حكايات زهره الربيع 2

رفعت رأسي للظابط والدموع مغرقاني، صوابعي لسه متشبثة بإيد “جنة” اللي بدأت تدفى بالتدريج. كانت عينيها مثبتة عليا بتعب، بتبصلي بذهول كأنها مش مصدقة إن أبوها ماسك إيدها وبيعيط عشانها.

رديت على الظابط بصوت مخنوق ومكسور: “حاجة إيه يا باشا؟ أنا مش عايز غير إن الحق يرجع، والست دي تتحاسب على كل لحظة عذاب عاشتها البنت دي بسببها وبسبب خيانتها.”

الظابط قرب خطوتين، طلع ملف أسود من تحت دراعه وهز رأسه بأسى: “سهيلة والراجل اللي معاها ما أخدوش فلوسك وعاشوا بيها مبسوطين زي ما كنت فاكر… ربنا حط عدله في الدنيا قبل الآخرة. الراجل ده صب عليها ألوان العذاب بعد ما هربت معاه، أخد منها الدهب والفلوس وطردها في الشارع بعد سنتين بس. وهي دلوقتي محجوزة في مستشفى حريمي في المحافظة المجاورة، أسراب الأمراض نهكت جسمها، وعايشة على التبرعات، والراجل اللي هربت معاه محبوس من خمس سنين في ق\ضية تجارة مخدرات.”

سمعت الكلام وكأن حد صب عليا مية نار. تبسمت بمرارة وشفت عظمة ربنا وقدرته؛ العدالة العصبية اللي كنت فاكر إنها غايبة، كانت شغالة طوال السنين دي، بس أنا اللي كنت أعمى بالغل والكراهية ووجهت غضبي للضحية البريئة اللي تحت إيدي.

بصيت لـ “جنة” ولقيت دموعها بتنزل ببطء على خدها الشاحب. رفعت إيدها بتعب ومسكت طرف كمي، وقالت بصوت مكسور كأنه همس الريح: “بابا… بلاش تؤذيها… هي أمي في الأول والأخر، وأنا حاميتك عشان ما تتوجعش، مش عشان هي تتأذي.”

الكلمات دي كانت زي الطعنة في صدري. البنت اللي اتنحرمت من الأكل، واللي كانت بتبيت في الضلمة، واللي صوابعها اتخرمت من خياطة الجزمة المقطوعة عشان تحميني… لسه فيها طهر يخليها تسامح الأم اللي رمتها في الجحيم ده كله!

نزلت على ركبي جنب السرير وبست إيدها ورجلها قدام الظابط والدكاترة والممرضات اللي كانوا واقفين يمسحوا دموعهم. صرخت وأنا بنتحب: “أنتِ إيه يا بنتي؟! أنتِ بني آدمة زينا ولا ملاك نازل من السماء يكسر قسوتنا؟! أنا كنت الشيطان يا جنة… أنا اللي استاهل أترمى في النار مكان أي حد ثاني!”

الظابط حط إيده على كتفي وقال بجدية: “الإجراءات القانونية لازم تمشي يا عزيز. التسجيل والدفتر اتحفظوا في النيابة، وهينزل محضر رسمي باتهام سهيلة بالسرقة والتخلي عن طفل، وق\ضية التعذيب اللي مرت بيها البنت هتفتح ملف ثاني… بس المهم دلوقتي صحة بنتك.”

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *