الشهر العقاري ٢

مرت الأيام بعد الحادثة دي وكأنها سنين. إسماعيل الغرباوي خد جزاءه، والقضية القديمة والجديدة لبسته وراحت كل فلوسه ونفوذه في تهم تزوير ونهب أموال قُصّر.

​أما أحمد، فكانت صدمته في نفسه وفي الدنيا أكبر من أي عقاب. عرف الحقيقة كاملة؛ عرف إن الراجل اللي كان هيبيع أمه عشانه، ما هو إلا شخص كان عاوز يدمره ويدمر الست اللي شقيت عليه. قعد في بيته، قافل على نفسه، كاريمان مراته لما لقت المركب بتغرق ومفيش فلوس ولا ورث ولا فيلا زي ما أحمد كان واعدها، لمت هدومها وخدت العيال وسابت له البيت ورجعت لبيت أهلها.

​في يوم، كنت قاعدة في الحوش تحت شجرة الليمون، المغربية بتهل، وريحة الشاي بالنعناع مالية المكان. لقيت الباب بيتفتح براحة، وأحمد داخل.. وشه كان دبلان، وخاسس النص، ودقنه طويلة.

​وقف بعيد، مش قادر يقرب من الكنبة اللي أنا قاعدة عليها، وبص في الأرض وقال بصوت مخنوق:

— تسمحيلي أدخل يا أمي؟ أنا عارف إن ماليش عين، وعارف إن كلمة “أمي” دي كتير عليا بعد اللي عملته.. بس أنا ملقتش مكان في الدنيا يبلعني غير هنا.

​بصيت له، وقلب الأم اللي اتعود يسامح ويشيل الهم تحرك في صدري، بس افتكرت إن المرادي لازم أكون قوية عشان مصلحته هو، عشان يتعلم يبقى راجل بجد.

قمت وقفت، ورحت ناحية المطبخ، وجبت كوباية شاي وحطيتها قدامه على الترابيزة وقلت له بنبرة هادية بس ناشفة:

— البيت بيتك يا أحمد.. بس بيت زينات المنصوري مفيش فيه قعاد من غير شغل. إنت مهندس، شهادتك في جيبك، انزل ودور على شغل، واقضِ الديون اللي عليك طوبة طوبة ومن عرق جبينك.

​أحمد رفع عينه ليا، والدموع نزلت من عينه زي الشلال، وجري على إيدي يبوسها:

— وهتسامحيني يا أمي؟ هترضي عني؟

​قلت له وأنا بطبطب على كتفه بالراحة:

— لما أشوف أحمد الصغير اللي ربيته رجع تاني.. ساعتها بس هتعرف إني سامحتك.

​مرت سنة كاملة..

أحمد فعلاً اتقدم لوظيفة في شركة مقاولات صغيرة في طنطا، وبدأ براتب بسيط، وكان بيقسمه بين مصاريف عياله، وبين سداد الديون اللي كانت عليه للناس. اتعلم يعني إيه قرش حلال، وعرف إن الست اللي كانت بتبيع كشري وحلبسة عشان تعلمه، كانت بتديله درس في الشرف، هو اللي كان أعمى ومش شايفه.

​وفي يوم جمعة، والبيت كله متجمع.. أحمد رجع وجايب معاه كاريمان والعيال بعد ما صلح حاله وحالها، وعملنا لمتنا الكبيرة في الحوش.

​وفجأة الباب خبط، ودخلت (نهى) بنت أخو إبراهيم الله يرحمه، الموظفة الشجاعة اللي أنقذتني. كانت جايبة معاها لفة ورق جديدة، بس المرة دي الابتسامة كانت مالية وشها.

​قالت وهي بتسلم عليا وبتبوس راسي:

— أهلاً يا ست الكل.. وحشتيني يا حاجة زينات.

قلت لها: “أهلاً يا بنتي، نورتي البيت.. خير يا نهى، الدوسيهات دي مش ناوية تخلص؟” ضحكنا كلنا.

​نهى طلعت عقد جديد وحطته قدامي وقالت:

— لأ يا حاجة، المرة دي ورق يفرح. أحمد جالي الشهر العقاري من أسبوع، وطلب مني أعمل الإجراء ده بنفسي.. أحمد اتنازل عن كل نصيبه الشرعي والورث في البيت ده وفي أي حاجة تخص عمي إبراهيم، وكتبه بيع وشراء قطعي ليكي إنتي وباسمك لوحدك، وعمل بند “حق رعاية كامل” ليكي طول العمر، وميقدرش هو أو أولاده يتصرفوا في طوبة منه إلا بإذنك.

​بصيت لأحمد، لقيت وشه منور، وابتسامته حقيقية ومفيش فيها أي توتر. قرب مني وباس راسي وقال:

— ده أقل حاجة أرد بيها جزء من حقك عليا يا أمي.. البيت ده بتاعك إنتي وبس، وإحنا ضيوف عندك.

​في اللحظة دي، حسيت إن روحي ردت فيا، وإن شجرة الليمون طرحت بجد. بصيت للسما ودعيت لإبراهيم بالرحمة، وحمدت ربنا إن الحق رجع لأصحابه.. وإن قلب الأم، رغم إنه بيعمي ساعات من كتر الحب، بس في الآخر دايماً بيبصر بالحق

 

وتعدت السنين، وبقى البيت الأخضر ده مزار للعيلة كلها. أحمد ربنا كرمه في شغله وترقى وبقى مهندس قد الدنيا، بس المرة دي بفلوس حلال وعرق جبين، وكاريمان مراته اعدل حالها لما شافت إن المركب اللي بتمشي بالحق مابتغرقش، وبقت تيجي تقعد تحت رجلي وتساعدني في عمايل الأكل وتغزل معايا صوف للعيال في الشتا.

​وفي يوم، وأنا قاعدة في نفس الحوش والمسك والنعناع ماليين الجو، لقيت حفيدتي الصغيرة “زينات” — أحمد سماها على اسمي — جاية بتجري وفي إيدها ورقة صغيرة طارت من وسط كتاب قديم بتاع جدها إبراهيم.

​جت قعدت في حجري وقالتلي:

— تيتا.. بصي الورقة دي عليها خط جدو إبراهيم، بس الكلام غريب مش فاهماه!

​خدت منها الورقة، ونضارة القراية على عيني، ولقيت مكتوب فيها كلمتين اتنين بس، وتحتهم تاريخ قديم قوي من يوم ما أحمد اتولد:

​”الدم مبيبقاش مية يا زينات، واللي ربيته بإيدك وبحلالك، لو تاه في وسط السكة.. ريحة خبيزك واللقمة الحلال هترجعه لحضنك تاني.. اطمني.”

​الدموع نزلت من عيني، بس المرة دي كانت دموع راحة.. إبراهيم كان عارف إن الغرس الطيب ميموتش، وإن ابني — اللي مخلفتوش من بطني بس خلّفته من قلبي وروحي وشقايا — كان لازم يرجع لأصله.

​بصيت لـ “زينات” الصغيرة وبستها، وندهت بصوتي كله اللي لسه فيه صحة وعافية:

— يا أحمد.. يا كاريمان.. يلا يا أولاد الشاي جهز والقرص سخنة في الفرن!

​تجمعوا كلهم حواليا، وأحمد جه قعد على الأرض وسند راسه على رجلي زي ما كان بيعمل وهو عيل صغير راجع من المدرسة، وشميت في شعره ريحة شجرة الليمون. في اللحظة دي عرفت إن الحكاية مخلصتش عند مجمع المحاكم، الحكاية بدأت من جديد يوم ما الحق ظهر، والبيت فضل بأهله، واللقمة الحلال صانت العِرض والأرض.

​وتوتة توتة، خلصت الحدوتة.. وربنا يحمي كل أم ويصون بيوتنا بالحق والحلال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *