انا متجوزه ج3

حكايات روماني مكرم

رجعنا الشقة. الصالة كانت فاضية، وصوت عقارب الساعة (تك.. تك.. تك) كان لسه بيخرم السكون، بس المرة دي الصوت مكنش بيوترني ولا بيخوفني.. كان زي دقات النصر.

شريف دخل لقط شنطته القديمة من جنب الدولاب، وبدأ يرمي فيها هدومه وعايش حالة طوارئ.

بصلته وأنا واقفة عند باب الأوضة:

“بتعمل إيه يا شريف؟”

رد بصوت جاف ومخنوع وهو بمهد الهدوم في الشنطة:

“أنا ماشي.. مش هقدر أقعد في مكان بقيت فيه غريب ومكسور. أنتِ أخدتي كل حاجة، والشقة بقت ملكك.. ماليش مكان هنا خلاص.”

وقف وحمل الشنطة على كتفه، ومشي ناحية باب الشقة. مسك مقبض الباب، والتفت بصلي لأخر مرة.. عينيه كانت مليانة حسرة على كل اللي بناه على باطل وضاع في لحظة.

فتح الباب وكان هيخرج، بس أنا وقفته بصوت عالي وثابت:

“استنى يا شريف!”

وقف مكانه وتخشب، والتفتلي بشرارة أمل صغيرة إن ممكن أكون حنيت أو هترجاه يقعد:

“إيه؟ عايزة إيه تاني؟”

قربت منه خطوتين، وبصلته بثبات، وقلتله الكلمة اللي هتحدد شكل النهاية…

قربت منه خطوتين، وبصلته بثبات، وقلتله بنبرة أبرد من التلج:

“اللي بيننا مكنش مجرد شقة وفلوس يا شريف.. اللي بيننا كان عمر وثقة، وأنت حرقت الاثنين. ورقة تنازلك عن الشقة ورجوع فلوسي دي حق شقايا وجرحي.. أما ورقتك أنت معي، فدي نهايتها بكرة الصبح عند المأذون.”

الشرارة الصغيرة اللي كانت في عينيه انطفت في لحظة، وحل مكانها ذهول أخير. شفايفه اترعشت وكان عايز يتكلم، بس الكلمات اتخنقت في زوره. فهم إن ‘نهى’ اللي عاشت معاه 12 سنة مسالمة وبتضحي، ماتت للأبد، والست اللي واقفة قدامه دلوقتي مش هتقبل تعيش يوم واحد مع راجل استغفلها واستحل شقاها.

شد الشنطة على كتفه، ونزل رأسه في الأرض، وخرج من باب الشقة. صوت هبدة الباب وراه كان أعلاناً رسمياً لنهاية عصر الخديعة، وبداية حياة جديدة.

في اليوم التالي..

قفت قدام باب المأذون، وفي إيدي الورقة الأخيرة. شريف حضر وهو مكسور تماماً، طأطأ رأسه ووقّع على ورقة الطلاق من غير ما يرفع عينيه فيّ. خرجت من هناك وأنا حاسة إن جبل ثقيل كان كاتم على نفسي وانسحب فجأة.

رجعت الشقة.. شقتي أنا وعيالي.

دخلت الصالة، الباب اتقفل ورايا، والشمس كانت طالعة من شباك البلكونة بتفرش غزلها الذهبي على الأرض. بصيت لدفتر الحسابات القديم اللي كان على السفيرة، مسكته وحطيته في الدرج وقفلت عليه.. نهاية صفحة سوداء، وبداية كتاب جديد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *