حكايات زهره الربيع 2

صوت ضربة الرصاصة هز العمارة كلها…
حرارة شديدة وغريبة دخلت في كتفي الشمال، ودمي طرطش على الأرض وعلى وش “جنة”. سمعت صرخة “جنة” المرعبة وهي بتنادي: “باااابااااا!”
في نفس اللحظة، العساكر ضربوا نار على الراجل، وقع على السلم ومس\دسه اتدحرج، والظابط هجم عليه وثبته في الأرض وهو بيصرخ في العسكري: “اطلب الإسعاف بسرعة! الأستاذ عزيز اتصاب!”
سندت نفسي على الباب وأنا بنزل ببطء على الأرض، والدم نازل مني بغزارة. “جنة” نزلت من على الكرسي وزحفت عليا في الأرض، مسكت وشي بطفولتها وبرائتها وهي بتعيط وتصرخ: “لأ يا بابا! لأ! أنت قعدت تحميني ١٥ سنة بالسر… ما تموتش دلوقتي بعد ما عرفت الحقيقة! خذ عمري وطيبي أنت يا بابا!”
حطيت إيدي المدممة على خدها، وابتسمت وسط الوجع. لأول مرة أحس إن الدم اللي بيسيل مني ده بيغسل القذارة والقسوة اللي كانت في قلبي طول السنين اللي فاتت.
سهيلة زحفت على بطنها على الأرض لحد ما قربت من عتبة الباب، دموعها نازلة مخالطة بالطين، وكانت بتمد إيدها عايزة تلمس رجل “جنة”: “سامحيني يا بنتي… خليني أموت وأنا مستريحة…”
جنة بصت لأمها وهي بتبكي، وبصتلي أنا وأنا بدمي بين إيديها… وفي اللحظة دي، حطت إيدها على جرحي عشان توقف الدم، وبصت لأمها بصوت مكسور هز قسوة الجدران: “أنا سامحتك يا ماما… عشان بابا يعيش… وعشان ربنا يرحمنا كلنا.”
غمضت عيني والهدوء بدأ ينسحب على عقلي، وصوت سرينة الإسعاف جاي من بعيد بيشق ظلام الليل…
فتحت عيني في أوضة المستشفى، وريحة المطهرات مالية المكان، وصوت أجهزة النبض بتنبت بانتظام هادي. كتفي كان ملفوف بالشاش، والوجع بيسرق نَفَسي، بس كل ده اختفى أول ما عينيا جات على الكرسي اللي جنب السرير.
“جنة” كانت قاعدة، حاطة راسها الصغيرة على طرف السرير ونايمة، وإيدها الدفية ماسكة إيدي بقوة كأنها خايفة أضيع منها. الوش اللي فضلت ١٥ سنة أهرب منه وأشوفه كابوس، كان وقتها هو النور الوحيد اللي مسندني على الدنيا. ملامحها الشاحبة بدأت ترد فيها الروح، وكأن الحقيقة والمسامحة غسلوا الهموم اللي كانت كابسَة على صدرها من وهي طفلة.
حركت صوابعي ببطء عشان ما أقلقهاش، بس هي حسيت بيا فوراً. رفعت راسها وعينيها مليانة دموع، وبصتلي بابتسامة صدمت قلبي من كتر النقاء: “حمد الله على سلامتك يا بابا… الدكتور قال الرصاصة جت في الكتف وما أثرتش على أي شريان رئيسي. ربنا كتبلك عمر جديد.”

