بقلم ندا الجمل 2

بعد أسبوع من اللي حصل مع يوسف، حسيت إن البيت أخيرًا بدأ يهدى شوية.
أميرة بقت تتعامل معايا بأقل عصبية من الأول، حتى لو لسه بينا مسافات.
وفي صباح يوم الجمعة، كنا كلنا قاعدين بنفطر.
فجأة، شوكة الأكل وقعت من إيد أميرة، وحطت إيديها على راسها وقالت: “حاسه بدوخة… مش شايفة قدامي.”
قبل ما حد يلحق يقوم، وقعت على الأرض.
أنا وأحمد جرينا عليها، والعيال بدأوا يعيطوا.
ركبنا العربية وطلعنا على أقرب مستشفى.
بعد الكشف والتحاليل، الدكتور خرج وقال: “واضح إن عندها أنيميا شديدة وإرهاق، ولازم تستريح فترة ومتعملش أي مجهود.”
رجعنا البيت، ومن اليوم ده، بقيت أنا اللي شايلة كل حاجة.
كنت بصحي الفجر، أحضر الفطار، وأجهز العيال، وأدي أميرة دواها في معاده، وأعملها أكل مخصوص زي ما الدكتور كتب، وأقعد جنبها بالساعات.
كانت كل شوية تقولي: “روحي ارتاحي.”
وأرد عليها: “لما تبقي أحسن.”
أحمد كان بيبصلي باستغراب.
وفي يوم، قال قدامها: “أنا عمري ما شوفت حد يستحمل بالشكل ده.”
أميرة سكتت، لكنها كانت بتراقب كل حاجة.
في مرة، صحيت بالليل علشان أشوفها، لقيتها سخنة جدًا.
قعدت أحط لها كمادات وأقيس حرارتها لحد الفجر.
أول ما فتحت عينيها، لقتني قاعدة جنبها.
قالت بصوت ضعيف: “إنتي منمتيش؟”
ابتسمت وقلت: “لما تخفي الأول.”
دموعها نزلت لأول مرة قدامي.
وقالت: “أنا ظلمتك يا سمر.”
اتوترت وقلت: “خلاص… اللي فات فات.”
مسكت إيدي وقالت: “أنا كنت فاكرة إنك جاية تاخدي جوزي وولادي… لكن إنتي طول الوقت بتحاولي تحافظي على البيت.”
الكلام ده أثر فيا جدًا، وماقدرتش أمسك دموعي.
ومن اليوم ده، بدأت العلاقة بينا تتغير.
بقينا نشرب الشاي سوا، ونطبخ سوا، ونضحك مع العيال.
حتى عمر قال مرة وهو بيبص لنا: “أهو كده البيت بقى حلو.”
ضحكنا كلنا.
افتكرت إن ربنا أخيرًا عوضني عن كل الوجع اللي شوفته.
لكن بعد شهر تقريبًا…
صحيت الصبح على دوخة شديدة.
افتكرتها من التعب، لكن أميرة أصرت إني أروح أكشف.
روحت للدكتور وأنا متوقعة إنه هيقولي ارتاحي كام يوم.
لكن بعد ما بص في التحاليل وابتسم، قال جملة خلت الدنيا تلف بيا:
“مبروك… إنتِ حامل.”
بصيتله وأنا مش مستوعبة.
وقلت من غير إرادة: “مستحيل… أنا قالولي إني مستحيل أخلف.”
ابتسم الدكتور وقال: “رزق ربنا ملوش حساب… واللي قدامنا بيقول إن الحمل في بدايته.”
خرجت من العيادة وأنا ماسكة التحاليل، وإيدي بتترعش.
كنت فرحانة… وخايفة في نفس الوقت.
لأن أول سؤال جه في بالي كان:
يا ترى… أميرة هتفرحلي؟ ولا الحمل ده هيقلب البيت كله من جديد؟

فضلت ماسكة ورقة التحليل وأنا ماشية في الشارع، ومش حاسة بالناس اللي حواليا.
كل اللي كنت بفكر فيه… معقول أنا حامل؟
أنا اللي الدكتور في جوازي الأول قالي إن فرص حملي ضعيفة جدًا، والسبب ده كان كفاية إنه يهدم بيتي الأول.
ركبت مواصلة ورجعت، وطول الطريق كنت بحاول أمسك دموعي.
أول ما دخلت البيت، كانت أميرة قاعدة مع العيال بتذاكر لهم.
أول ما شافتني قالت: “مالك يا سمر؟ وشك أصفر ليه؟”
بصيت لأحمد، وبعدين بصيتلها، وناولتها ورقة التحليل.
فضلت تقراها ثواني، وبعدين رفعت عينيها وبصتلي.
قالت بهدوء: “إنتي… حامل؟”
هزيت راسي وأنا دموعي نزلت.
قومت من مكاني وأنا بقول: “أنا عارفة إن الخبر ممكن يضايقك… ولو وجودي هيعمل مشاكل أكتر، أنا همشي.”
لكن أميرة قامت بسرعة ومسكت إيدي.
وقالت: “إنتي رايحة فين؟”
قولتلها: “مش عايزة أبقى سبب في إن البيت يخرب.”
سكتت شوية، وبعدين حضنتني.
حضنتني لأول مرة من يوم ما دخلت بيتها.
وقالت وهي بتعيط: “لا يا سمر… إنتي تعبتي معايا ومع ولادي، ووقفتي جنبي في أصعب وقت. الطفل ده رزق من عند ربنا، وأنا مش هزعل من رزق ربنا.”
أنا وأحمد بصينا لبعض وإحنا مش مصدقين.
حتى العيال، أول ما عرفوا، فرحوا جدًا.
يوسف جري عليا وقال: “يعني هيبقى عندي بيبي صغير؟”
ضحكت ومسحت على شعره وقلت: “أيوه يا حبيبي.”
ومن اليوم ده، أميرة هي اللي بقت تمنعني أعمل أي مجهود.
لو شافتني شايلة حاجة، تاخدها مني.
ولو دخلت المطبخ، تقول: “اطلعي ارتاحي… أنا هكمل.”
وأوقات كانت تقعد تحضرلي الأكل بنفسها.
كنت مستغربة من التغيير الكبير اللي حصل فيها.
وفي يوم، سألتها: “إيه اللي غيرك كده؟”
ابتسمت وقالت: “لما شفتك أنقذتي يوسف، ولما مرضت لقيتك أول واحدة واقفة جنبي… فهمت إن عدوي الحقيقي مكانش إنتي.”
الكلمة دي ريحت قلبي.
وحسيت لأول مرة إن عندي أخت، مش مجرد ضرة.
لكن فرحتنا ماكملتش.
في الشهر الرابع من الحمل، صحيت في نص الليل على وجع شديد في بطني.
في الأول افتكرته تعب عادي.
لكن بعدها بدقايق، لقيت نزيف.
صرخت من الخوف.
أميرة كانت أول واحدة دخلت أوضتي.
أول ما شافتني، جريت صحت أحمد.
في أقل من خمس دقايق كنا في العربية رايحين المستشفى.
وأنا طول الطريق بدعي ربنا بس يحفظ الجنين.
دخلت أوضة الكشف، وأميرة فضلت واقفة قدام الباب، ماسكة السبحة في إيدها، وكل شوية تقول: “يارب قومها بالسلامة… يارب متحرمهاش من الفرحة دي.”
بعد حوالي نص ساعة، خرج الدكتور من أوضة الكشف.
بص في وشنا وقال:
“في خطر على الحمل… ولازم تلتزم براحة تامة، لأن أي مجهود بسيط ممكن يسبب فقدان الجنين.”
في اللحظة دي، أميرة بصت لأحمد وقالت بحزم:
“من النهارده… سمر مش هتعمل أي شغل في البيت. أنا والعيال هنشيل عنها كل حاجة… المهم البيبي ييجي بالسلامة.”
وساعتها عرفت إن الست اللي دخلت بيتها وهي شايفاني غريبة… بقت النهارده أكتر واحدة خايفة عليا.
من اليوم اللي رجعنا فيه من المستشفى، حياتنا اتغيرت تمامًا.
أميرة كانت أول واحدة تصحى، وتمنعني حتى أقوم أجيب كوباية مية.
كل ما أحاول أساعدها في أي حاجة، كانت تزعق فيا وتقول: “الدكتور قال راحة تامة… يعني راحة تامة.”
أحمد كمان بقى يحاول يقضي وقت أطول معانا، ولأول مرة من شهور حسيت إن البيت رجع فيه دفا.
حتى العيال كانوا بيتسابقوا يخدموني.
يوسف كل يوم يحط إيده على بطني ويقول: “إمتى البيبي هييجي ألعب معاه؟”
وأنا أضحك وأقوله: “لسه بدري يا حبيبي.”
أما ملك، فكانت كل يوم ترسم رسمة جديدة للبيبي، وتحطها جنب سريري.
وعمر بقى ينزل يجيب الطلبات بدل أميرة، علشان هي كمان متتعبش.
لأول مرة من يوم دخلت البيت، حسيت إني مش غريبة.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع أميرة نشرب الشاي، قالتلي فجأة: “سمر… ممكن أسألك سؤال؟”
قولتلها: “أكيد.”
قالت وهي باصة في الفنجان: “عمرك كرهتيني؟”
ابتسمت بحزن وقلت: “لا.”
استغربت وقالت: “بعد كل اللي عملته فيكي؟”
قولتلها: “كنت عارفة إن وجعك مش مني… وجعك من الطريقة اللي عرفتي بيها الحقيقة. لو كنت مكانك، يمكن كنت هزعل أكتر.”
نزلت دموعها.
وقالت: “أنا ظلمتك سنين.”
مسكت إيدها وقلت: “كلنا اتظلمنا بسبب الظروف.”
في اللحظة دي، دخل أحمد، واستغرب لما شافنا ماسكين إيد بعض.
ضحك وقال: “الحمد لله… أول مرة أشوفكم قاعدين مع بعض من غير خناق.”
ضحكنا كلنا.
بعدها بكام أسبوع، روحت أعمل السونار.
الدكتور ابتسم وقال: “الحمل مستقر، والبيبي بخير.”
وأول ما رجعنا البيت، أصرت أميرة تعمل أكلة بسيطة علشان نفرح.
وأثناء الأكل، بصتلي وقالت: “أنا عايزة أقول كلمة قدام أحمد والعيال.”
سكتنا كلنا.
قالت وهي مبتسمة: “من النهارده، سمر مش ضيفة… ولا مجرد زوجة تانية.”
بصتلي وكملت: “سمر بقت أختي.”
في اللحظة دي، مقدرتش أمسك دموعي.
لكن في نفس الوقت، كنت حاسة إن ربنا بيعوضني عن سنين الوجع.
مكنتش أعرف إن بعد أيام قليلة، هييجي اليوم اللي هيجمعنا كلنا في المستشفى مرة تانية…
بس المرة دي، مش علشان تعب أو خوف…
المرة دي، علشان نستقبل أغلى رزق في حياتنا.
عدت الأيام بسرعة، وكل يوم كنت أقرب من معاد ولادتي.
أميرة كانت بتعد الأيام قبلي.
كل زيارة للدكتور كانت تصر تيجي معايا، ولو أحمد اتأخر في الشغل، هي اللي كانت تمسك إيدي وتطمني.
وفي ليلة من ليالي الشتاء، صحيت على وجع شديد.
ناديت على أميرة، وأول ما سمعت صوتي جريت عليا.
بصتلي وقالت: “واضح إن الولادة بدأت.”
صحت أحمد بسرعة، وفي أقل من عشر دقايق كنا في المستشفى.
الطلق كان صعب، والوجع كان فوق احتمالي، لكن كل ما أفتح عيني، ألاقي أميرة واقفة عند الباب تدعيلي، وأحمد رايح جاي وهو مش عارف يقف في مكانه.
بعد ساعات طويلة، خرج صوت أول صرخة للبيبي.
الدكتور خرج وهو مبتسم وقال: “الحمد لله… ربنا رزقكم بولد، والأم والبيبي بخير.”
أول واحد دخل عليا كان أحمد.
عينه كانت مليانة دموع، وقال وهو شايل ابنه: “الحمد لله… ربنا عوض صبرك يا سمر.”
بعده دخلت أميرة.
كانت شايلة البيبي بحنية، وبعدين قربته مني وقالت: “ألف مبروك يا أمه.”
ابتسمت وأنا ببص للطفل، ولسه هتكلم، لقيتها بتكمل: “أنا عارفة إن محدش هيعوضه عن أمه… لكن أوعدك، هعتبره زي ولادي بالظبط.”
مسكت إيدها وأنا بعيط وقلت: “وأنا أوعدك إن عمر وملك ويوسف هيفضلوا ولادي زي ما هما.”
بعد كام يوم رجعنا البيت.
يوسف أول ما شاف البيبي قال: “ده أخويا.”
وملك فضلت تلف حواليه وهي فرحانة.
أما عمر، فكان كل شوية يقول: “سيبوه ينام، متصحهوش.”
البيت اللي دخلته وأنا مستخبية بكدبة، بقيت داخلاه النهارده وراسي مرفوعة.
ماكنتش أتخيل إن الست اللي خفت منها أول يوم، هتبقى أقرب إنسانة لقلبي.
وأميرة في يوم وهي بتشرب الشاي معايا في البلكونة، بصتلي وقالت: “فاكرة أول يوم دخلتي البيت؟”
ضحكت وقلت: “عمري ما هنساه.”
قالت وهي تبتسم: “أنا وقتها كنت فاكرة إن وجودك هيهد بيتي… لكن اكتشفت إن اللي بيحافظ على البيوت مش عدد الزوجات ولا الظروف… اللي بيحافظ عليها هو الرحمة، والصدق، واحترام الناس لبعض.”
بصيت على العيال وهم بيلعبوا مع أخوهم الصغير، وحمدت ربنا.
يمكن بداية حكايتي كانت كلها وجع وكدب وخوف…
لكن نهايتها علمتني إن أصعب الظروف ممكن تتغير، وإن القلوب أوقات بتحتاج وقت علشان تشوف الحقيقة.
وقتها عرفت إن ربنا لما بيقفل باب، ممكن يفتح أبواب عمرنا ما كنا نتخيلها… وإن العوض بييجي في معاده، حتى لو اتأخر.
تمت
بقلم ندى الجمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *