بقلم اسلام احمد 3

**الجزء الخامس**
مرّت الساعات التقيلة زي الدهر. النهار كان طالع باهت والجو في العمارة مشحون بكهربا تقطع النفس. أهل سلفتي جُم من البلد مرعوبين، وبدل ما يعتذروا أو يلموا الموضوع، دخل أمها وأخوها بقلة أدب وبجاحة، يحاولوا يغطوا على عملة بنتهم ويقلبوا الترابيزة. أخوها وقف في الصالة يجعجع بصوت عالي:
“إيه العك ده؟ كبرتوا الموضوع وعملتوا من الحبة قبة علشان خاطر شوية كيد نسوان؟! الست جوزها غايب، ولو احتاجت حاجة من أخو جوزها ده الطبيعي والأصول! إنما تطردوها وتوسخوا سمعتها كدة، ده كلام ما نسكتش عليه!”
أبويا ما استناش ثانية، قرب منه وبص له بنظرة هيبة جمدت الدم في عروق أخوها:
“الأصول يا معلم أنت وهو، إن لما تكون الست راجلها غايب، تحترم غيابه وتحفظ شرفه! مش ترن على أخوه أنصاص الليالي تتسحب له وتعمل فيها العيانة والمسكينة! والأصول لما الراجل يروح يخدم مرت أخوه، يصحّي مراته تطلع معاه عين عينك، مش يتقفل الصوت ويتسحب في الظلمة زي الحرامية! لو دي الأصول عندكم في البلد، يبقى الأصول عندنا في مصر بتسمي التصرف ده قلة نخوة ودناسة!”
حمايا طردهم من الشقة بصوت هز العمارة كلها، وجروا أختهم وهدومها في شنط بلاستيك وخرجوا يجروا أذيال الخيبة والفضايح. الشقة نزلت عليها سكتة مرعبة، والكل انسحب. أبويا أصرّ إننا نرجع على بيت أبوي وما نرجعش شقتي ولا أحط فيها رجل لحد ما الأخ المسافر ينزل ويتحط القول الفصل.
طول النهار، جوزي كان واقف في الشارع تحت بيت أبويا زي الضّل. يبعت لي رسائل تترجى، يطلب يكلم أبويا، والتليفون ما بطلش رن:
*”يا بنت الحلال ارحميني، أخويا نازل ناوي على خراب وحمام دم، قولي لأبوكي يهدّي اللعب، أنا مستعد أعملك كل اللي تطلبيه بس انقذيني من الفضيحة دي!”*
رديت عليه بمسج واحدة بس قاطعة زي المشرط:
*”اللي يخاف من الفضيحة ما يمشيش في الضلمة. أنت اللي زرعت الشوك بكدبك واستغفالك ليا، والنهاردة تحصد اللي زرعته بنفسك!”*
على الساعة 10 بالليل، شاشة تليفون حمايا نورت.. وكان الاتصال المنتظر: الأخ المسافر نزل من مطار القاهرة وراكب تاكسي وجاي على العمارة رأسًا.
أبويا وأمي وأنا وحمايا نزلنا وقعدنا في شقة حمايا اللي في الدور الأرضي، الشقة اللي جمعت العيلة كلها. القعدة كانت ترعب.. حمايا قاعد وجهه شاحب وممسك بعصايته، وأبويا قاعد جنبي بكامل هيبته وصرامته، وجوزي قاعد في زاوية الأوضة عرقان، وشفه بيتنفض من الخوف والتوتر.
