فوقت من الغيبوبه 2
مرت يومين كمان في المستشفى، والهدوء اللي كان حواليا كان هدوء ما قبل العاصفة. مصطفى مكنش بيسيب باب الأوضة، نايم على الكراسي برة زي الكلب الأجرب، كل ما ممرضة تدخل يوقفها ويترجاها تسألني لو وافقت أشوفه، وأنا ردي كان واحد وثابت: “لو دخل هنا، هصوت وألم المستشفى كلها”.
في اليوم الثالث، الدكتور دخل ومعاه الابتسامة اللي كنت مستنياها: “شد حيلك يا مدام مي، المؤشرات كلها ممتازة، والنزيف وقف تماماً، والبنوتة قوية وزي الفل وتشبتت بالحياة. تقدري تخرجي النهارده، بس بشرط: الراحة التامة.. مش عاوزين أي انفعال أو مجهود”.
هزيت راسي وأنا ببتسم من ورا قلبي، وقلت له: “حاضر يا دكتور.. الراحة جاية، وجاية قوي كمان”.
اتصلت بأخويا الكبير “أحمد”. أحمد ده هو اللي باقي لي من ريحة أبويا، راجل صعيدي بجد، مبيحبش اللف والدوران وكلمته سيف. حكيت له كل حاجة باختصار وأنا بصرخ من العياط في التليفون. مسألتوش هيعمل إيه، لأن صوته وهو بيتحول لكتلة من النار كان كفيل يعرفني إن مصطفى وأمه فتحوا على نفسهم باب جهنم.
ساعة زمن، ولقيت باب الأوضة بيتفتح، ودخل أحمد وبصته كفيلة تهد جبال. أول ما شاف الكدمات اللي في وشي وفي جسمي، عروق جبهته نفرت، ووجع راجل على أخته بان في عينيه. قرب مني، دفس راسي في صدره وقال بصوت مخنوق:
“حقك هييجي يا بت أبويا.. وحياة دموعك وغيبوبتك دي، لندمهم على اليوم اللي فكروا يمدوا إيدهم على لحمنا.”
خرجنا من المستشفى. ومصطفى أول ما شافنا، جري علينا ووشه أصفر زي الليمونة: “أحمد.. يا حمايا.. اسمعني بس، والله العظيم…”
أحمد ملفتش وش ليه حتى، أداه ضهره وزقه بإيد واحدة طيره مترين لورا، وقال بنبرة ترعب: “حسابك مش هنا يا ابن… حسابك في القسم، وبعدها في المحكمة.”
ركبنا العربية، وأحمد قالي: “هنطلع على الشقة بتاعتك، تاخدي هدومك وذهبك وحاجتك كلها، مش هنسيب لهم قشة، وبعدها على القسم.”
قلت له وعيني فيها شرار: “لأ يا أحمد.. إحنا هنروح القسم الأول، نعمل المحضر ونثبت التقرير الطبي، وناخد قوة معانا وإحنا رايحين نفتح الشقة.. أنا مش عاوزه مصطفى ولا أمه يلمسوا حاجة، وعاوزه السيرفر بتاع الكاميرات ينزل تحت إيد الشرطة فوراً عشان مفيش حد يلعب فيه.”
أحمد بصلي بفخر وقال: “دماغك صاحية يا بت أبويا.. على القسم.”
في القسم، الدنيا مقلوبتش بسهولة، بس أول ما الضابط شاف التقرير الطبي اللي فيه “غيبوبة ست أيام، اشتباه في ارتجاج بالدماغ، كدمات متفرقة، وشروع في إجهاض وجناية ضد جنين”، وشاف تسجيل الصوت اللي على الموبايل.. وشه اتقلب.
الضابط بص لأحمد وبصلي وقال: “ده مش محضر ضرب عادي يا مدام.. دي جناية تعذيب وشروع في قتل مع سبق الإصرار، والوالدة محرضة وشريكة في الجريمة بالتستر والتزوير.”
خرجت قوة من المباحث معانا، وبوكس الشرطة ماشي ورا عربية أحمد. الإحساس كان غريب.. ميكس بين القهرة إن بيتي اتهد، وبين نشوة رهيبة وأنا شايفة حقي بيرجع بالمليم.
وصلنا بيت الزوجية.. العمارة اللي في مصر الجديدة اللي كانت حماتي ساكنة في الدور الأرضي منها، وأنا ومصطفى في الدور الثالث.
أول ما بوكس الشرطة وقف والكلابشات حديدها رن، الجيران بدأت تفتح الشبابيك وتبص بفضول. في مصر، الفضيحة بجلاجل، وحماتي كانت دايماً عاملة فيها “الشيخة فادية” بتاعة الأصول والدين.
أحمد والضابط وأنا طلعنا على شقتي. فتحت الباب بالمفتاح اللي معايا. الشقة كانت تضرب تقلب، الفازة الكريستال المكسورة كانت لسة حتت منها تحت السفرة، وبقعة دمي الناشفة على رخام المطبخ كانت شاهدة على اللي حصل.
الضابط أمر أمين الشرطة: “صور كل شبر هنا.. واقفل على السيرفر بتاع الكاميرات وتحفظ عليه.”
في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل مصطفى ومستغرب المنظر، ووراه أمه الحاجة فادية بتصرخ وتلطم على صدرها: “يا مصيبتي! يا فضيحتنا وسط الحتة! شرطة في بيتنا؟ أنتِ جايبة البوليس لجوزك يا فاجرة يا خطافة الرجالة؟!”
الضابط لف ببرود وقال: “أنتِ المتهمة فادية عبد الرحمن؟”
فادية اتهزت ورجعت خطوة: “أيوة أنا.. في إيه يا باشا؟ دي خلافات عائلية ومراته لسة عقلها مجاش من المستشفى.”
الضابط ماداهاش فرصة تكمل، وبص للعساكر: “هاتوها هي وابنها.. قبض.”
مصطفى صرخ: “قبض إيه يا فندم؟! أنا معملتش حاجة! دي مراتي وبأدبها!”
أحمد أول ما سمع كلمة “بأدبها”، متمالكش نفسه.. بقبضة إيده ونزل في وش مصطفى جاب مناخيره دم، وضربه بوكس تير العقل من دماغه، وقال له: “تأدب مين يا حيلتها؟! دي جزمة أبويا برقبتك وبرقبة عيلتك كلها!”
العساكر كلبشوا مصطفى وهو بينزف وبيعيط، وكلبشوا الحاجة فادية اللي كانت بتهبهب وتصوت: “يا ناس يا عالم.. الحقوني.. بتسجن في شيبتي عشان خاطر حتة بت لا راحت ولا جت!”
نزلوهم من على السلالم وسط فرجة الجيران كلهم. الناس اللي فادية كانت بتقعد معاهم في مدخل العمارة وتقولهم “مرات ابني مش مريحة ومبتسمعش الكلام”، دلوقتي شايفينها وهي راكبة البوكس والكلابشات في إيدها زي الحرامية.
أنا وقفت في البلكونة وبصيت عليهم وهما بيترسوا في البوكس من ورا الحديد.
مصطفى رفع عينه وبصلي، كانت عينيه مليانة رجاء مكسور، كأنه بيقولي “ارحميني”.
بس أنا حطيت إيدي على بطني، وحسيت بنبض بنتي، واشتقرت في نفسي طاقة غل عمري ما تخيلت إنها عندي. همست لنفسي: “الرحمة للناس اللي تستاهل.. وأنت وأمك مكانكم السجن”.
دخلت الشقة، ولميت كل الهدوم، الدهب بتاعي اللي كان في الخزنة، وحتى قسيمة الجواز والورق المهم. أحمد ساعدني وشلنا كل حاجة في شنط كبيرة.
وأنا خارجة من باب الشقة، لفيت وبصيت للمطبخ.. الرخام الجرانيت اللي سال عليه دمي.
ابتسمت ابتسامة باردة، وقفت دقيقة، وقررت إني مش هعيش دور الضحية تاني أبداً. المحامين بتوع أحمد هيقوموا بالواجب، والقضية هتبقى قضية رأي عام لو لزم الأمر.
الحاجة فادية قالتلي “البيوت بتعمر لما الستات بتتعلم تسامح”..
وأنا هعلمها إن البيوت بتهد فوق دماغ الظالم لما الستات بتقرر تاخد حقها بدراعها وبالقانون.
خرجت وقفلت الباب ورايا.. والمرة دي، قفلته للأبد.

