ساد الصمت لثوانٍ معدودة داخل الصالة، صمت مسموم ومرعب كأن الوقت اتجمد، ومفيش غير صوت أنفاسنا المتلاحقة وصريخ ابني المكتوم في صدري. ناصر كان واقف مكان كأنه مضروب بالقلم على وشه، عينيه بتتحرك في كل الاتجاهات بذعر مشافوش البيت ده منه قبل كده. مراته وشها بقى زي العضم، أيديها اترعشت وبدأت تطش في الصالة من غير هدف، تمسك في الكراسي وتسيبها، وتوشوش جوزها بصوت طالع بالعافية: "الشرطة يا ناصر!.. مين اللي بلغ؟! الواد الصغير لحق يتكلم؟! ولا حد من المنطقة شافك وانت داخل بالكيس؟" ناصر ما ردش عليها، كان باصصلي أنا.. بصة فيها غل يهد جبال، وخوف يهد الراجل. قرب مني بخطوات سريعة كأنه ضبع جريح، ومسك دراعي بقوة كانت هتكسر العضم في إيده: "هاتي الزفت ده هنا! هاتي الكيس ده وإلا ورحمة أبوي أدفنك مكانك قبل ما الباب يتكسر!" "على ج/ثتي يا ناصر!" صرخت فيه بكل قوة فضلت في ج/ثتي المحطمة. زقيت إيده بكتفي ورجعت ورا، حضنت ابني الكبيرة والتانيين اتلموا ورا ضهري زي الفراخ الفزعانة. "البلاوي دي هتخرج للمباحث بنفسها، وخلي منطقة العيلة كلها تعرف إنك بتتاجر في السموم وتخبيها في بيت أخوك الغايب!" صوت الخبط على الباب الخارجي بقى أشد وأقوى، وصوت دبات الجزَم الثقيلة برة كان بيسمع في الخرسانة. "افتح يا ناصر بدال ما نهد الباب! العمارة كلها متفتشة ومفيش طلوع لغيرنا!" مراته جرت على الحمام، مسكت خرطوم المياه وبدأت تغسل الأرضية بهستيريا كأنها بتمسح آثار الج/ريمة، وعيالها بدأوا يصرخوا ويعيطوا من الخوف لما شافوا أبوه بيمد إيده في جيبه ويطلع مطواة قرن غزال صغيرة، لسانها الفضي لمع تحت لمبة الصالة الخفتانة. "ورحمة أمي لو ما اديتيني الكيس ده لأكون مغرق بيكِ وبأولادك البيت ده دم قبل ما يدخلوا!" زعق ناصر وهو بيقرب مني، عينه حمرا زي الجمر والمطواة متوجهة لصدري مباشرة. عيالي صرخوا بعلو صوتهم، وابني الصغير مسك في جلابيتي وهو بيرجف: "يا ماما خدينا واجري! عمو هيق/تلنا!" في اللحظة دي، مكنش قدامي غير حل واحد. المطبخ كان ورايا بباب مفتوح، والمطبخ ده كان فيه الدرفة القديمة اللي فيها أواني الطبخ الثقيلة. تراجعت بسرعة للورا وأنا حامية عيالي بجسمي، ومسكت براد الشاي الصاج الثقيل اللي كان محطوط على البوتاجاز، ورفعتها في وش ناصر وبأقصى قوة عندي طوحتها في اتجاهه! البراد خبط في كتفه ووشه، طار منه دم، والمطواة وقعت من إيده على الأرضية السيراميك ورنت رنة خلت مراته تصوت بصوت هيستيري: "ق/تلت الراجل! قت/لت الراجل يا نهار أسود!" ناصر اترمي على الأرض وهو ماسك وشه اللي بدأ ينزف، وأنا استغليت الفرصة، سحبت عيالي وجريت على باب الشقة الداخلي اللي بيفتح على الصالة الصغيرة، وصرخت بعلو صوتي للناس اللي برة: "الحقونا! افتحوا الباب! الراجل هيموتنا جوة ومخبيلكم المخدرات!" وفجأة، وبضربة قوية، الباب الخشب القديم اتخلع من مفصلاته بفرقعة شديدة، ودخلوا رجال المباحث بالأسلحة والسترات، يتقدمهم ضابط بلبس مدني وعينيه حادة زي الصقر. الصالة املت عساكر ورجال بوليس، والضلمة اللي كنا عايشين فيها اتكشفت تحت إضاءة كشافاتهم القوية. "محدش يتحرك من مكانه!" زعق الضابط وهو بيبص في أرجاء الصالة، شاف ناصر وشه سايح بالدم على الأرض، ومراته واقفة في كبس الحمام بتترعش، وأنا واقفة في الركن، حاطة عيالي ورايا ومسكة الكيس الأسود الملفوف بالسوليتيب بإيدي اللي بتنزف دم. الضابط قرب مني بخطوات ثابتة، بص للكيس اللي في إيدي وبص لعيالي الفزعانين، وقال بنبرة هادية بس صارمة: "إيه اللي بيحصل هنا؟ وإيه الكيس ده يا مدام؟" رفعت رأسي بصعوبة، ونظرت لناصر اللي كان بيحاول يقوم وهو بيشتم ويهزي بكلام مش مفهوم، وقلت للضابط بصوت ثابت لأول مرة من سنين: "ده السم اللي كان بيخبيه عم العيال في بيت أخوه المسافر.. ده الكيس اللي ابني شافُه في الحمام وكان هيتدفن سره لو ما دخلتوش في الوقت المناسب!" ناصر صرخ من على الأرض وهو بيحاول يتملص من العساكر اللي مسكوه: "كدابة يا باشا! دي بتتبلى عليا! دي هي وأخويا متفقين عليا عايزين يطردوني من البيت ورموا البلا ده عندي!" الضابط أخد الكيس من إيدي بفرشة بلاستيك، فتح حتة صغيرة منه بالكتر، وبص جوة.. وشه اتغير تماماً، ونظر لناصر بنظرة فيها يقين قاتل، وبعدين بص لعسكري وراه وقال: "فتشوا الحمام والمطبخ حتة حتة.. هاتو المسحوق كله، واطلبوا الإسعاف عشان الراجل ده والأستاذة اللي بتنزف!" مراته طاحت على الأرض بتصرخ وتلطم على وشها، وعياله يتطاطوا في الأركان. وأنا، وأنا واقفة وسطه الدوشة دي كلها، حسيت بإيدي بتسيب، ورجليا مش شايلاني. الدموع اللي كنت حابساها سنين نزلت مرة واحدة، مش حزناً ولا خوفاً، بس عشان حست إن القفص اللي كنا محبوسين فيه بدأ يتكسر.. لكن في نفس اللحظة، تلفوني اللي كان محطوط على الترابيزة رن بصوت عالي.. بصيت للشاشة، كان رقم جوزي من الغربة! رن التليفون على الترابيزة بصوت مرعب وسط صريخ مراته، ودبة جزم العساكر اللي كانوا بيقلبوا البيت حتة حتة، ورشاش المية اللي كان لسه شغال في الحمام وبيعكس الإضاءة البيضا القاسية بتاعة كشافات المباحث. اسم جوزي كان بينور ويطفي على الشاشة المكسورة: "أحمد حبيب قلبي بيصل بك". كان الرقم ده بالذات بالنسبة لي هو بر الأمان، بس في اللحظة دي كان زي النار اللي جاية تحرق اللي فاضل. أنا واقفة، جسمي كله بيرجف، إيدي المدمية من صاج التراباس بتبصم دم على هدومي، وعيالي ماسكين في ركبتي زي اللي متعلقين في قشة وسط طوفان. ناصر كان مفروش على أرضية الصالة، العساكر مكتفينه من ضهره بالكلبشات الحديد، ووشه اللي سايح بدمه بينزل على سجادة الصالة اللي طالما اتقالنا إننا ملناش حق نمشي عليها. مراته كانت قاعدة على حيلها بتلطم على وشها وبترش المية على راسها وهي بتصرخ: "يا فضيحتك يا ناصر! يا خراب بيتك يا ابن أبوي! أدي أخرة المشي العوج والدوا اللي كنت بتبلعه!" الضابط بص للتليفون اللي مبيسكتش، وبعدين بصلي بنظرة كلها شك وتفحص. مسك التليفون من على الترابيزة وقال بصوت جاف وزي الس/كينة: "ردي عليه يا مدام.. بس افتحي السبيكر.. وأقسم بالله لو نطقبي بكلمة واحدة تحذير أو ترميز، التهمة هتتلفس لك انتي كمان وتترمي في الحجز مع جوزك وأخوه!" سحبت التليفون بأيد ترتعش، صباعي كان مبلول دم ودموع، ومسحت الشاشة بالجلابية عشان أعرف أفتح الخط. فتحت السبيكر وحطيت التليفون على الترابيزة، والصالة كلها سكتت في ثانية واحدة.. حتى العساكر وقفوا تفتيش، وبقت الأنفاس مكتومة كأننا في مقبرة. صوت أحمد جالي من الغربة، صوت كان دافي بس مكسور من التعب، فيه وشة الخط الدولي وصوت الفصال والحديد بتاع شغل الورش برة: "ألو؟ إيه يا أم إبراهيم؟ ساكتة ليه؟ في إيه عندك؟ أنا بقالي ساعة بتصل بيكِ وبناصر، والتليفونات مقفولة أو بتعطي مشغول! قلبي أكلني عليكم، العيال بخير؟ في حاجة حصلت في البيت؟" الدموع نزلت من عيني زي المطر. كنت عايزة أصرخ وأقوله: "تعالى يا أحمد! أخوك كان هيقت/ل عيالك! أخوك كان بيخبي السموم في حمامنا وفي بيت أبوه! أخوك كان حابسنا في الضلمة وبيعيرنا بلقمة العيش اللي بتجيبها من طين الغربة!" بس لساني كان معقود، والضابط كان واقف حاطط صباعه على شفته بيحذرني ببرود. بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي طلع مقطوع ومزهرج: "ألو.. يا أحمد.. إحنا.. إحنا بخير.. العيال بخير.." أحمد حس بنبرتي على طول، هو حافط نبرة صوتي لما أكون مخبية عليه حاجة: "خير إيه يا بنت الناس؟ صوتك ماله؟ وصوت الصريخ اللي كان طالع ده إيه؟ أنا سامع حريم بتلطم وصوت دبة ناس! ناصر فين؟ أديني ناصر أكلمه!" في اللحظة دي، ناصر رفع رأسه من على السيراميك، وبصلي بقلة حيلة وغل، وصرخ بأعلى صوت عنده وهو بيتنفض تحت جزمة العسكري: "الحقني يا أحمد! مرتك جابتلي المباحث الشقة! مرتك بلغت عني وعايزة ترميني في السجن عشان تاخد البيت كله ليها ولعيالها! الحق أخوك يا أحمد!" العسكري أداه لكمة في ضهره سكتته، والضابط خطف التليفون من إيدي وسحب الخط لأذنه وقال بنبرة هادية بس مرعبة: "أستاذ أحمد؟ أنا الرائد هشام من مباحث المخدرات. أخوك ناصر مقبوض عليه حالياً متلبس بحيازة وتجارة مواد مخدرة شديدة الخطورة داخل الشقة، وزوجتك وأولادك كانوا في معرض خطر داهم وتم إنقاذهم. لو سمحت تنزل مصر في أسرع وقت عشان في تحقيقات النيابة وإجراءات التحفظ على الشقة." الخط قطع من ناحية أحمد. مسمعناش منه ولا كلمة، غير صوت هبدة حادة كأن التليفون وقع منه على الأرض في الغربة، وصوت سكون مرعب طالع من السماعة قبل ما المكالمة تتقفل خالص. الضابط بص للعساكر وقال بصرامة: "لموا الشغل ده كله.. الكيس الأسود، العلب الفاضية اللي في الحمام، والمطواة اللي على الأرض. والست دي والعيال يتنقلوا معانا على القسم فوراً عشان يتاخد أقوالهم وتتعرض على الطب الشرعي بسبب الإصابات اللي في دراعها ووشها." مراته هجمت عليا زي الدبورة، كانت عايزة تخمش وشي بضوافرها وهي بتصوت: "أنتي السبب! أنتي اللي خربتي البيت! ربنا ينتقم منك يا شيخة! طفشتي الراجل ودمرتي عيالنا!" بس العساكر مسكوها وجروها لبرا الشقة مع ناصر اللي كان بيتسحل على السلم وجسمه كله دم وبقع طين. أنا مشيت وسطهم، ماسكة إيدين عيالي التلاتة. العيال كانوا بيمشوا وجسمهم بيرجف، بيبصوا للسلالم اللي طالما خافوا ينزلوا عليها في الضلمة، وبيمشوا وسط كشافات المباحث والجيران اللي كانوا واقفين على البيبان والشبابيك، بيبصوا علينا بذهول وصدمة. المنطقة كلها كانت صحيت على صوت الخناقة والسيارات المصفحة اللي واقفة تحت العمارة. في القسم، في غرفة التحقيق المكيفة اللي ريحتها الدخان والدفاتر القديمة، قعدت على كرسي خشب مكسور، وحضنت عيالي. الضابط كان بيسألني عن كل حاجة، من أول ما ناصر بدأ يطفي اللمبة في الصالة، لحد ما قفل على ابني الحمام ومسك الكيس الأسود. حكيت كل حاجة، كل لحظة ذل، كل مسحة دموع، وكل كلمة تهديد عشناها السنين اللي فاتت. المحقق كان بيكتب كل كلمة، وابني الصغير كان بيحكي بصوته المرتعش إزاي عمو ناصر ضربه بالقلم وقفل النور لما شاف الكيس تحت السيفون. الشهادة كانت زي الس/كينة اللي بتتقفل على رقبة ناصر. وعلى الساعة أربعة الفجر، وأنا قاعدة في الصالة الخارجية للقسم مستنية الخروج، التليفون رن تاني. كان رقم غريب.. ردت، وجالي صوت أحمد.. بس مكنش صوت أحمد اللي أعرفه. كان صوت راجل كبر عشرين سنة في ساعتين، صوت طالع من بئر ملوش قاع، محمل بغضب ودموع وكسرة نفس تهد الحيل. "أنتي عملتي إيه يا هناء؟" قالها بصوت هاديء يرهب أكتر من الصريخ. "أنتي سلمتي أخويا للمباحث؟ أنتي فضحتينا وسط المنطقة؟ أخويا الشقيق اللي من أمه وأبويا يروح اللومان بسبابك؟" وقفت في وسط صالة القسم، وبصيت لعيالي اللي كانوا نايمين على الكراسي الخشب من التعب، ورفعت رأسي وقلت له بصوت مفيش فيه ريحة الضعف اللي كانت فيا زمان: "أخوك مكنش أخوك يا أحمد.. أخوك كان بيسقي عيالك السم، كان قافل عليهم الحمام في الضلمة، وكان هيقطع لسان ابنك الصغير عشان شاف بلاويه! لو أنتي زعلان على أخوك اللي بيتاجر في السموم، تعالى شوف عيالك اللي كانوا هيتقت/لوا الليلة دي بسبب سكوتنا!" أحمد سكت لثواني، وسماعة التليفون كانت بتنقل صوت حشرجة صدره ونشيج بكاه اللي حاول يكتمه: "أنا جاي يا هناء.. أنا قطعت التذكرة وطالع على المطار دلوقتي.. بس أقسم بالله، البيت ده مش هيدخله أمان تاني، واللي اتكسر الليلة دي مش هيتصلح طول ما أنا حي!" قفلت الخط في وشه، وحطيت التليفون في جيبي. بصلت للشارع من شباك القسم، الفجر كان بدأ يشق الضلمة، والنور الأبيض الضعيف بدأ يملى المكان. وعرفت إن اللي جاي مش نهاية الكابوس.. ده بداية الحرب الحقيقية لما أحمد ينزل من السفر ويقف بين مراته وعياله.. وبين دم أخوه!