بقلم اسلام احمد 3

وفجأة.. سمعنا صوت كلاكيت التاكسي بره، وبعدها صوت خطوات تقيلة وسريعة في مدخل العمارة.
اتفتح باب الشقة، دخل الأخ المسافر.. منظره يوجع القلب. راجل طول بعرض، وشه أسود من الغضب والتعب، عينيه أحمر من الدموع والقهر، شايل شنطة سفره الصغيرة ورماها على الأرض بقوة هزت المكان. بص في الوجوه كلها، وساد صمت قاتل في الصالة لمُدة دقيقة كاملة، محدش قادر ينطق ولا كلمة.
الأخ وجه عينيه لجوزي مباشرة.. مشي ناحيته ببطء، خطواته كانت أتقل من الجبال، وبص له بنظرة مليانة حسرة وألم وقلة حيلة وقال بصوت مبحوح ومكسور:
“أنا طالع عين أهلي في الغربة.. شغال شغلانتين في اليوم، لا بنام ولا بارتاح علشان أبعت لكم الفلوس وتعيشوا مستورين.. وتيجي أنت يا أخويا؟ يا ابن أمي وأبوي اللي من دمي؟ تستغفلني في بيتي؟!”
جوزي قام من مكانه بسرعة وهو بيتفض ويحلف بالأيمان المغلظة:
“والله العظيم يا أخويا الفهم غلط! والله ما لمستها ولا في دماغي حاجة وحشة! هي اللي كانت بتتصل وتستغيث وتقول الولد سخن، وأنا كنت بروح بس من باب الشهامة!”
الأخ قرب منه بسرعة الصاعقة، ومسكه من ياقة قميصه وعصره في الحيطة وزأر في وشه بصوت زلزل الشقة:
“شهامة؟! شهامة تتسحب لها في نص الليل وبالمفتاح السر من غير ما تقول لمراتك؟! شهامة تقفل صوت تليفونك وتتسلل زي الحرامية؟! لو كانت شهامة كنت خدت مرتك في إيدك وطلعت جهاراً نهاراً! إنما أنت رخيص.. وسلفتها هي اللي كشفت رخصك وقرفك قدام الناس!”
الأخ ساب قميصه بزقة وقّعته على الكرسي، وبص لي أنا وأبويا، وقال بصوت مليان احترام وكسرة نفس:
“حكايتك وكرامتك على راسي من فوق يا أم الأصول. أنتِ الست الوحيدة اللي صانت بيتي من غير ما تدري، ولولا إنك وقفتِ للمهزلة دي، كان العك ده استمر وأنا مغفل بره مصر. حقك هتاخديه تالت ومتلت والنهاردة قبل بكرة!”
تلفّت الأخ لأبوه وقال بنبرة حاسمة مفيهاش أي مجال للنقاش:
“يا أبوي.. الست اللي فوق دي رميت عليها يمين الطلاق التلاتة في التليفون وأنا في المطار، وورقتها هتتوصل لبيت أبوها بكرة الصبح، وما تعتبش العمارة دي تاني طول ما أنا عايش!”
وبعدين التفت لجوزي، وبص له بنظرة كره وجفاء كأنه غريب مش أخوه:

