بقلم روماني مكرم 1

ساعات كنت بسأل نفسي: هو مش حاسس باللي بيجرى لي من مراته وبنته؟ ولا أنا مش فارقة معاه زي الغريبة؟
بصيت ورايا.. كان واقف جنب صندوق الزبالة ومسحوب في إيده كيس أسود كبير.. بص لي ثانية وقال ببطء وصوت واطي:
— “بما إنك خارجة ومارّة.. خدي الكيس ده في إيدك ارميه في باسكت الزبالة اللي على أول الحارة.. معلش هعطلك.”
استغربت جداً من الطلب.. في اللحظة دي بالذات؟
بس هزيت راسي بأدب كالعادة: “حاضر يا عمي.”
قربت وأخدته منه.. كان خفيف بشكل مش طبيعي، كأنه فاضي!
هز راسه لي هزة وداع أخيرة من غير ولا كلمة زيادة، ودخل وقفل الباب من سكات.
بوابة الحديد اتقفلت ورايا برزعة قوية هزت قلبي ورجت الحارة. كانت هي دي نقطة النهاية لخمس سنين من المحايلة والمناهتة عشان “أعيش وأحافظ على بيتي”.
مشيت في الشارع.. عديت على المحلات، على القهوة اللي في الوش، على صوت أم كلثوم طالع من راديو دكان عم محمد البقال.. الدنيا ماشية ومستمرة ولا فارق مع حد، والشخص الوحيد اللي خسر خمس سنين من عمره وشبابه هو “أنا”.
قلت لنفسي مش هبص ورايا ثاني.. مش هفكر في العيش والملح اللي اتهان.. ولا في القسوة اللي شفتها.
بس بعد كام خطوة على أول الشارع، قلبي انقبض.
حسيت بحاجة غريبة.. الكيس ده مش طبيعي خالص.
وقفت على جنب وبصيت له.. خفيف زيادة عن اللزوم وما فيهوش أي ريحة ولا تقل.
الهوا كان بيطير طرطوفة طرقتي، والشارع كان هادي.. وفجأة، ومن غير ما أفكر، فتحت العقدة بتاعة الكيس.
اتسمرت مكاني والرصف لف بيا!
مفيش زبالة.. مفيش زبالة بيوت ولا أكل ولا ورق قديم!
كان فيه “ظرف بني كبير”، قديم ومتبهدل، ومغلف بشنطة بلاستيك شفافة مربوطة بعناية عشان تحميه من المية أو التراب.
إيدي بدأت تترعش وأنا بسحبه.. ودقات قلبي بقت طالعة في وداني زي الطبل!
#الكاتب_رومانى_مكرم_
فتحت البلاستيك.. وبعدين فتحت الظرف البني..
وأول ما عيني وقعت على الورق اللي جواه.. الدنيا كلها دارت بيا وأغمى عليا من المفاجأة!
الراجل الطيب الساكت اللي كنت فاكرة إنه مغلوب على أمره وضعيف طول السنين دي، سلمني “القنبلة” اللي هتهد البيت ده فوق دماغ حسن وأمه وسمر sister-in-law!
الظرف البني ما كانش فيه مجرد ورق عادي.. كان فيه طوق النجاة اللي يرجع لي حقي وكرامتي اللي اتداس عليها تحت جزمة الظلم.
