بقلم رودي خالد

إنها هتفضحها قدام كل العيلة، وهتعرفهم نوع الست اللي أحمد دخلها بيته.
لكن…
مريم ما ردتش على أي اتصال.
أما أحمد…
فكان بيسمع كل الرسايل.
وشه متوتر.
لكنه لسه بيدور على أي كلام يرضي الطرفين.
كأن اللي حصل مجرد سوء تفاهم…
مش ظلم استمر شهور.
ساعتها قالتله مريم
أنا مش محتاجة حكم بينا.
أنا محتاجة أعرف… إنت شايف اللي بيحصل ده صح ولا غلط.
يوم الأحد…
الحاجة سعاد جات البيت من غير ما تبلغهم.
أول ما دخلت قالت بصوت كله أوامر
إنتِ مالكيش إنك تحطيلي شروط.
ردت مريم بهدوء
دي مش شروط… دي حدود.
قالت الحاجة سعاد باستهزاء
الكنة المحترمة تساعد… وتطيع… وتشكر.
ابتسمت مريم ابتسامة حزينة وقالت
أنا عملت كل ده.
وحضرتك قابلتيني بالإهانة.
الحاجة سعاد خبطت بإيدها على الترابيزة.
وقالت
إنتِ استغليتي ابني.
من غير كلمة…
مريم حطت الكشكول قدامها.
وقالت
كل جنيه طلبتيه مني مكتوب.
وكل ساعة اشتغلتها عندك ببلاش مكتوبة.
ولو حد استغل التاني… الحسابات هي اللي هتقول مين.
بدأت الحاجة سعاد تقلب في الصفحات.
ولما شافت المبلغ النهائي…
وشها اتغير.
وقالت بسرعة
أنا عمري ما غصبتك.
ردت مريم بثبات
بالعكس.
حضرتك غصبتي.
وأحمد ساعدك على ده.
في اللحظة دي…
كان أحمد واقف عند باب الصالة.
واضح إنه سمع كل كلمة.
أشارت له أمه وقالت
قولها ترجعلي السلسلة… وتعتذر.
لكن قبل ما ينطق…
تليفون الحاجة سعاد رن.
كان المتصل محمود… ابنها الكبير.
ردت وهي فاتحة السماعة الخارجية، واثقة إنه هيقف في صفها.
أول ما رد، قال
يا أمي… أنا اتكلمت مع مريم.
وسكت ثانية، ثم أكمل
هو إنتِ ناوية كمان تطلبي من مراتي فلوس علشان اتجوزتني؟
وش الحاجة سعاد اصفر فجأة.
أما محمود فكمل كلامه
لو دي القاعدة اللي ماشية بيها…
يبقى لازم كلنا نقعد ونراجع كل اللي عملتيه مع مراتات ولادك طول السنين اللي فاتت.
سكت البيت كله.
أحمد بص لأمه بصدمة.
أما مريم…
فأدركت في اللحظة دي إن السلسلة ولا الفلوس كانوا أصل المشكلة.
كان فيه سر أكبر بكتير مستخبي ورا سيطرة الحاجة سعاد على ولادها وكناتها…
وسره كان على وشك ينكشف.
يتبع…
الجزء الثالث
قفلت الحاجة سعاد السماعة الخارجية بسرعة، وقالت بعصبية
يا محمود، ما تبدأش كلام فارغ.
رد محمود بصوت ثابت
ده مش كلام فارغ يا أمي. أنا اتكلمت مع مراتي نهى، وكمان اتكلمت مع أحمد. والموضوع ده لازم ينتهي.
كانت مريم واقفة تراقب ملامح حماتها وهي بتتغير.
الحاجة سعاد طول عمرها كانت تعرف تحوّل أي اعتراض عليها لإهانة موجهة ليها، وتظهر نفسها كأنها الضحية.
لكن المرة دي…
كانت باينة فعلًا كأنها اتحاصرت.
بص أحمد لأمه وسأل
إيه اللي لازم ينتهي؟
ردت بسرعة
مفيش حاجة. أخوك بيكبر الموضوع.
قالت مريم
لأ، فيه حاجة.
حضرتك قلتي إنك كنتي بتاخدي مني الفلوس علشان إنتِ اللي ربيتي أحمد. لكن محمود واضح من كلامه إن الموضوع ما بدأش معايا.
الحاجة سعاد قامت بسرعة واتجهت ناحية الباب.
لكن أحمد وقف قدامها وقال
ماما… اقعدي.
بصتله بصدمة وقالت
إيه؟ هتتعامل معايا كأني مجرمة؟
رد أحمد
بقالك شهور بتاخدي من مراتي فلوس، وبتخليها تشتغل عندك، وأنا كنت جبان وسمحت بده.
دلوقتي لازم أعرف الموضوع وصل لفين.
بعد دقايق قليلة…
وصل محمود، ومعاه مراته نهى، وفي إيده ملف أزرق كبير.
قعدوا في الصالة.
فتح محمود الملف، وطلع منه صور تحويلات بنكية، وإيصالات، ورسائل مطبوعة.
وقال
لما أنا ونهى اتجوزنا، ماما طلبت مننا فلوس برضه.
بص أحمد له بذهول.
كمل محمود
سمّتها وقتها مساعدة عائلية.
فضلنا سنتين بنديها ٢٠٠٠ جنيه كل شهر.
اتسعت عيون أحمد وقال
سنتين؟!
رد محمود
وبعد كده طلبت إن نهى تدفع تأمين العربية، وتجيب تلاجة جديدة، وكمان تدفع جزء من رحلة للمصيف.
ولما رفضنا… قاطعتنا أربع شهور.
بصت نهى لمريم وقالت بصوت هادي
وأنا كمان كنت بطبخ في أعياد ميلادها، وأنضف بعدها، وأسمع منها إني مش مناسبة لمحمود.
خبطت الحاجة سعاد بإيدها على الكنبة وقالت
أنا ضحيت علشانكم!
رد محمود
وإحنا مقدرين ده.
لكن الأم ما ينفعش تحوّل تربيتها لولادها لفاتورة.
مسك أحمد واحد من الإيصالات، وبص لأخوه وقال
ليه عمرك ما قلتلي؟
رد محمود
ماما خلتني أوعدها إني ما أدخلكش في الموضوع.
كانت بتقول إنك حساس، وإنك لو عرفت الحقيقة ممكن تبعد عنها.
قامت الحاجة سعاد وقالت
أنا مش هكمل في قلة الأدب دي.
لكن أحمد رد عليها فورًا
لأ يا ماما.
إحنا لسه بنبدأ.
قعد أحمد جنب مريم، ومسك إيدها.
وبص ناحيتها وقال
إنتِ كان عندك حق.
أمي أهانتك، وأنا بدل ما أحميكي، كنت بحميها هي.
كل مرة سكت فيها… كنت باختار راحتها على كرامتك.
حست مريم بغصة في حلقها.
هي كانت مستنية تسمع الكلام ده من شهور.
لكن رغم كده…
الكلمات ما كانتش كفاية تمسح اللي حصل.
بصت الحاجة سعاد لابنها كأنه خانها وقالت
يعني خلاص… اخترتها هي.
رد أحمد
الموضوع مش مسابقة.
قالت بحدة
الزوجات ممكن ييجوا ويمشوا… لكن الأم بتفضل للأبد.
قامت مريم وقالت
وده أصل المشكلة.
حضرتك فاكرة إنك علشان تحافظي على ولادك، لازم تكسري أي علاقة يعملوها بعيد عنك.
ردت الحاجة سعاد
إنتِ ما تعرفيش عني حاجة.
قالت مريم
أنا أعرف إن حضرتك خلتيني أدفع فلوس علشان بحب ابنك.
لأول مرة…
الحاجة سعاد ما لقتش رد.
قفل محمود الملف وقال
من النهارده، مفيش تحويلات تاني.
لو محتاجة حاجة ضرورية، نتكلم فيها كلنا.
لكن مش هتطلبي تاني فلوس، ولا خدمات، ولا شغل من مراتاتنا.
بصت لهم الحاجة سعاد وقالت
ولو ما وافقتش؟
رد محمود
يبقى هيكون فيه مسافة بينا.
نظرت لابنيها.
ولأول مرة فهمت إن التهديد، والعيط، والشعور بالذنب…
ما بقوش بينفعوا.
قامت وخرجت من غير ما تسلم على حد.
في نفس الليلة…
كتبت الحاجة سعاد في جروب العيلة إن مريم قلعت منها سلسلة الدهب، وأهانتها في عيد ميلادها، وحرّضت ولادها عليها.
العمات والخالات بدأوا يردوا بغضب، من غير ما يسألوا أصلًا إيه اللي حصل.
واحدة منهم كتبت
ستات الزمن ده ما بقوش يعرفوا يستحملوا.
قرأت مريم الرسايل، وحست إن غضبها بيرجع من جديد.
لكن أحمد أخد الموبايل منها.
ولأول مرة…
كتب القصة كاملة.
كتب عن الفلوس الشهرية.
وعن الأيام اللي مريم اشتغلت فيها عند أمه.
وعن السلسلة اللي أمه طلبتها بنفسها.
وعن سكوته هو طوال الشهور اللي فاتت.
وفي آخر الرسالة كتب
مراتي ما سرقتش حاجة.
أنا اللي سمحت لأمي تظلمها.
ولو عايزين تحاسبوا حد… حاسبوني أنا الأول.
الجروب كله سكت.
وبعد شوية…
نهى نزلت صور التحويلات والإيصالات.
وبعدها، اتكلمت بنتين من قرايبهم، واعترفوا إن الحاجة سعاد كانت بتطلب منهم هما كمان فلوس وخدمات، وتضغط عليهم بالإحساس بالذنب.
وبدأت رواية الحاجة سعاد تنهار قدام العيلة كلها.
وبعدها بدقايق…
خرجت من الجروب.
عدّى أسبوعين من غير ما تتصل.
الهدوء في بيت مريم وأحمد كان غريب.
مفيش مكالمات الصبح بدري.
مفيش أوامر للجمعة.
مفيش طلبات مفاجئة.
لكن رغم الهدوء…
كان لسه بينهم جرح مفتوح.
في ليلة، وهم قاعدين بيتعشوا، حطت مريم الشوكة على الطبق وقالت
إنك وقفت قدام أمك… ما يصلحش اللي بينا.
رد أحمد
أنا عارف.
قالت
إنت شفتني وأنا برجع مهدودة.
وشفت جزمتي مقطوعة.
وشفتني بطبخ وأخدم ومش بلحق حتى أقعد على السفرة.
وبرضه كنت بتقولي استحملي.
قال بصوت منخفض
كنت خايف تقول إني سبتها.
ردت مريم
علشان إنت ما تحسش بالذنب… خليتني أنا أدفع التمن.
أحمد ما حاولش يدافع عن نفسه.
وقال
أيوه.
قالت مريم
أنا مش عايزة وعود.
أنا عايزة تغيير.
في الأسبوع اللي بعده…
بدأ أحمد يروح لمعالج نفسي.
وفهم إن طول عمره كان بيخلط بين الحب والطاعة.
واتعلم إنه مش لازم يرد فورًا على كل مكالمة فيها ضغط أو ابتزاز.
وإنه ما ينفعش يستخدم مراته كدرع علشان يتجنب مواجهة أمه.
كمان حوّل لمريم ١٧٥٠٠ جنيه.
نص المبلغ اللي كانت صرفته على أمه.
وقال لها
أنا ما أقدرش أرجعلك الوقت.
ولا أمسح الإهانات.
لكن الفلوس دي أصلًا ما كانش ينفع تطلع منك.
بصت مريم للتحويل وقالت
دي بداية.
بعدها راحت اشترت الجزمة اللي كانت مأجلاها.
خرجت من المحل والجزم القديمة في كيس.
وحست إنها مش بس بتتخلص من جزمة بايظة.
هي كانت طول الشهور اللي فاتت بتعتبر التشققات اللي فيها

