انا متجوزه ج3
حكايات روماني مكرم

مسك شريف القلم وإيده بتترعش زي السعفة في مهب الريح. عينيه كانت رايحة جاية بين بنود التسوية الشديدة، وبين الفراغ اللي حاسس إنه بيتسحب فيه. كان قدامه خيارين أعرج من بعض: يا إما يوقع ويتنازل عن كل حاجة ويطلع من اللعبة دي عريان، يا إما يدخل النيابة بكرة وتضيع شغلته وسمعته ويتقبض عليه بتهمة النصب وخيانة الأمانة.
انحنى على الترابيزة، ونزل رأس لتحت، وصوت نفسه كان طالع بصهيل مكتوم زي المذبوح. حط القلم على الورقة، وبدأ يوقع.. توقيع ورا توقيع، على كل صفحة وعلى كل بند، وإيده بتسيب أثر عرق مبلول على الناحية السفلى من العقود.
خلص التوقيع، ورزق القلم على الترابيزة، ورفع رأسه يبصلي بنظرة مكسورة مليانة غل وحقد:
“وقعت.. ارتحتي؟ أخدتي الشقة، وأخدتي الفلوس، ودمرتي هيبتي قدام نفسي وقدام الناس. إيه فاضل تاني تعكّر بيه عيشتي؟”
سحبت الورق ببطء، راجعت التوقيعات والبصمات بعناية، وحطيتهم في الملف الشفاف. رديت عليه بنبرة هادية بس فيها جبل من الثبات:
“اللي فاضل يا شريف إننا ننزل دلوقتي حالا للأستاذ فريد المحامي، ونطلع على الشهر العقاري عشان تنازل الشقة يتدبس بشكل رسمي ومحكم، وتكتب إقرار حقوق إخواتك اللي غشتهم. وموضوع الشيك مقبول الدفع يتحول لحسابي بكرة الصبح أول ما البنوك تفتح.”
قام وقف بالعافية، كأنه كبر عشر سنين في اللحظة دي:
“وبعد ما أعمل كل ده؟ هتعملي إيه في الشكوى بتاعة الشغل وقضايا المحكمة؟”
“أول ما التنازل يتقيد في الشهر العقاري والفلوس تدخل حسابي، الأستاذ فريد هيقدم تنازل رسمي عن الشكوى الجنائية وحجز المرتب، وهتستلم إقرار بالتصالح تبعته لشركتك.. أما إخواتك، فإنت اللي هتقعد معاهم وتسلمهم حقهم بإيدك لو عايز تبرئ ذمتك قدام ربنا والناس.”
اليوم ده كان أطول يوم في حياتي. لفينا فيه بين مكتب المحامي والشهر العقاري. شريف كان ماشي جنبي زي الخيال، مسلوب الإرادة، بيوقع وينفذ كل طلب بيطلب منه من غير ما ينطق بحرف واحد. الناس في الشهر العقاري كانوا شايفين راجل بيتنازل عن ملكه بجمود تام، وأنا واقفة جنبه باستحقاق ست استردت حقها بعد سنين من الاستغفال والتعب.
على الساعة 6 بالليل، كانت كل الأوراق الرسمية في إيدي. عقد الشقة الجديد باسمي واسم عيالي، وإشعار التحويل البنكي بوفاء الدين والفلوس اللي استنزفها مني طوال 8 سنين.

