امه طردته1
روماني مكرم
أمه طردت مراته وهي حامل وهو ميعرفش، وعدّت سنتين كاملين عايش فيهم على عمى عينه، لحد ما جه اليوم اللي اتفاجأ بيها واقفة في وسط سوق شعبي زحمة.. شغالة على فرش خضار بسيط، وشايلة على إيدها طفل.
أول ما عنيها جت في عنيه اتخضت، جسمها كله اترعش، بس في ثانية لفت وشها وعملت نفسها مش شايفاه ودارت ورا الميزان. هو بقى؟ الدنيا اسودت في عينه، الدموية ضربت في نفوخه، ومبقاش شايف قدامه. راح عليها زي القطر، مسكها من دراعها وسط زحمة السوق والناس وبقى يزعق ويصرخ وصوته جايب آخر الشارع:
> “كنتي فين؟.. خنتيني وصغرتيني؟.. ابن مين ده؟ انطقييييي!”
عمره ما كان يتخيل إن الدنيا ممكن تفرّم بني آدم وتخبيه سنتين كاملين، وبعدين ترميه في وشك فجأة وسط زحمة سوق وخضار وناس بتفاصل، وكأنها مكنتش مراته في يوم من الأيام، وكأن العمر اللي عاشه معاها كان شوية حلم هبل صِحي منه على قفل برد في ليلة شتا سودة.
كان ماشي وسط السوق بيقضي طلبات للبيت بالصدفة، ودماغه بتودي وتجيب في تفاصيل ملهاش عازة، بس كان بيحاول يهرب من خنقة الشغل والدنيا. كان بيبص لوشوش الناس وهو بيفكر في بيته اللي بقى بقاله سنتين شبه التربة؛ ملوش حس، ولا فيه دفا، ولا ضحكة ست، ولا حتى سبب يبرد ناره. مكنش يعرف إن السر كله كان مدفون في أوضة أمه، وفي كلمتها اللي بتمشي على الرقاب، الكلمة اللي قفلت عليها بابها وحلفت مية يمين ما حد يشم خبرها.
أمه وقتها حطت حطاطها وقالتله:
* “دي هجرت بيتك وراحت لأهلها!”
* “دي مبلبلة ومبتحترمش طبعك!”
* “سيبها تغور.. ولو عايزها، روح هاتها من بيت أبوها واكسر مناخيرها!”
وهو يومها؟ ركبه العند والغرور، والرجولية المحروقة عمته. قال لنفسه “الست اللي تخرج من بيت جوزها بغير إذنه تهون، ولمّا ترجع ترجع مكسورة العين وتتأسف”.
لكن الغشيم مكنش يعرف إن مراته مخرجتش بمزاجها.. دي اطردت بالهدوم اللي عليها وهي في الشهور الأولى، اطردت في عز الليل وهي مش قادرة تقف على رجلها، لا معاها قرش سليم للمواصفات، ولا قادرة تدافع عن نفسها، ولا حتى لحقت تسيب له ورقة في يد البواب تقول له: **”أنا شايلة ابنك في بطني”**.
## المقابلة.. عين في عين
وقف وسط الممر الضيق في السوق، ولمحها.
مش شكلها بس اللي جابه الأرض، لأ.. دي وقفتها! وقفتها ورا فرش الخضار وهي حاطة العيل على كتفها، وبتشد طرف الشال القديم بإيدها التانية، ومقوسة ضهرها عشان تحمي الواد من سعة الهوا وقساوة الجو، كأنها بقت حيطة سد مابين حتة اللحمة الحمرا دي والدنيا. كانت لcurrent لبس بسيط يدوب يسترها في الشارع، وعلى وشها كمية تعب وهدة حيل تخلي الحجر ينطق.. تعب ست عاشت سنتين بتفهم نفسها إن العيشة مرة بس الصمت أستر، وإن الست لما تتبهدل وتصرف على نفسها دي مش بطولة، ده أكل عيش، وإن الوجع لما بيطول بيبقى زي شرب الشاي السادة كل يوم.. عادي ومبيجزعش.
**كانت هي.. مراته اللي فص ملح وداب.**
وفي ثانية، العيون اتقابلت.
الكاتب_رومانى_مكرم
هي عنيها وسعت وبرقت زي اللي شاف عزرائيل، مكنتش تتوقع أبدًا إن المكتوب هيجيبه لحد السوق ده، في المكان اللي بتاكل فيه عيش بالحلال وبتنداري من عيون الناس. دراعها اترعش والواد بغى يقع، راحت ضماه لِصدرها جامد ونزلت عيونها في الأرض وتدارت ورا قفاص الخضار وهي بتحاول تتجاهله كأنه زبون غريب جاي يشتري ويمشي.. دي الحاجة الوحيدة اللي كانت حيلتها عشان متقعش من طولها.
هو بقى؟ حس إن نفوخه هيطير، وقلبه اتعصر عصرة جابت أجله. عمره ما شافها ضعيفة كده؛ دي كانت لسه مخلصة وبنت بنوت، عنيدة وراسها ناشفة وبتوقف لأمه وللدنيا كلها على الواحدة بكبرياء يغيظ. ودلوقتي؟ واقفة بتبيع في السوق وشايلة عيل وبتتهرب من عينه!
النار شعللت في صدره، مكنش حب ولا شوق، كان غل وجرح قديم اتفتح عليه صديد سنتين وهو بيقنع نفسه إنها سابته وباعت عشرته ومحبتوش من الأول.
قدم خطوة..
وفي التانية كان واقف فوق راسها وقلب الفرش في وشها..
تدحرجت حبات الطماطم والبطاطس على الأرض الطينية، واختلطت بصوت صراخ الطفل اللي اتفزع من خبطة الأقفاص وصوت أبوه اللي زلزل السوق. الناس اتلمت في ثواني، البياعين والزبائن سابوا اللي في إيديهم ووقفوا يتفرجوا، والهمهمات بدأت تزيد في المكان: “في إيه؟ الراجل ده جرى في عقله إيه؟ بيمد إيده على ولية غلبانة وشايلة عيل؟”.
هو مكنش سامع حد، كان ماسك دراعها بقوة خلت صوابعه تغرز في لحمها، وعينيه الحمرا بتطق شرار وهو بيبص للطفل اللي متبت في رقبتها وبيعيط بهستيريا.
هي، رغم الرعب اللي كان هيموتها، ورغم إن ركبها مكنتش شايلاها، لقت في نفسها فجأة قوة أم بتدافع عن ضناها. زقته بإيدها التانية بكل ما تملك من عزم وصوتها طلع مخنوق بالدموع والكسرة، بس كان حامي زي الموس:
“سيب دراعي.. سيبني في حالي يا جبار.. ملقتش إلا السوق والفضايح تيجي تكمل بيها علينا؟”
صاحب الفرش اللي جنبها، راجل أربعيني صعيدي جدع اسمه “المعلم مرسي”، شاف المنظر ومقدرش يستحمل الشوفه دي. جرى عليهم وزق إيد الزوج بعنف وقال بصوت جهوري هز المكان:
“جرى إيه يا فندي؟ إحنا ملناش كبير في السوق ده ولا إيه؟ سيب الست دي في حالها وإلا ورب العرش ما هتعرف هتخرج من هنا على رجلك ولا على حمالة!”
الزوج بصله وعينيه ماليانة جنون، وزعق في وش الكل:
“دي مراتي! دي هربانة مني بقالها سنتين.. وراجعة وعايلة على إيدها وواقفة تبيع في وسطكم.. سيبوني أربيها وأعرف الميكروب ده جه منين!”
الكلمة نزلت على السوق زي الصاعقة. البياعين بصلوا لبعض بذهول، الست “أم أحمد” (زي ما كانوا بيسموها في السوق) اللي بقالها سنتين عايشة في حالها، مبتنطقش إلا بالحلال، ومبتديرش وشها لحد، تطلع هربانة من جوزها؟
هنا، ضحكت هي ضحكة ماليانة قهر ووجع، دموعها نزلت مغرقة وشها الدبلان، وبصتله في عينه وقالت بصوت مسموع للكل والكل سكت عشان يسمع:
“مراتك؟ دلوقتي بقيت مراتك؟ والطفل ده اللي بتسأل ابن مين.. ده ابنك يا غشيم! ابنك اللي أمك طردتني وأنا شايلاه في بطني في عز الليل والبرد.. طردتني بالهدوم اللي عليا وقالتلي مالكيش عيش هنا، وراحت حطت في بطنك بطيخة صيفي وقالتلك هربت وراحت لأهلها!”
الكلمة دي لجمته. الجملة وقعت عليه زي جبل مهدود. “ابنك يا غشيم”.
حس إن الأرض بتلف بيه، والناس اللي حواليه اختفوا، مابقاش سامع غير الكلمة دي وهي بتتردد في ودنه زي صدى صوت مرعب. بص للطفل اللي كان وشه أحمر من العياط ومتبت في هدوم أمه.. بص لملامحه بتركيز لأول مرة.. العيون الواسعة، رسمة الحواجب، وحتى الشامة الصغيرة اللي في رقبتها.. الواد حتة منه، نسخة مصغرة من صورته هو وهو عيل صغير في ألبومات الصور القديمة.
مسك دماغه بإيديه والذهول شل حركته، تراجع خطوة لورا وهو مش مصدق، وصوته اتهز لأول مرة:
“أمي؟ أمي هي اللي طردتك؟ أنتي بتتبلي عليها عشان تداري عملتك؟ أمي قالتلي إنك لميتي حاجتك ومشيتي!”
صرخت فيه بحرقة وهي بتعدل الشال على الواد اللي بدأ يهدأ من التعب والخوف:
“أتبلى عليها؟ اسأل بواب عمارتك.. اسأل جارتك طنط ميرفت اللي شافتني وأنا نازلة على السلم بعيط وبموت من المغص وأمك بتحدف ورايا الهدوم وتقولي غوري في داهية أنتي واللي في بطنك ومش هتشوفي وش ابني تاني! أنا مهربتش يا ابن الأصول.. أنا اترميت في الشارع، ولما رحت لأهلي ملقتش حد يشيلني.. أبويا مات من قهرته عليا بعديها بشهرين وأمي ست عاجزة.. نزلت السوق، وقفت على رجلي، شيلت قفاص الخضار على ضهري وأنا حامل في الشهر السابع عشان ألاقي لقمة عيش بالحلال وممدش إيدي لحد.. عشان لما الواد ده يكبر ويقولولي أبوه سابك ليه، أقوله أبوه كان مأمن لأمه وعايش في مية البطيخ!”
الناس في السوق بدأوا يتأثروا، النبرة الصادقة والوجع اللي في صوتها مكنش محتاج دليل. البياعين بدأوا يبصوا للزوج بنظرات لوم واحتقار. المعلم مرسي طبطب على كتف الست وقالها: “اهدئي يا أم أحمد، حقك على راسنا، ومحدش يقدر يمسك هنا طول ما فينا نفس”. والتفت للزوج وقال بلهجة حاسمة وناشفة:
“اطلع بره السوق يا فندي.. الست دي شرفها أنضف من التوب الأبيض، وإحنا هنا بقالنا سنتين شايفين شقاها وعفتها وعمرنا ما شفنا منها العايبة.. روح حل مشاكلك مع الست الوالدة بعيد عن فرش أكل عيشها”.
الزوج كان واقف زي الصنم، الكبرياء والغرور والرجولية المزيفة اللي عاش بيهم سنتين اتهدوا في لحظة فوق دماغه. افتكر كل كلمة أمه كانت بتقولها له وهي بتدعي عليها، افتكر نظرات أمه المتهربة لما كان يجي سيرة مراته، وافتكر إزاي كانت بتزن عليه وتصر إنه يتجوز بنت خالته عشان “تنسيه الأيام السودة وتجيب له حتة عيل يشيل اسمه”.
بص لمراته بنظرة ماليانة دموع وضياع، حاول يقرب منها تاني ويمد إيده عشان يلمس الواد، يدوب صوابعه لمست طرف هدمة العيل، بس هي رجعت لورا بخوف وقهر وقالتله بصوت ميت:
“أوعى تلمسه.. ده مش ابنك.. ده ابن الشقا والبهدلة.. ده ابني أنا وبس، وأنت مالكش حاجة عندي”.
دارت الدنيا في عينه، والدموع اللي حبسها سنتين نزلت رغماً عنه قدام السوق كله. مبقاش شايف قدامه من كتر الغضب اللي اتقلب في ثانية لبركان موجه ناحية بيته.. ناحية أمه اللي دمرت حياته، وحرمته من ابنه البكري، وسابته عايش في كذبة وسواد وهدت حيل الست اللي حبها.
لف وشه وجرى وسط زحمة السوق زي المجنون، بيخبط في الناس وفي الأقفاص وهو مش حاسس بجسمه، والكل بيبص عليه وهو بيجري وعينيه بتطق شرار. ركب عربيته ودورها بأيد بترتعش من كتر العصبية، وداس بنزين بأقصى سرعة وهو ناوي يرجع البيت.. ناوي يهد الدنيا على دماغ اللي كانت السبب في المأساة دي كلها.
وفي نفس الوقت، كانت الست قعدت ورا الفرش المهدود على ركبها، بتلم الطماطم والبطاطس المرمية في التراب وهي بتبكي بحرقة وبتضم ابنها لصدرها، والستات حواليها بيتجمعوا يواسوها، وهي بتهمس لنفسها وخوف الدنيا كله رجع يسكن قلبها تاني: “يا ترى اللي جاي إيه؟ هل هيسيبني في حالي ولا الرعب هيبدأ من جديد؟”.
بينما الزوج كان في طريقه للبيت، وعينيه على الطريق وعقله بيغلي، وصورة ابنه المتبهدل في البرد مش مفارقة خياله.. وفي ثلث ساعة كان واصل لباب الشقة، وبيرزع الباب بكل قوته لدرجة إن الخشب كان هيتكسر، وهو بيصرخ بأعلى صوت عنده زلزل جدران البيت: “يااااااااا أمي! أنتي فين يا أمي؟!”..

