بقلم رودي خالد

دليل صامت على قد إيه كانت بتضحي علشان غيرها.
في اليوم ده…
رمتها في صندوق قمامة، ومشيت تحت المطر.
ولأول مرة من شهور…
شراباتها ما اتبلتش.
كانت فرحة صغيرة.
لكنها كانت ملكها هي.
في شهر يناير…
الحاجة سعاد دخلت المستشفى بسبب التهاب رئوي.
اتصل محمود من المستشفى وقال
هي مستقرة، بس اتخضت جدًا.
بص أحمد لمريم وقال
أنا هروح أشوفها.
إنتِ مش لازم تيجي.
ردت مريم
هروح علشان أنا عايزة… مش علشان واجب عليا.
وصلوا المستشفى.
كانت الحاجة سعاد باينة شاحبة، وحاطة أكسجين، وشعرها مش مرتب.
أول ما شافت مريم…
لفت وشها ناحية الشباك.
حطت مريم عصاير وفاكهة وأدوات نظافة على الترابيزة، وقالت
ألف سلامة.
ما نضفتش الأوضة.
وما نفذتش أوامر.
وقعدت ربع ساعة بس، وبعدها مشيت.
رجعت تزورها بعد يومين.
المرة دي…
الحاجة سعاد ما بصتش بعيد.
قالت لها
كنت فاكرة إنك مش هتيجي.
ردت مريم
وأنا كمان.
سألتها
أمال جيتي ليه؟
قالت مريم
علشان زعلي منك ما يمنعش إني ما أحبش أشوفك بتتعذبي.
نزلت دمعة على خد الحاجة سعاد.
وقالت بصوت مكسور
أنا خايفة.
مريم فضلت ساكتة.
كملت الحاجة سعاد
لما أبوهم مات، هما كانوا كل اللي فاضل لي.
كنت باكل لوحدي، وأنام والتلفزيون شغال، وأستنى أحمد يرجع من الجامعة علشان أحس إن البيت لسه فيه حياة.
ولما محمود اتجوز، خفت أخسر أحمد هو كمان.
ولما عرفك… كل حاجة حصلت بسرعة.
ردت مريم
ده يفسر خوفك.
لكن ما يبررش اللي عملتيه.
هزت الحاجة سعاد راسها وقالت
أنا عارفة.
بس أنا عمري ما عرفت أطلب حد يقعد معايا من غير ما أفرض عليه.
قالت مريم
يبقى ابدئي إنك تطلبي.
بصت لها الحاجة سعاد وقالت
ممكن تيجي يوم تشربي معايا قهوة؟
من غير ما يكون عندي حاجة أديهالك، ولا حاجة أطلبها منك؟
ردت مريم
يمكن.
بس تعزميني… مش تأمريني.
ولأول مرة…
ابتسمت الحاجة سعاد ابتسامة ضعيفة.
قالت مريم
إنتِ خليتي مراتات ولادك يدفعوا تمن خوفك.
ردت
أنا ما كنتش شايفة الموضوع كده.
أمي كانت بتعمل فيا نفس الحاجة.
لما اتجوزت، كنت لازم أديها جزء من مرتبي، وأخدم إخواتي.
كنت فاكرة إن ده الطبيعي.
قالت مريم
كون الحاجة اتكررت… ما يخليهاش صح.
قفلت الحاجة سعاد عينيها في صمت.
خرجت من المستشفى بعد عشرة أيام.
محمود وصلها البيت.
وأحمد اتفق مع ست تساعدها طول فترة العلاج.
هو ومحمود قسموا التكاليف بينهم.
ومن غير ما ياخدوا جنيه واحد من مراتاتهم.
بعد أسبوع…
عزمت الحاجة سعاد الأربعة على القهوة.
لما مريم دخلت…
ما حدش اداها مريلة.
وما حدش طلب منها تدخل تبص على المطبخ.
الحاجة سعاد كانت محضرة القهوة والعيش الحلو بنفسها.
قعدت كام دقيقة مش عارفة تبدأ الكلام.
وبعدين قالت
وأنا في المستشفى فكرت كتير.
كنت مقتنعة إن طول ما إنتوا لازم تخدموني، وتدوني فلوس، وتاخدوا إذني… يبقى مش هتسيبوني.
كنت فاكرة إن السيطرة هي اللي تضمن حبكم.
قال محمود
لكن ده ما كانش حب.
ردت
أنا عارفة.
بصت لنهى وقالت
أنا طلبت منك فلوس سنين، وخليتك تحسي إنك مش كفاية لابني.
أنا آسفة.
هزت نهى راسها وقالت
أنا محتاجة وقت.
ردت الحاجة سعاد
من حقك.
وبعدين بصت لمريم.
وقالت
أنا كنت أسوأ معاكي.
حسيت إن أحمد حبك بسرعة، وإنك جيتي تاخديه مني.
عاملتك كدخيلة.
وأخدت منك فلوس.
واستغليتك.
وأهنتك.
ردت مريم
أيوه.
قالت الحاجة سعاد
أنا مش عارفة أصلّح ده إزاي.
ردت مريم
مش هيتصلح باعتذار واحد.
هيتصلح بالوقت… وبالأفعال.
قالت
هحاول.
طلعت مريم السلسلة الدهب من شنطتها، وحطتها على الترابيزة.
وقالت
ممكن تحتفظي بيها.
بس بشرط تفهمي إنها ما تشتريش طاعتي، وإنها مش مقابل لأي دين.
لكن الحاجة سعاد زقت العلبة ناحيتها وقالت
يبقى أنا مش عايزاها.
بيعيها ورجعي جزء من اللي أخدته منك.
بعد أسابيع…
باعت مريم السلسلة.
واستخدمت الفلوس علشان تشتري علاج لست كبيرة كانت بتتعالج في العيادة ومش قادرة تدفع تمن الدوا.
كانت عايزة تحوّل رمز للإهانة لحاجة مفيدة.
التغيير ما كانش كامل.
الحاجة سعاد كانت لسه ساعات بتقول كلام يضايق.
في مرة علّقت على طريقة مريم وهي بتقدم الرز وقالت
إحنا في عيلتنا بنعمله بطريقة تانية.
حطت مريم المعلقة وقالت
ممكن حضرتك تقدميه بنفسك.
سكتت الحاجة سعاد، وأخدت نفس، وقالت
عندك حق… آسفة.
وفي مرة تانية…
اتصلت بأحمد وقالتله يروح يغير لمبة فورًا.
قال
أقدر أجيلك بكرة.
ردت
أنا عايزاها النهارده.
قال
يبقى كلمي كهربائي.
اتضايقت.
لكنها ما قاطعتش حد، وما استخدمتش الصمت كعقاب.
وبهدوء…
العلاقة بدأت تبعد عن الخوف.
في شهر مايو…
بعد سنة من الجواز…
عزمت الحاجة سعاد العيلة كلها على الغدا.
المرة دي طلبت أكل جاهز، وجهزت السفرة قبل ما حد يوصل.
أول ما مريم دخلت…
شاورِت لها على كرسي وقالت
اقعدي.
النهارده مش هتشتغلي.
خلال الغدا…
رفعت الحاجة سعاد الكوباية.
كانت عازمة كمان العمات والخالات اللي هاجموا مريم في الجروب.
وقبل الحلو، قالت
محدش يقاطعني.
وسكت الكل.
قالت
أنا حكيتلكم القصة وقتها بطريقة ظهرتني إني الضحية.
لكن ما قلتش إني كنت بطلب من مريم فلوس.
ولا إني كنت بخليها تشتغل عندي.
ولا إني أهنتها قدامكم.
مريم ما سرقتش السلسلة.
هي أخدت حاجة كانت شاريّاها بفلوسها، بعد ما أنا استهنت بتعبها.
وأنا عايزة ده يكون واضح.
واحدة من العمات بصت في الأرض.
والتانية قالت بصوت واطي
حقك عليا يا مريم.
كملت الحاجة سعاد
مريم ما دمرتش العيلة.
هي أجبرتنا نبطل نمثل إن كل حاجة كانت كويسة.
بص أحمد لمراته وقال
وأنا غلطت لما ما دافعتش عنها.
وأضاف محمود
كلنا سكتنا وقت طويل.
كملت الحاجة سعاد
كنت فاكرة إن كوني أم يديني الحق أتحكم في ولادي، وفي الستات اللي اختاروها.
لكن ده ما كانش حب.
ده كان خوف لابس شكل سلطة.
بعد الأكل…
قربت من مريم وقالت
شكرًا إنك ما قبلتيش اللي كنت بعمله.
ردت مريم
أنا ما عملتش كده علشانك.
أنا عملته علشاني.
ابتسمت الحاجة سعاد وقالت
وبرضه… شكرًا.
واتعانقوا لأول مرة.
من غير إجبار.
ومن غير ناس واقفة مستنية مصالحة مثالية.
فهمت مريم وقتها إن وضع الحدود مش دايمًا بيدمر العيلة.
أحيانًا…
هو بيدمر بس الكذبة اللي كانت مخلية العيلة متماسكة.
وأحمد اتعلم إن حب أمه ما معناهش طاعتها في كل حاجة.
وإن الزوج الحقيقي لازم يكون شجاع…
مش محايد.
أما الحاجة سعاد…
فقدت السيطرة.
لكنها كسبت علاقة مع ولادها مبنية على الاختيار…
مش على الإحساس بالذنب.
ومريم…
ما رجعتش بس فلوسها، ولا وقتها، ولا سلسلتها الدهب.
هي رجعت صوتها.
ومن يومها…
كل ما حد يحاول يقنعها إنها تستحمل الإهانة علشان تحافظ على السلام…
كانت تفتكر الجملة اللي كتبتها في كشكولها
العيلة اللي لازم تسكتي علشان تقبلك… ما بتديكيش حب، دي بتاخد منك طاعة.
