اماني السيد 3

وفي الناحية التانية، كانت نسمة في دنيا تانية خالص.

قعدت مع نفسها، ودعمت روحها بعد ما نفضت غبار السنين المزيفة. ركزت في شغلها، وبقت تحط كل جنيه كان بيروح على علاج عمر وعلى المداراة عليه، في صحتها ولبسها وجمالها. رجعت نضارة وشها، وعينيها اللي كانت مطفية بالدموع بقت بتلمع بكرامة وأمل. اهتمت بنفسها وبأكلها، وبقت تشتري اللي كان محرم عليها زمان، حست لأول مرة إن فلوسها وعرقها بيروحوا للمكان الصح… لكرامتها وراحتها.

مرت الأيام، وعمر محبوس في الشقة الفاضية على السجادة القديمة. من كثرة القعدة والنوم في مكان واحد من غير حركة ولا إيد تحن عليه وتقّلبه، جسمه بدأ يتآكل… جاتله قرح الفراش. أوجاع لا تطاق ونزيف وجروح بتأكل في لحمه، وما كانش فيه حد جنبه يغيرله على الجرح ولا يحس بوجعه.

ولما الفلوس خلصت تماماً، ومبقاش قادر يدفع لعربيات الإسعاف ولا يطعم نفسه، أدرك عمر إن النهاية قربت. وبقلب مكسور وعين بتفقد الأمل، عرض الشقة للبيع بأبخس ثمن.

باع السقف اللي كان يلمّه، وأخذ القرشين المتبقين ورحل… راح قعد في مستشفى مجاني ورعاية صحية متواضعة، بين أربعة حيطان باردة ونظرات الممرضين الغريبة. كان قاعد على السرير، يتأمل السقف الفاضي، ويتذكر نسمة وهي نازلة بيه السلم وشايلاني على ضهرها… ساعتها بس عرف إن اللي يخسر الجوهرة عشان التراب، بيموت وحيد من غير ما يلقى حتى اللي يقلّبه على جنبه.

في المستشفى، كانت الأيام بتعدي عليه بطيئة وتقيلة زي الجبل. صوت أجهزة القياس ونظرات الممرضات وهي بتغيرله على جروح القرح ببرود، كانت بتفكرة كل ثانية بقسوة الوحدة. كان يبص للحيطان البيضا الساقعة ويفتكر لما كانت نسمة بتقعد جنبه بالساعات، تحط إيدها على راسه لما يسخن، وتبطّبط عليه وتسمع عصبيته من غير ما تشتكي.

أما نسمة، فكانت الحياة بتفتح لها أبوابها من جديد. الشغل اللي ركزت فيه بدأ يجيب نتيجه، وبقت تمشي بين الناس مرفوعة الراس. اهتمامها بنفسها وبصحتها رد فيها الروح، وبقت لما تبص في المراية تشوف ست قوية، حرة، اتعلمت الدرس وما بقتش تسمح لأي حد يقلل من قيمتها.

وفي يوم، وأحمد أخو عمر معدي بالصدفة في الشارع اللي فيه شغل نسمة، شافها من بعيد. ما عرفهاش في الأول… كانت لابسة شيك، ملامحها منورة، وضحكتها مالية وشها وهي بتتكلم في التليفون. وقف أحمد مشدوه، مش مصدق إن دي هي نفسها نسمة اللي كانت بتنزل السلم متكتفة ومحنية تحت ثقل أخوه.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *