حكايات زهره الربيع 2

سحبت “جنة” في حضني وقفت قدامها زي السد العالي، وأنا بصرخ في مراتي: “دخلي الولد الأوضة وجفلي عليكوا بالمفتاح! أوعي تخرجي مهما حصل!”

فتحت باب الشقة بسرعة، كان الظابط واقف ومعه عسكريين، وشه مشدود وعرقان: “يا عزيز، الحركة اللي عملتها سهيلة والراجل ده مش عشوائية. الراجل ده عارف إن النيابة فتحت الق\ضية وإن التسجيلات هتلبسه ق\ضية سرقة وتخلي عن طفل غير القضايا القديمة، وهو عارف إن الشريط كان معاك في البيت، وجاي فاكر إنه هيلاقيه هنا ويحرقه عشان يفلت من السجن، وسهيلة معاه زي الميتة اللي ماشية بتنفذ أوامره!”

ما لحقتش أرد، ولا لحق الظابط يكمل كلامه… سمعنا صوت صرخة مكتومة جاية من تحت السلم، وصوت خطاوى تقيلة وسريعة بطالع بتجري على الدرج.

في ثواني، ظهر الراجل… كان شكله يرعب، ملامحه متغيرة، عيونه غايرة وفيها غل مش طبيعي، ومس\دس قديم في إيده المرتعشة. وراه كانت “سهيلة”… مش دي الست اللي كنت بطير بيها زمان، ولا دي الست اللي هربت، دي كانت عبارة عن هيكل عظمي ماشي على رجليه، وشها أسود ومجعد من المرض، ولابسة هدوم مقطعة ومبهدلة، عينيها مطفية كأن الموت سكنها خلاص.

أول ما الراجل شاف الظابط والعساكر، اتجنن ورفع المس\دس: “محدش يقرب! الشريط فين يا عزيز؟! الشريط اللي هيوديني في داهية فين؟! هاتوا وإلا ههد البيت ده على باللي فيه!”

سهيلة المحتضرة وقعت على ركبتها على السلم، وبصت لجوة الشقة… عينيها جت في عين “جنة” اللي كانت واقفة ورايا بالكرسي المتحرك وهي بتترعش. سهيلة مدّت إيدها الميتة الناشفة لـ “جنة” وبدأت تبكي بصوت حشرجة مرعبة: “جنة… يا بنتي… سامحيني يا بنتي… هو اللي جرني للحراب، هو اللي ضيعني وضيعك…”

الراجل أتعصب وصوته هز العمائر: “اسكتي يا مريضة يا ملعونة! أنتِ اللي جيتيلي بالدهب والفلوس!”

وفجأة، وفي لحظة جنون، وجه المس\دس ناحية الشقة، وتحديداً ناحية “جنة”!

في اللحظة دي، الزمان وقف عندي. الوش اللي كنت بكرهه ١٥ سنة، الوش اللي عذبته ورميتله الأكل في الأرض، كان وقتها هو كل حياتي، هو الروح اللي بتنفس بيها. ما فكرتش ولا ثانية… أترسخت في الأرض ورميت جسمي كله قدام “جنة” عشان أكون درع ليها!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *