بقلم روماني مكرم 1

شحب وجه الجميع، وتحولت المواجهة فجأة إلى رعب من نوع آخر.. ماذا حدث داخل غرفة العمليات؟
خرج الطبيب الرئيسي من غرفة العمليات بملابس تملؤها الدماء، ووجهه يقطر عرقاً ونظراته تائهة بين الصدمة والإرهاق. انقبضت القلوب وتوقفت أنفاس الجميع في الممر، بينما كان محمود يقف مذهولاً، وقد تجمدت الكلمات الخشنة على شفتيه فور رؤية حركة الأطباء المرتبكة.
اقترب والد سحر بخطوات واهنة نحو الطبيب وتساءل بصوت يرتجف: “طمني يا دكتور.. بنتي جرى لها إيه؟”
تنهد الطبيب بعمق، ونظر إلى محمود ثم إلى والدها وقال بنبرة حادة تحمل اللوم: “العملية كانت معقدة جداً ومُربكة فوق ما تتخيلوا.. المرض صحيح كان في المرحلة الأولى لما عملت الفحوصات الأولى، لكن تأخيركم في اتخاذ القرار والضغط النفسي الرهيب اللي عاشته المريضة تسبب في نشاط مفاجئ وسريع للغدد اللمفاوية. الورم كان كأنه بيتسابق مع الوقت! أضطررنا نستأصل جزء أكبر مما كنا مخططين له عشان ننقذ حياتها، وأثناء الجراحة حصل نزيف حاد وهبوط مفاجئ في الضغط كاد يودي بحياتها.. احنا أنقذناها بمعجزة، وهي دلوقتي تحت الملاحظة الدقيقة في العناية المركزة، وممنوع عنها أي توتر أو زيارة.”
نزل الكلام كالصاعقة على محمود. تراجع خطوة إلى الخلف وسقط على المقعد الخشبي المتاخم للحائط، وصورته أمام نفسه تتشقق. لم يكن يتوقع أن إنكارها للمرض ورفضه للجراحة كان يُقربها من الموت بهذه السرعة. نظر إلى والدها، فوجه الشيبة لم يعد يحمل الاحتقار فقط، بل أصبح يملؤه الحزن والأسى على ابنه يُعامل بهذه القسوة.
قال والد سحر بنبرة هادئة لكنها أشد ثقلاً من الجبال: “سمعت يا محمود؟ كنت مستعد تضحي بحياتها عشان مظاهر وشكل! بنتي دخلت بين الحياة والموت بسبابك وبسبب كبرك.. ورقتها هتوصلها فوراً أول ما تقوم بالسلامة، وحقها وأحكام القضاء هي اللي هتجيب مصاريف علاجها ومستحقاتها كاملاً.”
اشتعلت النخوة المزيفة داخل محمود مجدداً محاولةً التغطية على شعوره الجارف بالذنب، فقام واقفا وهو يصيح: “أنا مابتهددش! والقانون مش هيجبرني أدفع مليم في حاجة اتعملت من ورايا وبدون موافقتي!”
في تلك اللحظة، فتحت ممرضة باب العناية المركزة واستدعت الأطباء بسرعة بعد أن بدأت أجهزة القياس تُصدر أصوات إنذار متكررة، لتشتعل حالة الطوارئ مجدداً داخل الممر، ويقف الجميع على أطراف أصابعهم بين أمل واهٍ وخوفٍ قاتل.

