غيره اخت جوزي حكايات علي ابو الدهب 2

الجزء الثاني والأخير: الصدمة التي هزت العائلة

​أول ما فتحت عيني، لقيت السقف الأبيض بيلف بيا، وريحة المستشفى النفاذة ملية المكان. حاولت أتحرك، بس حسيت بوجع رهيب في أسفل بطني كأن في سكاكين بتقطع فيا. حطيت إيدي تلقائياً على بطني وأنا بصرخ بدموع: “بنتي! فريدة فين يا طارق؟!”

​طارق كان قاعد على الكرسي اللي جنب السرير، دبلان ووشه شاحب، وعينيه حمرا من كتر البكاء. أول ما سمع صوتي، قام بسرعة ومسك إيدي اللي كانت لسه دافية بالعافية، وباسها وهو بيعيط: “فريدة بخير يا مريم.. فريدة في الحضّانة، اتولدت بدري بس الحمد لله عايشة وبتتنفس.”

​نفسي هدي شوية، بس ملامح طارق مكنتش ملامح أب فرحان بمولوده؛ كان فيه نظرة رعب وكسرة عمري ما شفتها فيه. في اللحظة دي، دخل دكتور النسا والتوليد، ومعاه دكتورة تانية من قسم الطوارئ. الدكتور بص لطارق وقال بنبرة حاسمة وجادة:

“مدام مريم فوقت يا أستاذ طارق.. ودلوقتي لازم نتكلم في التقرير الطبي اللي هيروح للنيابة.”

​كلمة “النيابة” نزلت عليا زي الصاعقة. بصيت لطارق ولقيته وطى راسه في الأرض وعياطه زاد. الدكتور قرب مني وقال: “الحمد لله إننا لحقناكي في آخر لحظة يا مدام مريم. النزيف اللي حصلك مكنش مجرد صدمة من البرد.. البرد والانخفاض الحاد في حرارة جسمك سببوا انقباضات مفاجئة وعنيفة في الرحم أدت لانفصال جزئي في المشيمة، وده اللي عمل النزيف.”

​سكت الدكتور لثانية، وبص لطارق بنظرة لوم قاسية قبل ما يكمل: “بس مش ده كل حاجة.. لما عملنا الفحوصات والتحاليل الشاملة عشان نشوف سبب الهبوط الحاد المفاجئ قبل ما تدخلي البلكونة، كشفنا حاجة أخطر بكتير. مدام مريم بقالها أسابيع بـتـتـسـمـم ببطء!”

​الحقيقة المُرّة

​وقعت الكلمة عليا وعلي طارق كأنها قنبلة. تسمم؟! أنا؟!

الدكتور طلع تقرير المعمل وقال: “التحاليل أثبتت وجود نسب عالية جداً من مادة دوائية بتسبب سيولة الدم وإجهاض، المادة دي بتُستخدم بحذر شديد وفي حالات ضيقة، ومستحيل تكوني أخدتيها بالخطأ لأنها ملهاش طعم ومبتظهرش إلا بتحليل سموم خاص. المادة دي كانت بتتفوتلك في الأكل أو الشرب بشكل منتظم بقالها شهر، وهي السبب في الوجع والتقل اللي كنتي بتحسي بيه دايماً، والوقفة في البرد كانت مجرد القشة اللي قطمت ظهر البعير وسرعت بالانفصال والنزيف.”

​في اللحظة دي، انهار طارق تماماً وقعد على ركبه في الأرض وهو بيخبط على راسه ويقول: “أنا السبب.. أنا اللي كنت بجيب لها العصير.. أنا اللي كنت بقولها اشربي عشان تغذي البنت!”

​فهمت كل حاجة في ثانية. منة! منة اللي كانت دايماً تدخل ورايا المطبخ، منة اللي كانت بتصر تعملي عصير فريش وتقولي “عشان البيبي” بابتسامة صفرا مكنتش بفهم معناها، منة اللي مكنتش عايزاني أخلف عشان خايفة إن طارق ينسى عيلته ويركز في بيته الجديد!

​الدكتور بص لطارق وقال: “المستشفى بلغت الشرطة بمجرد ظهور نتيجة التحاليل لأن دي جناية شروع في قتل وتسميم عمد، والبوليس برا مستني إشارتكم.”

​المواجهة الكبرى

​في الممر برا الأوضة، كانت عيلة طارق كلها واقفة. حماتي رشا بتعيط وتندب، وحمايا واقف مصدوم، ومنة قاعدة في الركن بتترعش وزي الأموات بعد ما عرفت إن المستشفى طلبت تحليل سموم لمريم.

​الباب اتفتح وخرج طارق. مكنش طارق اللي نعرفه.. مكنش الزوج الهادي اللي بيقول “معلش دي أختي وكبري دماغك”. كان وحش ثاير.

​قرب من أخته “منة” وبص في عينيها. منة حاولت تتكلم بصوت مرعوب: “طارق.. والله أنا مكنتش أظن إن شوية البرد هيعملوا فيها كده.. أنا كنت بهزر معـ…”

​قبل ما تكمل جملتها، طارق صرخ فيها بصوت هز جدران المستشفى كلها: “برررد إيييييه؟! وشوية هزار إيييه؟! التحاليل طلعت يا منة! التسمم اللي في دم مراتي ده إيه؟! الدوا اللي كنتي بتحطيه في العصير والشوربة بقالك شهر عشان تسقطيها ده إيه؟!”

​حماتي شهقت وصوتها انقطع، وحمايا رجع لورا خطوتين وهو بيخبط على صدره من الصدمة: “بنتي أنا تعمل كده؟! تسممي ابن أخوكي يا منة؟!”

​منة وشها اتقلب ألوان، وحاولت تنكر وتصرخ: “كذب! مريم بتتبلى عليا! هي اللي عايزة تخرب بيتنا وتاخدك مننا!”

​طارق طلع تليفونه وبصوت مليان قرف ونبرة حاسمة مفيهاش أي مجال للرجوع قال: “أنا عمري ما هصدقك تاني.. السنين اللي فاتت كلها كنت باجي على مراتي وبظلمها عشان أشتري خاطرك وخاطر أمي، وأقول أختي الكبيرة وطبعها حامي. لكن توصلي لدرجة إنك تقتلي بنتي وتسممي مراتي؟! أنتي مش أختي.. أنتي شيطانة!”

​الحساب والعوض

​في نفس اللحظة، طارق شاور لضباط المباحث اللي كانوا واقفين في آخر الممر. قربوا من منة وكلبشوا إيديها وسط صراخها وعياط حماتي اللي كانت بترجى طارق يتنازل: “بوس إيدك يا ابني.. أختك هتضيع.. بلاش الفضيحة وسجن أختك!”

​لكن طارق أخد خطوة لورا، ومسك إيد أبوه وقال بدموع: “يا أمي.. أختي هي اللي ضيعت نفسها. لو اتقدمت خطوة واحدة عشان تدافعي عنها، اعتبري إن مالكيش ابن اسمه طارق بيوم الدين. مراتي وبنتي كانوا هيموتوا بسبب غلها، وأنا مش هبيع آيرتي عشان خاطر مجرمة.”

​اتسحبت منة للبوكس وهي بتصرخ وتلعن، وحمايا أخد حماتي ومشي وهو مش قادر يبص في وش طارق من الخجل والعار اللي أخته سبتهملهم.

​بعد أسبوعين..

خرجت من المستشفى وأنا شايلة بنتي “فريدة” في حضني، طارق مسبنيش ولا ثانية، كان بيخدمنا ودموعه في عينيه كل ما يبص لفريدة وهي بتتنفس في حضننا. طارق قطع علاقته بأخته تماماً، ورفض كل الضغوط للتنازل، والقضية مشيت في مجراها القانوني وبقت منة ورا القضبان بتدفع ثمن غلها وظلمها.

​بصيت لطارق وهو بيبوس راس بنتنا وبيقولي: “سامحيني يا مريم.. كان لازم أفوق من زمان، بس وعد مني.. عمري ما هسمح لمخلوق يمس شعرة منك ومن بنتنا تاني.”

ابتسمت وأنا حاسة لأول مرة بالأمان، وعرفت إن ربنا مبيضيعش حق المظلوم، وإن الشدة دي هي اللي غربلت حياتنا وخرجت منها السموم للأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *