بصيتلها وأنا بابتسم. نزل. لأول مرة من ساعة ما اتجوزت كريم... شفت لمعان الطمع في عيونهم من غير ما يحاولوا يخفوه. حماتي ابتسمت وقالت الحمد لله... ربنا يباركلك يا بنتي. الكلمة خرجت منها غريبة. يا بنتي. دي أول مرة تناديني بيها بالشكل ده. دينا قامت من مكانها، لكن جوايا... كنت فاكرة الفيديو اللي شوفته من ساعة. كريم قرب مني. وحط إيده على كتفي. مبروك. بصيت في عينيه. وسألته مبروك على إيه؟ ابتسم. على الميراث طبعًا. قلت شكرًا. ودخلت قعدت على السفرة. العشا بدأ. لكن المرة دي، الجو مختلف. كلهم بقوا لطفاء بشكل مبالغ فيه. حماتي بنفسها حطتلي الأكل في الطبق. وقالت كلي يا حبيبتي... شكلك مرهقة. دينا قامت جابتلي العصير. وشريف فضل يحكي نكت. أما كريم... فكان كل شوية يبصلي ويبتسم. لو كنت ندى القديمة... كنت هصدق إنهم اتغيروا. لكن دلوقتي... كنت شايفة الحقيقة. بعد الأكل، حماتي قالت وهي بتبص لكريم يا ابني... خد مراتك اطلعوا الجنينة شوية. أكيد عندكم كلام كتير. واضح إنها كانت عايزة يكلمني لوحدنا. خرجنا. الجنينة كانت هادية. كريم وقف يبص للنافورة. وبعدين قال ندى... نعم؟ فكرتِ تعملي إيه في الفلوس؟ ابتسمت. لسه. قال بسرعة بصي... المبلغ كبير، وما ينفعش يتحط في البنك كده وخلاص. أمال؟ لازم يتستثمر. سألته وإنت عندك خطة؟ وشه نور. طبعًا. طلع ملف من الشنطة اللي كانت معاه. ناولني الورق. أنا مجهز دراسة كاملة. فتحت أول صفحة. العنوان كان خطة إدارة واستثمار أصول ندى فؤاد. ابتسمت من جوايا. حتى الدراسة كانت جاهزة... يعني كان واثق إني هرجعله. قال وهو بيقرب مني أنا هأسس شركة جديدة باسمك. طبعًا الإدارة هتبقى عليا مؤقتًا. ولما تتعلمي، تستلميها. رفعت عيني. مؤقتًا؟ أكيد. يعني الحسابات البنكية كمان هتبقى معاك؟ اتردد لحظة. علشان الأمان. هزيت رأسي كأني مقتنعة. كلام منطقي. الفرحة ظهرت على وشه. قال يبقى بكرة الصبح نروح البنك مع بعض. قلت ماشي. لكني كملت بهدوء بس قبل البنك... أنا عندي طلب صغير. إيه هو؟ عايزة أقابل كل أفراد العيلة على العشا بكرة. استغرب. ليه؟ علشان أبلغهم بقرار مهم. ابتسم. قرار إيه؟ قلت هتعرفوا بكرة. رجعنا للصالون. أول ما دخلنا، حماتي سألت بلهفة ها؟ ابتسم كريم. كله تمام. تنفست الصعداء. وقالت الحمد لله. ثم بصتلي. خير يا ندى؟ قلت بابتسامة هادئة بكرة عاملين عزومة. مناسبة إيه؟ مناسبة الميراث. كل الموجودين ابتسموا. وأنا كملت وعندي مفاجأة كبيرة لكل واحد فيكم. دينا ضحكت. شكلها هتوزعي هدايا. ضحكت أنا كمان. فعلًا... هوزع. لكن مش الهدايا اللي مستنيينها. في نفس اللحظة، موبايلي اهتز. رسالة من هالة. فتحتها تحت الترابيزة. تحذير... ما تمضيش على أي ورقة مهما كانت. في حد من الموجودين معاه عقد جاهز هيحاول يخليكي تمضيه الليلة. رفعت عيني بهدوء. وبدأت أبص في وشوشهم واحد واحد. كلهم كانوا بيبتسموا. لكن واحد منهم فقط... كان مخبي تحت الكرسي حقيبة جلد سوداء. والحقيبة دي... أنا كنت شفتها قبل كده. كانت نفس الحقيبة اللي ظهرت في فيديو الاجتماع السري بين كريم، وحماتي، ومدير الشركة. الفصل الأخير العشا خلص. وحماتي أخيرًا قالت بابتسامة مصطنعة يا ندى، بما إننا بقينا أهل، وفيه ثقة بينا... فيه كام ورقة بسيطين محتاجين توقيعك. المحامية اللي كانت قاعدة من أول الليلة فتحت الحقيبة السودا. وأخرجت عقدًا سميكًا. أنا ما مدتش إيدي. قلت بهدوء قبل ما أمضي أي حاجة... أنا كمان عندي حاجة عايزة أعرضها عليكم. بصوا لبعض باستغراب. طلعت الفلاشة من شنطتي. وقلت ممكن نشغل التلفزيون؟ ابتسم كريم بثقة. طبعًا. واضح إنه كان فاكر إني هعرض صور الميراث أو هتكلم عن الاستثمار. لكن أول ما اشتغل الفيديو... اختفت الابتسامة من على وشه. ظهر هو... قاعد مع حماتي. ومدير الشركة. وفرح. وصوته وهو بيقول أول ما الفلوس تدخل حسابها... كل حاجة هتبقى تحت إيدي. الصالون كله سكت. حماتي قامت واقفة. اقفلي الفيديو ده حالًا! لكن الفيديو كمل. وظهر صوتها هي لازم ندى تسيب شغلها قبل ما تستلم الميراث. المحامية اللي جابوها قامت من مكانها. وبصت لكريم. أستاذ كريم... حضرتك قلتلي إن نقل الأسهم بموافقة زوجتك. ابتسمت. إحنا مطلقين من شهرين... مش كده؟ وش كريم اصفر. أول مرة يحس إنه وقع في الفخ. قلت بهدوء بما إنك طلقتني من غير ما أعرف... يبقى لا يحق لك تعتبرني زوجتك في أي عقد من العقود دي. ثم حطيت قدامه نسخة من وثيقة الطلاق. ولا يحق لك تطلب مني أوقع باعتباري زوجتك. المحامية بصت في الورق. وبعدين قفلت الملف. أعتذر... أنا أنسحب من الموضوع. شالت أوراقها، ومشيت. حماتي صرخت ارجعي! لكن الست خرجت من غير حتى ما تبص وراها. كريم حاول يقرب مني. ندى... اسمعيني. رفعت إيدي. لأ... إنت اللي هتسمع. طلعت ظرف تاني. وحطيته قدامه. ده إنذار قضائي. بصله باستغراب. إيه ده؟ قضية تزوير إجراءات الطلاق. وحاول الاستيلاء على الميراث. والتدخل غير القانوني لفصلي من شغلي. وبصيت لحماتي. أما حضرتك... ففيه بلاغ منفصل بخصوص استغلال النفوذ والتلاعب في نقل الأسهم. دينا كانت واقفة بتعيط. وشريف رجع خطوتين لورا. وقال بسرعة أنا ماليش دعوة بأي حاجة. وبص لدينا. إحنا نأجل الخطوبة. وساب البيت. دينا جريت وراه وهي بتنادي عليه. حماتي وقعت على الكنبة. ولأول مرة... ما لقيتش حد يقف جنبها. أما كريم... فكان واقف قدامي، مكسور. قال بصوت واطي ندى... أنا غلطت. ابتسمت. متأخر. اديني فرصة. إنت خدت فرصتك يوم ما اخترت تخدعني. سكت. وبعدين قال هترجعيلي؟ ضحكت. نفس الضحكة اللي ضحكتها أول ما عرفت إنه طلقني. وقلت أنا رجعت فعلًا... لكن مش علشانك. مشيت ناحية الباب. قبل ما أخرج، لفيت وبصيت عليهم. البيت اللي كنت بدخله كل يوم وأنا حاسة إني أقل منهم... خرجت منه وأنا أغنى منهم. وأقوى منهم. وأهم حاجة... خرجت منه وأنا حرة. ... بعد ستة أشهر... حكمت المحكمة ببطلان عدد من التصرفات المالية، وأدانت كريم في وقائع التزوير واستعمال محررات غير صحيحة، كما خسر منصبه في الشركة. أما فرح... فتم فصلها بعد ثبوت مشاركتها في تسريب بيانات الشركة والتلاعب بالمشروعات. وشركة حماتي دخلت في تحقيقات مالية طويلة، وانتهى الأمر بالحجز على جزء كبير من أصولها. أما أنا... استخدمت جزءًا من الميراث لإنشاء مؤسسة خيرية باسم أمي وعمتي، لدعم تعليم البنات اليتيمات، واستثمرت الباقي في مشروعات كنت أنا صاحبة قرارها لأول مرة في حياتي. وفي يوم الافتتاح... وقفت قدام صورة أمي وعمتي. وابتسمت. وقلت بهدوء متقلقوش... المرة دي... أنا عرفت أحافظ على حقي.