روماني مكرم 3

ثاني يوم الصبح، كنت في الأتوبيس المتجه للشرقية. الطريق كان طويل وناشف، بس عقلي كان بيغلي. حماتي فاكرة إنها بكلمتين وهديد بالمرض هتقفل الباب في وشي وتخليني أستسلم وأسيب بناتي يتربوا على كرهي. لا يا حجة.. أمل القديمة اللي كانت بتبكي وتستسمح ماتت في الصالة قدام المراية.
وصلت قرية صالح في الشرقية، بيت عيلته كان بيت كبير من دورين في أطراف البلد. مشيت في الشوارع الترابية والعيون كلها عليا.. الناس في البلد كانوا عرفوا باللي حصل، والنظرات كانت مليانة قسوة وكلام مسموم: “أهو أخت الحرامية جت.. دي اللي ضيعت ولدنا وجابته أرضاً.”
طنشت كل الهمس ده، ووصلت لباب البيت. ضربت الباب بقوة وثبات من غير ما إيدي ترتعش.
بعد لحظات، فتحت حماتي.. أول ما شافتني، وشها اتغير ومسكت الباب بغل: “أنتِ إيه اللي جابك هنا يا بومة؟! مش قلتلك مالكيش مكان عندنا ومفيش دخول هنا؟!”
زقيت الباب بإيدي بقوة وجرأة صدمتها، ودخلت صالة البيت وصوتي هز المكان: “أنا جاية لأجوزي وبناتي يا حجة! البيت ده يدخله القانون وتدخله أم البنات بالذوق أو بالعافية! بناتي فين؟!”
حماتي صرخت وتلموا سلفاتي وأخوات صالح: “يا قلّة حياكِ! جاية تتبجحي بعد ما أهلك سرقوا الراجل وجابولوا جلطة وشلل؟! برة يا بت أنتِ!”
في اللحظة دي، سمعت صوت محشر ومرتجع طالع من الأوضة الجوانية.. صوت صالح!
“سيبوها.. سيبوها تدخل يا أمي.”
البيت سكت تماماً. مشيت بخطوات ثقيلة ناحية الأوضة وفتحت الباب.
صالح كان راقد على السرير، نصفه الشمال مابيتحركش، وشه ممسوح منه النص تقريباً بآثار الجلطة، وعينيه كانت دبلانة ومكسورة.. نور وفريدة كانوا قاعدين جنبه على السرير، أول ما شافوني صرخوا: “ماما!” وجيوا يجري يترسوا في حضني.
حضنتهم بقوة، بست رؤوسهم وإيديهم، ودموعي نزلت غصب عني من الشوق والوجع. بصيت لصالح، كان باصصلي بعين واحدة صحيحة، عين مليانة وجع وكبرياء مجروح.
قربت منه، وقعدت على طرف السرير، ومسكت إيده السليمة اليمين.. سحبها ببطء، بس أنا مسكت فيها بقوة وما سبتهاش.
“جاية ليه يا أمل؟” صالح قالها بصوت مبشوح وتقيل، الكلمات بتخرج من بؤه بالعافية بسبب الشلل: “جاية تشوفي حسرتي؟ جاية تشوفي الجبل اللي هديتيه أنتِ وأهلك؟”


