تلات سنين 3
**الجزء الخامس**
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، مكنتش شايفة قدامي غير النور الأبيض الجداري وهو بيتحول لضلمة كحل. زقيت الممرضة بكل قوتي وفتحت باب العناية المركزة ودخلت وأنا بصرخ:
– “ماااالك! متسبنيش يا مالك! أنا ملجأيش في الدنيا غيرك!”
آدم جري ورايا وهو بيزعق للدكاترة:
– “اعملوا أي حاجة! خدو روحي وأدوهاله!”
الدكتور الزعق فينا وهو بيشحن جهاز الصدمات الكهربائية:
– “اخرجوا بره! المريضة بره فورا! أنتوا كده بتموتوه!”
الممرضين سحبونا بالعافية لبره، الباب اتقفل في وشنا تاني، لكن المرة دي كنت شايفة من الإزاز الدكتور وهو بيحط جهاز الصدمات على صدر “مالك” الصغير… جسمه كان بيتنفض لفوق وينزل تاني، والمؤشر بتاع نبض القلب مدّ خط مستقيم وصوته مبيرحمش: “بيييييييييب…”
وقعت على ركبي في الأرض، حطيت إيدي على قلبي وحسيت إنه بيقف مع نبض ابني. آدم قعد جنبي، عياطه كان مرعب، كان بيخبط راسه في الحيطة وهو بيقول:
– “يارب عاقبني أنا… يارب خدني أنا وسيب الولد… أنا الذنب كله عندي.”
في الناحية الثانية من الممر، ريم كانت واقفة حاطة إيدها على بوقها، وعينيها متثبتة على شاشة النبض جوه… مكنتش بتعيط على مالك، كانت بتعيط لأن مع كل صدمة كهربائية بتترد في صدر ابني، الأمل في حياة بنتها “جنى” كان بيهرب. التفتت لأم آدم (الحاجة نوال) وقالت لها بصوت واطي ومغلول:
– “شايفة؟ شايفة غباءك وشرك وصلونا لإيه؟ لو الولد ده مات، بنتي هتموت… وأنا مش هرحمك يا نوال، هسجنك وهضيع اللي باقي من عمرك في المحاكم!”
الحاجة نوال كانت قاعدة على الكرسي، ملامحها انكمشت، والذهب اللي في إيديها اللي كانت بتتباهى بيه بقى ملوش أي قيمة. بصت للأرض بدموع ندم حقيقية لأول مرة، وقالت بصوت مكسور:
– “سامحني يا ابني… سامحيني يا سماح… أنا اللي عميت عينه وعيني.”
بعد تالت صدمة كهربائية… المؤشر على الشاشة جوه بدأ يتحرك ببطء… خطوة… خطوة… لحد ما رجع الصوت المتقطع المنتظم: “بب… بب… بب…”
الدكتور وطي على مالك، مسح عرق جيبينه، وبص لنا من ورا الإزاز وشاور بإيده بمعنى: “الحمد لله… النبض رجع.”
نفسي رجع لي تاني، ودموعي نزلت بس المرة دي دموع رجاء. آدم رفع إيده للسما وفضل يشكر ربنا وهو بينهج من كتر العياط.
الدكتور خرج بعد كام دقيقة، ملامحه كانت حاسمة ومفيش فيها أي تهاون. بص لآدم وريم وقال بنبرة جافة:
– “الطفل رجع بالمعجزة، لكن حالته حرجة جداً وفوق ما تتخيلوا. أي ضغط، أي توتر، أو أي محاولة لنقله أو أخذ عينات منه في الـ 48 ساعة الجايين… معناها حكم إعدام رسمي عليه. أظن كلامي واضح للكل… وخصوصاً للمدام اللي بتدور على مصلحة بنتها.”
ريم بلعت ريقها وبصت للدكتور بخوف، لكن الأنانية اللي جواها ممتتش. قربت مني بعد ما الدكتور مشي، وقالت بصوت واطي عشان آدم مسمعهاش:
– “ماشي يا سماح… هنسيبه الـ 48 ساعة دول يطّمنوا عليه… بس أول ما يفوق، هتمضي على ورق التبرع… وإلا وعهد الله، الورق اللي معايا اللي يثبت تزوير أمه وتهمة الشرف اللي اتمضت ضدك زمان في القسم، هطلعه… وهخلي المحاكم والنيابة تقلب حياتك وحياة ابنك لجحيم، حتى لو آدم وقف في وشي.”
بصيت في عينيها القاسية وقولت لها بمنتهى البرود والثقة اللي مكنتش أعرف إنهم جوايا:
– “أعلى ما في خيلك اركبيه يا ريم… أنا ميهمنيش لا اسم عيلة آدم، ولا تهمني أمه اللي تتسجن أو تتعدم… أنا اللي يهمني ابني وبس. ولو فكرتي تقربي منه أو تضغطي عليا… هتشوفي مني وش عمرك ما تتخيليه.”
آدم جه وقف بينا، بص لريم وقالها بلهجة نهائية:
– “ريم… لمي هدمك واخرجي بره المستشفى دي فوراً… مش عايز أشوف وشك هنا لحد ما مالك يقوم بالسلامة.”
ريم بصت لآدم بنظرة تحدي:
– “ماشي يا آدم… هسيبك دلوقتي… بس افتكر إن النتيجة بتاعة تحاليل بنتك جنى النهائية هتطلع بعد بكرة الصبح… يعني مع نهاية الـ 48 ساعة بتوع ابنك. وقتها، مش هرحم حد.”
سابتنا ومشت، وكعب جزمتها بيضرب في الأرض بقوة، وأم آدم قامت جرت وراها وهي بتحاول تستعطفها عشان م توديهاش في داهية.
الممر فِضي… مبقاش فيه غير أنا وآدم قدام غرفة العناية.
آدم قرب مني بخطوات ثقيلة، قعد على الكرسي اللي جنبي، وشه كان دبلان وعينيه منفوخة من العياط. بص للأرض وقال بصوت واطي:
– “سماح… أنا عارف إني ماليش حق أطلب منك حاجة… وعارف إن ذنبي في حقك وحق مالك كبير وميتغفرش… بس أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أصلح اللي انكسر… هكتب لمالك كل ما أملك، وهطلق ريم، وهقطع علاقتي بأمي لو عايزة… بس ارجعيلي… وخليني أبقى جنب ابني.”
بصيت له وضحكت بمرارة… ضحكة كسرت الصمت اللي في الممر كله، وقولتله الجملة اللي خلته ينزل راسه في الأرض بحسرة:
– “إنت فاكر إن الجرح اللي في قلبي يتداوى بشوية فلوس أو بورقة طلاق يا آدم؟ إنت بعتني بأرخص ثمن، ودلوقتي جاي تشتري ابني لما عرفت إنه سندك الوحيد والأمل لبنتك؟”
وقبل ما آدم يرد عليا… موبايله اللي في جيبه رن… بص على الشاشة، ووشه اتخطف تاني… الرقم كان غريب، بس لما رد، الصوت اللي جه من الطرف التاني خلاه يقف على رجليه وجسمه كله يتنفض.
آدم همس بذهول ورعب:
– “إنتِ بتقولي إيه؟! ده حصل إمتى؟!”
التفتت ليه بسرعة وأنا حاسة إن فيه مصيبة جديدة جاية في الطريق… ومكنتش عارفة إن المكالمة دي هتقلب موازين اللعبة كلها، وتكشف سر تالت ألعن من كل اللي فات!
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
**الجزء السادس (قبل الأخير)**
آدم كان واقف والموبايل على ودنه، وشه اتقلب لونه للون التراب، وإيده اللي ماسكة التليفون كانت بترتعش لدرجة إنه كان هيقع منه. الصوت اللي طالع من السماعة كان عالي ومذعور، وقدرت ألقط منه كلمات خطفت روحي: “الحقنا يا آدم بيه.. الست ريم.. بنتك جنى..”
آدم صرخ في الموبايل وعينه بتلف في الممر زي المجنون:
– “نطقِت إيه؟! جنى حصلها إيه؟! وإيه اللي وداكم المستشفى اللي في القاهرة دلوقتي؟!”
الطرف التاني رد بجملة خلت آدم ينزل إيده ببطء، والموبايل يقع منه فعلاً على الأرض وشاشته تتكسر مية حتة. بص لي وعينيه مفيهاش دموع.. كان فيها رعب حقيقي، رعب أب بيشوف بيته بيتهد بالكامل فوق راسه.
قربت منه ومسكت قميصه بعنف:
– “في إيه يا آدم؟ أنطق! ريم عملت إيه؟ وبنتها مالها؟”
آدم ساند ضهره على الحيطة وهبط على الأرض وهو بيوشوش بصوت ملوش نبرة:
– “جنى.. جنى حركتها وقفت فجأة في البيت.. الدادة كلمت ريم، وريم خدتها وجريت بيها على المستشفى الكبيرة في القاهرة.. الدكتور هناك قالهم إن الحالة اتدهورت فجأة، وإن النخاع بتاعها بدأ يقف تماماً.. ومقدامهاش غير 24 ساعة بس.. مش 48 ساعة زي ما كنا فاكرين.”
في اللحظة دي، حسيت إن الأقدار بتتشابك بشكل مرعب.. مالك ابني جوه بين الحيا والموت وممنوع يتلمس لمدة 48 ساعة، وأخته من الأب قدامها 24 ساعة بس عشان تعيش!
قبل ما أستوعب الصدمة، لقيت الحاجة نوال (حماتي السابقة) راجعة بتجري وهي بتصرخ وتلطم على وشها:
– “يا مصيبتي يا آدم! ريم اتهبلت! ريم سابتني في الشارع وركبت عربيتها زي المجنونة وقالت إنها رايحة تجيب ورق المحامي والنقابة عشان تحبسني، ورايحة للمستشفى اللي في القاهرة تجيب قوة عشان تاخد الولد مالك بالعافية! بتقول بنتي مش هتموت عشان خاطر ابن سماح!”
قمت وقفت وزي ما يكون جوايا وحش صحي.. الخوف على مالك خلاني مبقاش شايفة قدامي. بصيت لآدم وقولتله بصوت حاد وزي الموس:
– “آدم.. لو مرأتك فكرت بس تهوب ناحية الباب ده، أو تجيب حد يلمس شعرة من ابنك.. أنا هق*تلها بإيدي دي، وساعتها مش هيهمني سجن ولا موت.. سامع؟!”
آدم قام وقف، وبص لأمه بغل ملوش مثيل، وبعدين بص لي وقال وعينيه مليانة حسم وقهر:
– “محدش هيلمس مالك يا سماح.. حتى لو التمن حياة جنى! أنا ضيعت مّالك زمان وظلمتك، ومش هسمح لريم ولا لأمي ولا للدين كله إنه ييجي على ابني تاني عشان يصلح غلطة هما اللي عملوها!”
لف لوزارة أمه وزقها بعيد عنه:
– “امشي من قدامي يا أمي.. روحي لريم، خلوها تسجنك، خلوها تعمل اللي هي عايزاه.. أنا مش هحمي حد فيكم بعد النهارده.”
الحاجة نوال وقفت تبكي وتترجى فيه، لكن آدم سابها ومشى بسرعة ناحية مكتب مدير المستشفى وأمن الدور.. وقف معاهم وطلب تشديد الحراسة على غرفة العناية المركزة، ومنع دخول أي حد غيري أنا وهو شخصياً.
مرت الساعات الأولى من الليل كأنها سنين.. كنت قاعدة قدام الزجاج، باصة لمالك اللي وشه بدأ يرد فيه الدم حاجة بسيطة، وجهازه التنفسي بيتحرك بانتظام. كنت بدعي من كل قلبي: “يارب قومه بالسلامة.. يارب متختبرنيش في ضنايا.”
على الساعة تلاتة الفجر، الممر كان هادي تماماً.. وفجأة، سمعنا صوت حركة وجري بره الدور.. الأمن بتاع المستشفى كان بيحاول يمنع حد، وصوت زعاق ريم مالي المكان!
دخلت ريم الممر، بس مكنتش لوحدها.. كان معاها راجلين ملامحهم شديدة، وفي إيدها ملف أوراق كبير، وشكلها كان متبهدل تماماً وعينيها طالع منها شرار الجنون.
آدم وقف في وشها وقال بغضب:
– “إنتِ جيتِ هنا إزاي؟ والأمن سابك تدخلي ليه؟”
ريم ضحكت بهستيريا ورفعت الأوراق في وش آدم وفي وشي:
– “دخلت بالقانون يا آدم بيه! الورق ده مش بس التزوير بتاع أمتك.. الورق ده فيه إقرار رسمي وتنازل عن الولد كنت أنت ماضي عليه زمان لما طردت سماح، ومكتوب فيه إنك مش معترف بالولد ده لو طلع في يوم من الأيام! أنا رفعت دعوى مستعجلة وبلاغ للنيابة اطلعت فيه إن الطفل ده في حالة خطر وإن أمه وأبوه بيرفضوا ينقذوا أخته.. والدكتور اللي معايا ده استشاري من وزارة الصحة وجايب أمر بمعاينة حالة الطفل مالك عشان نشوف ينفع يتنقل ولا لأ!”
الاستشاري اللي معاها قرب ببرود وقال لآدم:
– “يا فندم، إحنا هنا بقرار رسمي لمعاينة حالة الطفل.. لو حالته تسمح بنقل خلايا جذعية بدون خطر على حياته، القانون والمحكمة الإنسانية بتلزمكم بإنقاذ الطفلة اللي بتموت في القاهرة.”
أنا وقفت قدام باب العناية، وسندت ضهري عليه، وقولت بصوت زلزل الممر:
– “على جثتي! محدش هيدخل هنا!”
ريم قربت مني وعينيها مليانة غل وقالت بوشوشة مرعبة:
– “لو مدخلناش يا سماح.. الورق ده هيروح للنيابة حالا.. وأم آدم هتتسجن الصبح، وأنتِ وابنك هتبقوا على كل لسان في المحاكم بتهمة التواطؤ والشرف.. اختاري.. حياة بنتي، ولا فضيحتكم وسجن حماتك؟”
في اللحظة دي.. ومن جوه غرفة العناية.. سمعنا صوت جهاز الإنذار بتاع مالك بيصفر تاني.. بس المرة دي الصفرة مكنتش بتاعت توقف قلب.. دي كانت صفرة تانية خالص!
الدكتور خرج يجري من غرفته، وبص على الشاشة جوه، وشه اتخطف وبص لنا كلنا وقال صدمة قلبت موازين كل اللي واقفين:
– “الحقوا! الطفل مالك فاق.. وبيتكلم.. بس في حاجة مش طبيعية بتحصل في جسمه!”
ريم زقتها وقالت: “يعني فاق؟ ينفع ناخد منه؟”
لكن الدكتور صرخ في وشها وجملته الجاية كانت القنبلة اللي مكنش حد يتوقعها أبداً، والسر الأخير اللي هيتضح في الجزء الجاي!
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
**الجزء السابع والأخير**
الدكتور صرخ في وش ريم بقوة، ونبرة صوته كانت حاسمة لدرجة جمدت الدم في عروق الكل:
– “تاخدي إيه يا مدام؟! الولد جسمه بيرفض الصدمة، وعنده استجابة جينية غريبة جداً.. وسعوا من قدامي!”
الدكتور دخل العناية بسرعة، وأنا زقيت ريم والاستشاري اللي معاها، ووقفت لزق في الإزاز. مالك ابني كان فاتح عينيه الصغيرين، بيبص حواليه بتعب، وشفايفه بتتحرك بالراحة وبيقول: “ماما..”
دموعي نزلت زي المطر، لكن في نفس اللحظة، الدكتور كان بيبص على جهاز قياس مكونات الدم والجينات اللي متوصل بمالك، وشه كان فيه علامات ذهول مش طبيعية. لِف وبص للاستشاري اللي واقف بره مع ريم، وفتح الباب نص فتحة وقال بصوت مسموع:
– “يا دكتور.. تعالى شوف التقرير الجيني اللحظي ده.. الطفل مالك مفيش في جسمه الطفرة الجينية النادرة اللي عند البنت جنى! فصيلته (O-) اه.. لكن الجينات المتوافقة مع الأب والأم مختلفة تماماً عن طفلة القاهرة!”
ريم برقت عينيها بذهول وصدمة:
– “إنت بتقول إيه يا دكتور؟! يعني إيه مش متوافق؟ إنت مش قولت إن الأخ من الأب هو الأمل الوحيد؟!”
الدكتور الاستشاري اللي كان جاي مع ريم قرب، وبص في الأوراق والشاشة، وهز راسه بأسف وهو بيبص لريم:
– “المدام فهمت كلامي زمان غلط.. أو من كتر الرعب جرت ورا أي أمل وخلاص.. يا مدام، الطفرة اللي عند بنتك جنى طفرة متنحية.. عشان تظهر وتسبب المرض ده، لازم تكون موروثة من الأب **والأم** مع بعض! يعني المشكلة مش من آدم لوحده.. المشكلة في ‘التوافق الجيني’ بينك أنتِ وآدم بالذات، لأنكم قرايب (أولاد خالة)! مالك ابن سماح، وسماح غريبة عن آدم، عشان كده الولد جيناته سليمة ومعندوش الطفرة دي، وبالتالي.. نخاعه مش هيكون متوافق مع بنتك بنسبة مية في المية.. يعني حتى لو خدتوا منه، جسم بنتك هيرفضه فورا!”
الكلام نزل على ريم زي الحيطة اللي اتهدت فوق دماغها. رجعت لورا خطوة ورا خطوة، الملف والأوراق وقعوا من إيدها واتبعثروا على الأرض. بدأت تضحك وتبكي في نفس الوقت بهستيريا:
– “يعني إيه؟ يعني المرض من جهتي أنا وآدم عشان قرايب؟ يعني مالك مش هو الحل؟ بنتي بتموت.. بنتي بتموت يا آدم!”
آدم بص لريم، وبص للأرض بكسرة ونفس مسدودة، واكتشف في اللحظة دي حكمة ربنا العظيمة.. ربنا حمى مالك من أنانية ريم وشرها، وخلى النجاة مش بإيد البشر اللي ظلموا وخانوا.
آدم قرب من ريم، وبمنتهى الهدوء اللي بيسبق العاصفة قالها:
– “الورق اللي في الأرض ده لميه.. وروحي بيه للنيابة، واسجني أمي، وافضحيني وفضحي نفسك.. أنا مبقاش يهمني أي حاجة في الدنيا غير ابني اللي جوه ده.. وبنتك اللي بتموت في القاهرة، ده ذنب الغلبانة دي (وشاور عليا) اللي ربنا بيخلّصه مننا في أعز ما نملك.. روحي يا ريم.. إنتِ طالق.”
ريم صرخت صرخة مكتومة، ولمت ورقها وجريت في الممر زي المجنونة وهي بتبكي على بنتها اللي وقتها كان بينفد، وأم آدم قعدت على الأرض وهي بتعيط وتستغفر، حاسة إن ذنب السنين كله اترد لها في عيالها وفي بيتها اللي اتخرب.
مرت الـ 48 ساعة، ومالك ابني حالته استقرت تماماً، وبقى يتنفس طبيعي، والدكاترة طمنوني إن قلبه الصغير بقى سليم وهيتحسن يوم بعد يوم.
في اليوم الثالث، كنت قاعدة جنبه في الأوضة العادية، وماسكة إيده وبأكله بلقمة صغيرة وهو بيضحك لي.. الضحكة اللي ردت فيا الروح بعد سنين العذاب.
الباب خبط، ودخل آدم.. كان شايل شنطة صغيرة، وشه كان دبلان، وعينيه ماليانة ندم ملوش آخر. وقف عند الباب ومقربش، وبص لمالك بحب وقهرة، وبعدين بص لي وقال بصوت واطي:
– “أنا جاي أطّمن عليه بس.. وجايب لك دول.”
حط على التربيزة ملف كبير، وفتح بقه وقال:
– “ده التنازل الرسمي، وشهادة ميلاد مالك باسمي وباسمك عشان حقوقه، ومعاهم عقد الشقة الكبيرة باسم مالك، ونص ثروتي في البنك اتنقلت لحسابه الصبح.. أنا مش بشتري ذنبي يا سماح.. أنا بس بعّدِل المايل، وبديله حقه اللي حرمته منه.”
بصيت للملف وبصيت لآدم، وقولتله بهدوء وثقة:
– “الفلوس والشقة حق ابني وهياخدهم.. لكن وجودك في حياتنا انتهى يا آدم.. ربنا أظهر براءتي ونصرني قدامك وقدام أمتك، وده كفاياني من الدنيا.. روح ربي بنتك وشوف علاجها، وادعي ربنا يسامحك على اللي عملتوه فيا.”
آدم دمع، وهز راسه بالموافقة كأنه راضي بالحكم والعقاب.. لف وضهره ومشى، وهو عارف إنه خسر أكتر حاجة كان ممكن تخليه سعيد في الدنيا.. خسر مرأته المخلصة وابنه البكر.
التفتت لمالك، خادته في حضني وشميت ريحته.. وحمدت ربنا من كل قلبي.
**الحكمة الكبيرة اللي خرجت بيها من كل السنين دي:**
إن السهم اللي بتطلقه بالظلم على غافل، ربنا بيلفه في الدنيا ويرجعه يصيبك في أعز ما تملك.. وإن دوام الحال من المحال، والظالم مهما طال عمره وزاد جيروته، بيكتشف في النهاية إنه كان بيبني قصره على رمل.. أما المظلوم، فصبره ويقينه برب العباد هما الحصن اللي بينجيه وبيقومه بالسلامة، ولو بعد حين.
**تمت**

