اماني السيد 3

سكتت لحظة… سكتة كانت أبرد وأقسى من كل الأيام اللي فاتت. عمر استنى يسمع منها صرخة لهفة أو كلمة تطمنه، لكن جاله ردها ببرود يقطع العرق والسلسال:
ـ نتجوز؟ ونقعد فين ويا حسرة؟ في شقة فاضية حيطانها عريانة؟ وأنا إيه اللي يخليني أجي أشيل واحد عاجز مش قادر يقف على حيله؟
عمر اتصدم ولسانه اتعقد:
ـ أنتِ بتقولي إيه يا دينا؟ أنتِ نسيتي إن أنا بقيت في الحالة دي عشانك؟ نسيتي إني رميت نفسي قدام العربية عشان أحميكي أنتِ وما تلمسكيش حكة؟
ردت بضحكة ساخرة مستفزة، ضحكة نزلت على قلبه زي المية المغلية:
ـ وأنا طلبت منك ترمي نفسك؟ أنت اللي عملت فيها بطل! وبعدين أنت كنت بتقولي إن مراتك هي اللي بتشيلك وبتدفعلك حق العلاج، أنا بقى لا عندي صحة أشيل ولا عندي فلوس أصرف على علاجك الطبيعي ولا هقعد في خرابة!
ـ دينا… أنتِ بتتكلمي جد؟ دينا أنا بحبك وضيعت بيتي ومراتي عشانك!
ردت بمنتهى الجحود والقسوة وهي ببتفل الخط:
ـ الحب ده لما تكون راجل واقف على رجليك وتقدر تفتح بيت وتصرف عليا، مش تطلب مني أجي أشتغل عندك دادة وممرضه! شوفلك حد تاني يشيلك يا عمر… وبلاش تتصل بيّا تاني عشان الرقم ده هيتحظر.
وقفلت السكة في وشه!
صوت النغمة المنتطعة كان بيرن في ودنه زي الجرس. مسك التليفون وبص له بذهول، وبعدين رماه على الأرض اتكأ بضهره على الحيطة الساقعة، ودموع الندم والحسرة بدأت تنزل من عينيه، بس المرة دي ما كانش في نسمة تطبطب عليه ولا ضهر ينحني عشان يشيله… كان لوحده، غرقان في الخرابة اللي صنعها بإيده.
الخبر نزل على أهل عمر زي الصاعقة لما عرفوا اللي عمله في نسمة، واللي بسببه طارت الشقة والعفش وخرجت البنت من حياته مرفوعة الرأس. أمه وأخواته اتخلوا عنه في الأول، ولما صعب عليهم حالتهم، اكتفوا بزيارة خاطفة مرة واحدة في الأسبوع؛ يجيبوا مع الأكل أطباق بلاستيك ويمشوا بسرعة، يهربوا من الخدمة التقيلة ومن نظرات العجز اللي في عينيه.
بقت المشكلة الكبيرة عنده هي طلوع ونزول السلم عشان جلسات العلاج. مفيش جيران ترضى تشيله بعد ما عرفوا حكايته، ولا حد كان مستعد يحني ضهره لواحد رمى أصل زوجته في الزبالة. اتضطر عمر يصرف كل القرشين اللي كان محوشهم للجوازة التانية على عربيات الإسعاف الخاصة والعمال عشان ينزلوه ويطلعوه على السلم… الفلوس اللي كان بيبخل بيها على بيته، بقت تتشفط في مشوار الجلسة الواحدة.

