انتقام زوجه 3 حكايات علي ابو الدهب
الجزء الثالث والاخير
كان كامل الشناوي خارج وشه أبيض زي الأموات، ماسك في دراع مراته إجلال اللي كانت بتترعش وعقد الألماظ بتاعها اتقطع في إيدها ووقع على الأرض وهي مش حاسة. الصحفيين هجموا عليهم بالأسئلة والموبايلات بتصور الفضيحة لايف. طارق كان بيصرخ في أبوه: “أنت؟! أنت يا بابا؟! مرات ابني؟! عيالي أنا يبقوا إخواتي؟!.”
الشارع كله اتقلب، والإمبراطورية اللي اتبنت على حس الشرف والاسم والفلوس، اتهدت في أقل من دقيقة تحت رجلين الناس.
فتحت زجاج العربية، وبصيت عليهم وهم بيركبوا العربيات والبوليس بدأ يتدخل عشان يفض الخناقة اللي بدأت تقلب بدم بين طارق وأبوه في وسط الشارع.
طلعت تليفوني، وبعت رسالة قصيرة لرقم طارق، ورقم كامل، ورقم إجلال في نفس الوقت:
“الورق اللي مضيت عليه كان بيقول: انفصال تام عن أي ق*ضية تخص العيلة حالياً أو مستقبلاً.. أنا نفذت بعهدي وماتدخلتش، أنتوا اللي دمرتوا نفسكم بنفسكم. مبروك التوأم يا عيلة الشناوي.”
رميت خط التليفون من الشباك، وقلت للسواق: “اطلع على المطار.”
بصيت لنهر النيل للمرة الأخيرة، ومكنش بارد المرة دي.. كان بيجري، وبيغسل وراه كل القذارة اللي عشت فيها سنين
الممر المؤدي للطيارة كان طويل، ومكيف الهواء بيطلع برودة فكرتني ببرود أوضة الاجتماعات في الدور الـ 48. بس الفرق المرة دي إن البرودة مكنتش بتجمد أطرافي، كانت بتفوقني. ركبت طيارتي، قعدت في مكاني بكرسي الدرجة الأولى، وربطت الحزام وأنا ببص من الشباك على أنوار القاهرة اللي بدأت تصغر وتتحول لنقط مضيئة وسط الضلمة.
فتحت اللاب توب بتاعي وشغلت شبكة الواي فاي بتاعة الطيارة. الساعة كانت داخلة على 2 بالليل بتوقيت القاهرة. الدستة بتاعة الإيميلات والرسائل اللي عمالة تنزل على شاشتي كانت شبه شلال ملوش آخر. المحامين بتوعي في مصر، ورجال البورصة اللي كلفتهم بملف “الشناوي” من شهور، كانوا باعتين تقارير لحظية. الكل مستني ضربة البداية الصبح الساعة 10 مع افتتاح جلسة التداول.
زلزال في البورصة.. وانهيار “الملك”
نزلت في مطار هيثرو في لندن الساعة 6 الصبح. الشوارع كانت مغطاة بضباب خفيف، والجو كان ساقع ومطر خفيف بيخبط على قزاز العربية المرسيدس اللي كانت مستنياني. طلعت على شقتي الجديدة في منطقة “مايفير” (Mayfair)، الشقة اللي اشتريتها بعيد عن عيون أي حد يعرفني. مكنتش عايزة أرتاح، دخلت المكتب بتاعي علطول وشغلت الشاشات لمتابعة البورصة المصرية.
الساعة جابت 10 الصبح.
اللي حصل مكنش مجرد هبوط لأسهم “مجموعة الشناوي”.. ده كان انتحار جماعي للمستثمرين.
الصحافة الفضائحية والاقتصادية في مصر والعالم العربي منمتش طول الليل. العناوين كانت بتصرخ:
”فضيحة القرن في مجتمع المال والأعمال: عائلة الشناوي تنقسم على نفسها بسبب إثبات نسب التوأم!”
“القبض على سليل عائلة الشناوي بتهمة الشروع في ق*تل زوجته.. ونقل الإمبراطور الأب للمستشفى في حالة حرجة”
المستثمرين الأجانب وصناديق الاستثمار الخليجية اللي كانت ضاخة مليارات في مشروعات الشناوي العقارية الجديدة في العاصمة الإدارية والساحل الشمالي جالهم حالة ذعر. الأخلاق والسمعة في عالم البيزنس مش رفاهية، دي أرقام وضمانات. ومع أول دقيقة، انهار السهم بنسبة 10% (الحد الأقصى للهبوط في الجلسة الواحدة)، واختفت طلبات الشراء تماماً، وبقى الكل عايز يبيع بأي تمن عشان يهرب بجلده.
هنا بدأ دوري أنا.
تواصلت مع “زياد”، المستشار المالي بتاعي في القاهرة، وقلت له بنبرة حاسمة: “بدأنا يا زياد؟”
صوته كان متحمس وفيه ضحكة مكتومة: “علا هانم، المجموعة بتنـزف. البنوك بدأت تبعت إنذارات بوقف التسهيلات الائتمانية، وكامل الشناوي في غيبوبة في المستشفى، وطارق محبوس 4 أيام على ذمة التحقيق وممنوع من التواصل مع حد. الأسهم معروضة بتراب الفلوس ومفيش حد بيمد إيده يشتري.”
قلت له ببرود: “اشتري يا زياد. بس مش باسمي. استخدم الشركات الصورية الثلاثة اللي أسسناهم في قبرص وجزر الكايمان. عايزة ألم كل سهم بيترمي في السوق، وعايزة عيونك على حصة (إجلال الشناوي) بالذات، الست دي مش هتستحمل الضغط، وهتبيع حصتها الشخصية عشان تدفع كفالة ابنها وتغطي مصاريف المستشفيات والديون العاجلة.”
مكالمة من قاع الجحيم
بعد يومين كاملين من الحرب الصامتة وراء الشاشات، وإمبراطورية الشناوي بتفقد أكتر من 40% من قيمتها السوقية، تليفوني الخاص -اللي ميعرفهوش غير ناس قليلين جداً- رن.
الرقم كان مصري، بس مش متسجل. فتحت الخط ومطقتش بولا كلمة. سمعت صوت أنفاس مكتومة، مهزوزة، وصوت بكا خفيف.
صوت طارق.
يبدو إنه خرج بكفالة أو المحامي بتاعه عرف يوصل له تليفون وهو في النيابة. صوته كان مكسور، مفيش فيه أي أثر للغرور أو النبرة الهادية اللي كان بيكلمني بيها في أوضة الاجتماعات.
قال بصوت مبحوح: “علا… أنتي اللي عملتي كده؟”
رديت عليه بمنتهى الهدوء، وأنا برشف من فنجان القهوة بتاعي: “أنا عملت إيه يا طارق؟ أنا مسكت القلم الدهب بتاع مامتك ومضيت على ورقكم، وأخدت فلوسي واختفيت زي ما طلبتوا بالظبط. مش ده الاتفاق؟”
طارق صرخ بقهر وبكاء هستيري: “أنتي كنتي عارفة! كنتي عارفة إن أبويا… إن أبويا وشيرين… كنتي عارفة ومقلتليش! سبتيني أعيش في الوهم ده، سبتيني أطلقك وأخسر البني آدمة الوحيدة اللي حبتني عشان خاطر عيال… عيال طلعوا إخواتي يا علا! إخواتي من أبويا!”
قاطعت صراخه بنبرة حادة وباردة زي الموس: “ولما كنت عارف إنك مابتخلفش، وسايب أمك تتهمني في شرفي وفي أنوثتي 8 سنين، وتجرجرني من مستشفى لمستشفى وتحقني بهرمونات بوظت جسمي ونفسيتي، وأنت قاعد بتتفرج عليا وبتحمى رجولتك المزيفة.. كنت حاسس بإيه يا طارق؟ لما كنت بتخوني مع شيرين في الشاليه بتاعي، وجاي تقولي مش عايز أخسرك، كنت حاسس بإيه؟”
سكت، مكنش عنده رد غير شهقات البكا.
كملت كلامي: “أنا مقلتلكش عشان كنت عايزاك تاخد المكافأة اللي تستحقها. أنت وأبوك وأمك. أنتوا عيلة مابتعرفش تعيش غير بالمنظرة الكدابة، وأنا كل اللي عملته إني شلت الستارة.. والناس شافت حقيقتكم العريانة.”
طارق قال بنبرة تهديد ضعيفة ويائسة: “أنا مش هسيبك يا علا.. المحامين بتوعنا هيثبتوا إنك أنتي اللي سربتي التحاليل والتقارير الطبية، وهسجنك بتهمة انتهاك الخصوصية والتشهير.”
ضحكت بصوت عالي، ضحكة خلت صوته يختفي تماماً: “ورق الطلاق يا حبيبي.. البند اللي مامتك حطته بإيدها عشان تحموا نفسكم، كان بيقول: انفصال تام ومطلق عن أي موضوع أو ق*ضية تخص عائلة الشناوي حالياً أو مستقبلاً. يعني قانوناً، أنا ماليش أي صلة بيكم ولا باللي بيحصلكم. وشريف، صاحبك اللي خانك زي ما أنت خنته، عمل التحاليل دي بناءً على طلب رسمي منك أنت عشان ورق السفارة، والتسريب طلع من المعامل المركزية مش مني. خبط راسك في أجدع حيطة يا طارق.. وقفلت السكة في وشه.”
المواجهة الأخيرة في عقر دارهم
مرت 6 شهور كاملين.
الأوضاع اتقلبت تماماً. كامل الشناوي خرج من العناية المركزة بس أصيب بشلل نصفي وجلطة أفقدته النطق، وبقى عايش في قصر الزمالك شبه ج/ثة هامدة متوصلة بأجهزة. طارق اتحكم عليه بسنة مع إيقاف التنفيذ بتهمة الاعتداء، بس خسر كل قضاياه ضد شيرين اللي رفعت عليه ق*ضية خلع، وأثبتت نسب التوأم لكامل الشناوي، وطالبت بحق أولادها في ورث الإمبراطور الأب!
أما “مجموعة الشناوي”، فكانت على وشك الإشهار الرسمي للإفلاس والبيع الجبري لتسديد ديون البنوك.
في صباح يوم دافي من شهر مايو، رجعت مصر.
بس المرة دي، منزلتش من طيارة عادية، نزلت بطيارة خاصة، وكنت لابسة فستان أسود كلاسيك ونظارة شمس سوداء. العربية اتحركت بيا علطول لـ “برج الشناوي” في وسط البلد.
دخلت البرج. الموظفين اللي كانوا شغالين هناك كانوا ماشيين ووشوشهم باهتة والمكان شبه مهجور بعد تسريح نص العمالة. ركبت الأسانسير للدور الـ 48.
أول ما دخلت قاعة الاجتماعات الفخمة، ملقيتش خشب الجوز المتلمع زي زمان، المكان كان عليه تراب خفيف، وقاعد في آخر الترابيزة إجلال الشناوي وطارق.
إجلال كانت خاسة النص، شعرها الرمادي مبقاش متظبط، ولابسة هدوم عادية ومفيش في رقبتها عقد الألماظ. وطارق كان دقنه طويلة وعينه فيها نظرة انكسار مرعبة، كأنه عايش في كابوس مش بيصحى منه.
دخلت، وبكل ثقة قعدت على الكرسي الرئيسي اللي كان بيقعد عليه كامل الشناوي زمان.
إجلال بصت لي وعينها مليانة غل وقالت بصوت مرتعش: “أنتي؟! أنتي رئيسة مجموعة (فينيكس للتشغيل والاستثمار) اللي اشترت 51% من أسهم شركتنا؟”
شلت النظارة الشمس، وبصيت في عينها مباشرة: “أه أنا يا إجلال هانم. الفينيكس.. الطائر اللي بيصحي من وسط الرماد. مش أنتي اللي قلتي لي بالفلوس دي تقدري تبدأي حياتك في المكان اللي يعجبك؟ أنا حياتي عجبتني هنا.. في مكانكم.”
طارق وقف من مكانه، وبص لي بذهول: “علا.. أنتي اشتريتي شركاتنا؟”
طلعت ملف تقيل من شنطتي، وزقيته على الترابيزة، بنفس الطريقة اللي إجلال زقت بيها الشنطة زمان، وقلت لهم:
“الملف ده فيه كل عقود شراء ديونكم من البنوك، وحصص المساهمين اللي باعوا. من اللحظة دي، اسم الشناوي هيتشال من على البرج ده، وهيتكتب عليه اسمي أنا. أنتوا معندكمش أي سلطة هنا، ولا ليكم مكتب، ولا ليكم حصة في الأرباح. القصر اللي قاعدين فيه في الزمالك مرهون للشركة بتاعتي، وأنا هسيبكم قاعدين فيه بس عشان تشوفوا كامل الشناوي وهو بيموت بالبطيء وهو عارف إن كل شقا عمره بقى ملك البنت اللي طردتوها عشان مابتخلفش.”
إجلال بدأت تعيط بنحيب مسموع، مسكت إيد طارق وهي بتقول: “حرام عليكي.. أنتي معندكيش قلب؟ احنا عيلة واتدمرت خلاص، سيبينا في حالنا.”
وقفت، عدلت فستاني، وبصيت عليهم من فوق لتحت: “أنا كان عندي قلب، وأنتوا دوستوا عليه برجليكم. أنتوا اللي علمتوني إن كل حاجة ليها سعر بالمسطرة والقلم.. وأنا جيت ودفعت السعر، واشتريت كرامتي.. واشتريتكم كمان.”
سبتهم في الأوضة، وخرجت. المرة دي وأنا ماشية في الممر، كنت بسمع صوت خطواتي وهي بتعلن نهاية عصر “الشناوي”، وبداية عصري أنا. بصيت من الواجهة الزجاج الكبيرة على نهر النيل.. المرة دي مكنش بارد، كان بيلمع بدهب الشمس، وكأنه بيبتسم لي.
