قال زوجي نه مسافر للعمل

في مساء الخميس…

كانت مريم تجلس وحدها في المطبخ تُحرّك الشاي البارد بشرود، بينما تدور المروحة القديمة ببطء فوق رأسها.

كان البيت هادئًا أكثر مما ينبغي.

ابنتها الصغيرة عند والدتها منذ يومين، بعدما أصرت الجدة أن تبقى معها حتى يعود ياسين من سفره.

خمسة عشر يومًا كاملة.

ولأول مرة منذ زواجهما…

كانت تشعر أن البيت بارد رغم حرّ الصيف.

رفعت هاتفها للمرة العاشرة تقريبًا.

لا رسالة.

لا اتصال.

ولا حتى تسجيل صوتي قصير يطمئنها في الأيام الأولى كانت تجد له الأعذار.

“لا بد أنه مشغول.”

“العمل مرهق.”

“الطريق طويل.”

لكن شيئًا داخلها بدأ يرفض التصديق.

لم يكن ياسين هكذا.

حتى في أكثر أيامه انشغالًا، كان يرسل:

“هل تناولتِ طعامك؟”

“كيف حال الصغيرة؟”

“ادعي لي.”

أما هذه المرة فكان غائبًا بطريقة أخافتها.

قبل سفره بأيام، لاحظت أشياء صغيرة لم تهتم بها وقتها.

اشترى قميصين جديدين رغم تذمره الدائم من المصاريف.

وقف طويلًا أمام المرآة يُهذّب لحيته بعناية.

واستعمل عطره الغالي الذي لا يفتحه إلا في المناسبات.

حتى والدتها علّقت ضاحكة:

يبدو كعريس مسافر لا كرجل ذاهب إلى العمل.

ضحك يومها…

لكن مريم تتذكر الآن كيف تهرّب من النظر إليها سريعًا.

رنّ هاتفها فجأة فقطع أفكارها.

ظهر اسم هالة.

ابتسمت تلقائيًا وأجابت:

أين اختفيتِ أنتِ أيضًا؟

جاءها صوت هالة متوترًا قليلًا:

كنت عند خالتي… أردت فقط أن أطمئن عليكِ.

شعرت مريم بشيء غريب في نبرتها.

لكنها تجاهلت الأمر.

كانت هالة أقرب صديقاتها منذ سنوات.

دخلت بيتها مئات المرات.

جلست معها في مرضها وبكت على كتفها بعد طلاقها.

وحملت ابنتها الصغيرة كأنها ابنتها.

حتى ياسين كان يعاملها كأخت للعائلة.

أحيانًا كانت مريم تمزح قائلة:

أشعر أنكِ تعرفين تفاصيل بيتي أكثر مني.

فتضحك هالة وترد:

بيتكِ بيتي أصلًا.

تذكرت الجملة الآن.فشعرت بضيق مفاجئ في صدرها.

بعد منتصف الليل بقليل…

وصلت رسالة أخيرًا من ياسين:

“لا تنتظريني… لدي ضغط عمل.”

قرأت الرسالة مرات عديدة.

ثم فتحت صورته الشخصية دون وعي.

كان قد نشر صورة قبل ساعة داخل مقهى مطل على البحر.

تأملتها طويلًا.

ثم شعرت بشيء غريب.

قال إنه في الدار البيضاء…

لكن المكان لا يشبهها.

أغلقت الهاتف سريعًا وكأنها تخاف من أفكارها نفسها.

في اليوم التالي…

ذهبت إلى بيت والدتها لتأخذ ابنتها.

كانت أمها تراقب وجهها بصمت حتى قالت فجأة:

أنتِ لستِ بخير.

ابتسمت مريم سريعًا:

مجرد تعب.

لكن الأم لم تقتنع.

وخلال الغداء رنّ هاتف مريم.

ظهر اسم ياسين.

أجابت بسرعة:

أخيرًا.

جاء صوته متوترًا قليلًا:

الشبكة كانت سيئة.

ثم سأل مباشرة:

أين أنتِ الآن؟

تعجبت من السؤال.

عند والدتي… لماذا؟

تردد لحظة قبل أن يقول:

لا شيء… فقط سألت.

ثم أنهى المكالمة بسرعة.

رفعت أمها حاجبيها وقالت:

صوته غريب.

ابتسمت مريم محاولة إنهاء الحديث:

ضغط عمل فقط.

لكن قلبها لم يكن مطمئنًا.

في الليلة السادسة من سفره اتصلت به متأخرة.

رد بعد وقت طويل وكان يتنفس بسرعة كأنه خرج للتو من مكان مزدحم.

قالت بهدوء:

هل أيقظتك؟

أجاب بسرعة:

لا… كنت في الحمام.

وفي الخلفية سمعت صوت ضحكة خافتة.

تجمّد الدم في عروقها.

كانت تعرف تلك الضحكة جيدًا.

هالة.

صمتت للحظات طويلة.

ثم قالت:

هل معك أحد؟

تأخر في الرد ثانية واحدة فقط…

لكنها كانت كافية.

بعض زملاء العمل في الصالة.

أغلقت الهاتف بعدها بهدوء.

دون صراخ.دون بكاء.

ثم جلست على طرف السرير حتى الفجر، وهي تعيد تلك الضحكة داخل رأسها مرة بعد مرة.

ومنذ تلك الليلة بدأ شيء بداخلها ينكسر ببطء.

عاد ياسين بعد خمسة عشر يومًا دخل البيت حاملًا أكياسًا كثيرة.

هدايا لابنته وعطرًا لمريم.

وحلوى من المدينة التي قال إنه سافر إليها.

اقترب ليقبّل رأسها…

لكنها ابتعدت قليلًا دون وعي.

توقف للحظة.

ثم ابتسم بتوتر:

ما بكِ؟

رفعت عينيها إليه لأول مرة منذ دخوله.

كان مرهقًا شاحب الوجه قليلًا ومتوترًا بطريقة غريبة.

قالت بهدوء:

كيف كانت الرحلة؟

أجاب سريعًا:

متعبة جدًا.

ثم اتجه مباشرة إلى الحمام.

سمعت صوت الماء طويلًا طويلًا أكثر من المعتاد.

وحين خرج كان يحمل هاتفه معه حتى إلى المطبخ.

يراقبه باستمرار ويقلبه كل دقيقة تقريبًا.

وفي منتصف الليل…

استيقظت مريم فلم تجده بجانبها.

خرجت تبحث عنه بهدوء فوجدته في الصالة المظلمة يتحدث همسًا في الهاتف.

وحين رآها أغلق الخط فورًا.

قال بسرعة:

كانت مكالمة تخص العمل.

لكن وجهه لم يكن وجه رجل يتحدث عن العمل.

في صباح اليوم التالي…

كان ياسين في الحمام حين دخلت مريم الغرفة تبحث عن منشفة لابنتها الصغيرة

وقعت عيناها على حقيبته نصف المفتوحة قرب الخزانة.

لم تكن تنوي التفتيش.

لكن شيئًا داخلها دفعها نحوها.

اقتربت ببطء…

ثم فتحت الجيب الداخلي الصغير.

في البداية لم ترَ سوى أوراق عادية.

حتى سقط ملف أبيض مطوي على الأرض.

انحنت تلتقطه بلا اهتمام…

لكنها تجمدت فور أن قرأت الاسم أعلى الصفحة.

هالة.

شعرت بقلبها يخفق بعنف.

فتحت الورقة بسرعة.

نتائج تحاليل.

ووصفة علاج.

وموعد لإعادة فحص بعد أيام.

وكانت هناك جملة واضحة جعلت الدم يبرد في عروقها:

“يُنصح بإبلاغ جميع المخالطين المباشرين، لأن العدوى قابلة للانتقال.”

توقفت أنفاسها فجأة.

شعرت أن أصابعها فقدت الإحساس.

وفي تلك اللحظة تحديدًا…

اهتز هاتف ياسين فوق السرير.

ظهر اسم هالة.

ظلت مريم تنظر إلى الشاشة للحظات، ثم فتحت الرسالة بيد مرتجفة.

“قال الطبيب إنه يجب علينا إعادة التحليل”

تكررت كلمة علينا داخل عقلها وشعرت أن الأرض تميد تحتها.

إذًا هالة وياسين كلاهما مريض.

رفعت يدها إلى فمها فجأة وهي تشعر بالغثيان ليس لأنه خانها فقط.

بل لأنه عرف أن المرض ينتقل ثم عاد إلى بيتها، ونام بجوارها، ولم يخبرها بشيء.

وفي اللحظة نفسها خرج ياسين من الحمام.

وحين رأى الأوراق والهاتف بيدها…

اختفت الألوان من وجهه دفعةً واحدة.

اقترب بسرعة وانتزع الهاتف منها بعنف وهو يقول:

لماذا تفتشين في أشيائي؟

لكنها لم تعد تسمعه.

كانت تنظر فقط إلى الخوف الحقيقي في عينيه.

ذلك الخوف الذي لا يشبه خوف رجل انكشف بخيانة…

بل خوف رجل يعرف أنه عاد إلى بيته وهو يحمل خطرًا أخفاه عنها عمدًا.

تراجعت خطوة ببطء وهي تشعر أن جسدها كله يرتجف.

ثم رفعت عينيها إليه وهمست بصوت مكسور:

هل كنت تعرف بمرض هالة؟

بعد لحظات طويلة من الصمت…

تراجع ياسين خطوة إلى الخلف، وكأن الكلمات أصابته في صدره مباشرة.

أما مريم…
فكانت تنظر إليه بعينين لم يعرفهما من قبل.

لم تكن تصرخ.
لم تنهَر.
ولم تلقِ شيئًا في وجهه كما يحدث في الأفلام.

كانت فقط تنظر إليه…

وهذا ما أخافه أكثر.

قبضت على الأوراق بيد مرتجفة، ثم قالت بصوت منخفض متقطع:

هل كنت تعرف بمرض هالة… وساكت؟

فتح فمه ليجيب، لكن الكلمات اختنقت داخله.

اقترب منها بسرعة وهو يحاول أخذ الملف من يدها:
مريم… اسمعيني أولًا…

ابتعدت عنه فورًا، وكأنه أصبح غريبًا عنها.

ثم همست بصدمة موجوعة:

إلى هذه الدرجة لم أكن مهمة عندك؟
إلى هذه الدرجة لم يهمك ماذا قد يحدث لي؟

أطرق رأسه دون رد.

فشعرت بشيء داخلها ينهار أكثر.

لأن صمته كان اعترافًا كاملًا.

قالت وهي تنظر إليه بعينين دامعتين:
كنت ستخبرني متى؟
حين أصل إلى مرحلة لا ينفع معها علاج؟
أم بعد أن تتأكد أنني لن أكتشف شيئًا؟

رفع رأسه بسرعة:
لا تقولي هذا…

ضحكت بمرارة موجوعة.

ولماذا لا أقوله؟
أنت عدت إلى البيت وكأن شيئًا لم يحدث.
نمت بجواري.
ولم تقل كلمة واحدة.

ابتلع ريقه بصعوبة.

كان يتنفس بعنف واضح، ويمسح وجهه المرتبك كل بضع ثوانٍ.

ثم قال أخيرًا بصوت مكسور:
لم أكن أعرف كيف أخبرك.

نظرت إليه بعدم تصديق.

لكنك كنت تعرف بما يكفي لتخفي الأوراق.

صمت.

وتعرف بما يكفي لتعيد التحاليل.

صمت مرة أخرى.

شعرت مريم بالغثيان.

لم تعد ترى أمامها الرجل الذي أحبته يومًا.

كل ما كانت تراه…
رجلًا خائفًا على نفسه فقط.

وفجأة قال بسرعة:
الطبيب قال إن العلاج موجود… والأمر يمكن السيطرة عليه.

رفعت عينيها إليه ببطء.

إذًا المرض مؤكد؟

تجمّد للحظة.

وهنا فهمت الإجابة كاملة قبل أن ينطق.

شعرت ببرودة تسري في جسدها.

ثم رفعت الملف أمام وجهه وقالت بصوت مرتجف:

“يُنصح بإبلاغ جميع المخالطين المباشرين لأن العدوى قابلة للانتقال”…
هل قرأت هذه الجملة جيدًا قبل أن تعود إلى سريري؟

أغلق عينيه للحظة طويلة.

ولأول مرة منذ بداية المواجهة…
بدا عاجزًا فعلًا.

لكن مريم لم تعد ترى في ضعفه ما يحرّك شفقة داخلها.

كانت خائفة أكثر مما هي غاضبة.

خائفة من جسدها.
من الأيام الماضية.
من كل مرة اقترب منها فيها بعد عودته.

شعرت فجأة بأن الهواء لا يكفيها.

فابتعدت عنه بسرعة واتجهت نحو النافذة.

فتحتها بعنف.

دخل هواء الليل الساخن إلى الغرفة، لكنها رغم ذلك شعرت بالاختناق.

قال ياسين خلفها بصوت منخفض:
أقسم بالله كنت سأخبرك.

أغمضت عينيها بقوة.

ثم استدارت نحوه ببطء.

متى؟
بعد انتهاء بروتوكول العلاج؟
بعد إعادة التحاليل؟
أم بعد أن تتأكد أنك بخير أولًا؟

لم يجب.

وهنا فقط فهمت الحقيقة كاملة.

هو لم يكن صامتًا خوفًا عليها…

بل خوفًا من نفسه.

خوفًا من الفضيحة.
من انكشاف الخيانة.
من أن يعرف أهلها.
من أن يُقال عنه إنه خان زوجته ثم عاد إليها وهو يحمل مرضًا انتقل إليه من علاقة.

قال فجأة وهو يقترب خطوة:
اخفضي صوتك حتى لا يسمعنا أحد.

نظرت إليه طويلًا.

ثم شعرت بشيء ينكسر داخلها للمرة الأخيرة.

حتى الآن ما يزال يفكر في الناس وليس فيها.

همست بذهول:
هذا أكثر ما تخاف منه الآن؟

ضحكت ضحكة قصيرة مؤلمة.

ثم أشارت إلى الأوراق بين يديها.

أنت دمّرت حياتي يوم عدت إليّ وأنت تعرف كل شيء.

صمت ياسين للحظات، ثم جلس على طرف السرير وكأنه فقد القدرة على الوقوف.

كان شاحبًا بطريقة أخافتها.

لكنها لم تعد تعرف إن كان خوفها عليه…
أم منه.

قال بصوت بالكاد خرج:
الأمر بدأ قبل السفر بفترة.

تجمّدت مريم مكانها.

رفعت عينيها نحوه ببطء.

ماذا تقصد؟

بلل شفتيه بصعوبة ثم قال:
هالة كانت تعرف بالأمر قبل السفر… لكنها قالت إن العلاج بسيط وإن الطبيب طمأنها.

شعرت مريم بأن قلبها يهبط داخل صدرها.

ومع ذلك سافرتما معًا؟

لم يرفع عينيه إليها.

وهنا فهمت شيئًا آخر…

الرحلة لم تكن “غلطة”.

كانت علاقة كاملة.
مستمرة.
ومخفية منذ وقت طويل.

قالت بصوت مكسور:
منذ متى؟

تردد طويلًا قبل أن يجيب:
عدة أشهر.

شعرت وكأن أحدهم ضربها بقوة في صدرها.

عدة أشهر…

خلال كل تلك الفترة كانت هالة تدخل بيتها.
تجلس معها.
تأكل من طعامها.
وتحمل ابنتها الصغيرة بين ذراعيها.

وفجأة تذكرت شيئًا جعل معدتها تنقبض.

قبل أسبوع من السفر…

كانت هالة تجلس في مطبخها تشكو من تعبٍ متكرر وإرهاقٍ غريب.

وقتها قالت لها مريم بقلق:
يجب أن تذهبي إلى طبيب.

لكن هالة ابتسمت بتوتر وقالت:
مجرد التهاب بسيط.

أغمضت مريم عينيها بقوة.

حتى ذلك كان كذبًا.

كل شيء كان كذبًا.

قال ياسين فجأة:
أقسم بالله لم أكن أريد أن تتأذي.

التفتت إليه ببطء.

لكنك آذيتني بالفعل.

ثم أضافت بصوت أكثر انخفاضًا:
أنت لم تخف من المرض…
خفت فقط أن تُفضح.

فتح فمه لينكر، لكنها قاطعته فورًا:

لو كنت تخاف عليّ فعلًا…
لما عدت إلى هذا البيت دون أن تخبرني.

ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.

حتى صوت السيارات في الخارج بدا بعيدًا.

ثم سألته فجأة:
هل اقتربت مني بعد عودتك لأنك كنت تظن أن العلاج سيحل كل شيء؟

اتسعت عيناه بصدمة.

لكنها فهمت الإجابة من وجهه قبل أن يتكلم.

شهقت بخفوت وتراجعت خطوة.

يا الله…

وضعت يدها فوق فمها وهي تشعر بالغثيان.

ثم اتجهت بسرعة نحو الحمام.

أغلقت الباب خلفها بعنف، وانحنت فوق المغسلة تتنفس بصعوبة.

كانت ترتجف بالكامل.

ليس من الغيرة.
ولا من الخيانة فقط.

بل من فكرة أنه عرف الحقيقة…
ثم عاد إليها طبيعيًا وكأن سلامتها ليست مهمة.

وفي الخارج…

ظل ياسين واقفًا قرب الباب يقول بصوت مرتبك:
مريم… افتحي الباب.
دعينا نتحدث بهدوء.

لكنها لم تجبه.

جلست على الأرض الباردة وأسندت ظهرها إلى الباب.

ثم بدأت تبكي أخيرًا.

بكاء مكتومًا مؤلمًا…
كأنها تحاول ألا يسمعها أحد.

تذكرت ابنتها الصغيرة.
ضحكتها.
طريقتها وهي تجري نحو أبيها كلما عاد من العمل.

وشعرت برعب حقيقي.

إذا كان قد خاطر بها هي…
فهل كان مستعدًا للمخاطرة بكل شيء فقط حتى لا ينكشف أمره؟

بعد دقائق طويلة…

خرجت أخيرًا من الحمام.

كانت عيناها حمراوين، لكنها بدت أهدأ بطريقة مخيفة.

تجاوزته دون كلمة.

ثم أخذت هاتفها وجلست على طرف السرير.

رفع رأسه نحوها بقلق:
ماذا تفعلين؟

أجابته دون أن تنظر إليه:
أحجز موعد تحاليل.

ثم أضافت وهي تنظر مباشرة إلى عينيه:

وإذا أصابني شيء بسببك…
فلن أسامحك ما حييت.

وفي اللحظة نفسها…

اهتز هاتفه فوق الطاولة.

ظهر اسم هالة من جديد.

لكن هذه المرة…
وصلت رسالة صوتية قصيرة قبل أن يستطيع إخفاءها.

وانطلق صوت هالة داخل الغرفة بوضوح مرتجف:

“ياسين… الطبيب قال إن إعادة التحاليل ضرورية قبل استكمال العلاج… وإذا عرفت مريم الحقيقة كاملة فسينتهي كل شيء…”

انقطع التسجيل.

وساد صمت ثقيل داخل الغرفة.

أما مريم…
فشعرت أن شيئًا باردًا انكسر داخلها نهائيًا.

رفعت عينيها نحوه ببطء.

ثم سألت بصوت خافت مرعب:

ما الحقيقة التي تقصدها؟

ارتبك ياسين بسرعة:
لا شيء… هالة تبالغ فقط.

لكن يده المرتجفة فضحته.

اقتربت مريم من الطاولة، وأعادت فتح الملف ببطء.

وبين الأوراق الطبية…
وجدت ورقة مطوية بختم محامٍ.

فتحتها بلا اهتمام في البداية…

لكنها تجمدت فور أن قرأت السطر الأول.

“عقد زواج عرفي…”

شعرت بأن أنفاسها اختفت للحظة.

رفعت عينيها إليه بذهول:
تزوجتها؟

أخفض رأسه دون رد.

وهنا فقط فهمت الحقيقة كاملة.

لم تكن علاقة عابرة.
ولا نزوة سفر.

كان يعيش حياة أخرى كاملة خلف ظهرها.

قال بصوت مكسور:
كنت سأخبرك لاحقًا.

ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة.

لاحقًا؟ ستخبرني بعد أصابتي
لم يجب.

فهمت من صمته كل شيء.

هو لم يصمت خوفًا عليها بل خوفًا من انهيار حياته.

قال بسرعة:
أقسم بالله لم أكن أريد أذيتك.

نظرت إليه طويلًا.

ثم همست:
لكنك فعلت.

وفي تلك الليلة…

لم تصرخ مريم.
ولم تفضحه أمام أحد.

حتى بعد أن اكتشفت المرض والزواج العرفي…

بقيت جالسة على طرف السرير بصمت طويل، كأن عقلها يحاول استيعاب حجم ما حدث.

أما ياسين…
فكان يراقبها بخوف حقيقي لأول مرة.

كان ينتظر انهيارها لكن ما أخافه أكثر أنها كانت هادئة.

مسحت دموعها ببطء.

ثم رفعت عينيها إليه وقالت بصوت متعب:

أنت متزوجها، صحيح؟

أخفض رأسه دون رد.

فهمت الإجابة فورًا.

أخذت نفسًا عميقًا…
ثم قالت بهدوء غريب:

إذًا اذهب وعِش معها.

رفع رأسه بسرعة وكأنه لم يفهم.

لكنها أكملت بنفس النبرة الهادئة:

البيت هذا لن تبقى فيه بعد الليلة. خذ ملابسك، واذهب إلى المرأة التي اخترتها.

اقترب منها مرتبكًا:
مريم… لا تفعلي هذا الآن، أنتِ منفعلة

قاطعتْه فورًا:

أنا هادئة جدًا يا ياسين.
هادئة للدرجة التي جعلتني أفهم أن الرجل الذي يخاف على زوجته لا يعود إلى فراشها وهو يخفي عنها مرضًا ينتقل بالمخالطة.

اختنقت الكلمات داخل حلقه.

أما هي فنهضت ببطء، وفتحت الخزانة بنفسها.

أخرجت حقيبة سفره الكبيرة وضعتها قرب الباب.
ثم عادت تنظر إليه بثبات موجع.

لن أمنعك من ابنتك.ولن أفضحك.
ولن أذهب لأهلك أو لأهلي لأحكي شيئًا.

سكتت لحظة ثم أضافت:

لكنك لن تعيش هنا بعد اليوم.

ظل يحدق فيها غير مستوعب.

ربما لأنه توقع صراخًا أو مشهدًا هستيريًا.

لكنه لم يتوقع امرأة موجوعة تحتفظ بكرامتها حتى وهي تنهار.

قال بصوت مكسور:
إلى أين أذهب الآن؟

ضحكت بمرارة.

إلى زوجتك.

ساد صمت ثقيل داخل البيت.

ثم أضافت وهي تنظر مباشرة إلى عينيه:

ومصاريف البيت وابنتك ستصل كاملة كل شهر.
مهما حدث بيننا… ابنتك ليست مسؤولة عن خطاياك.

شعر وقتها بشيء يشبه الصفعة.

لأنها رغم كل ما فعله كانت أكثر اتزانًا منه.

وفي تلك الليلة…

خرج ياسين من البيت لأول مرة منذ زواجهما وهو يشعر أنه غريب.

أما مريم…

فما إن أغلقت الباب خلفه حتى جلست على الأرض تبكي بصمت.

ليس لأنه ذهب…

بل لأن البيت الذي بنته معه سنوات انهار في ليلة واحدة.

وفي صباح اليوم التالي…

ذهبت مريم وحدها لإجراء التحاليل.

كانت ترتجف طوال الطريق.

جلست في غرفة الانتظار بين نساء لا تعرفهن، بينما كانت تشعر أن قلبها يطرق صدرها بعنف.

كل دقيقة مرت عليها كأنها ساعة كاملة.

وحين ظهرت النتائج أخيرًا بكت بصمت داخل غرفة الطبيبة.

لقد كانت بخير.

شعرت وقتها أن الله رحمها قبل أن تضيع حياتها بالكامل.

خرجت من العيادة ووقفت طويلًا في الشارع.

رفعت وجهها إلى السماء وهي تحاول منع دموعها.

ثم همست:

الحمد لله.

أما ياسين…

فاستأجر شقة صغيرة وعاش فيها مع هالة.

وفي البداية كان يظن أنه اتخذ القرار الصحيح.

كانت هالة تهتم به تُحضّر له الطعام وترافقه إلى الطبيب.
وتجلس معه ساعات طويلة.

وكان يكرر دائمًا فترة علاج فقط… وكل شيء سيعود طبيعيًا.

وبالفعل بدأت حالة هالة تتحسن بسرعة واضحة.

كانت نتائج تحاليلها أفضل مع كل زيارة والطبيب طمأنها أكثر من مرة أن العلاج يسير بشكل ممتاز.

وفي أحد الأيام خرجت من العيادة وهي تبتسم لأول مرة منذ شهور.

وقالت لياسين بارتياح:
الحمد لله… الطبيب قال إنني أصبحت أفضل بكثير الآن.

ابتسم لها بتعب…
لكنه شعر بشيء ثقيل ينقبض داخله.

لأن الطبيب قال له قبل دقائق فقط:

حالتك تحتاج متابعة أطول… والاستجابة ليست بنفس السرعة.

ومنذ تلك اللحظة بدأ كل شيء يتغير.

هالة التي كانت تبقى بجانبه دائمًا صارت أكثر ضيقًا وعصبية.

تتذمر من تعبه المستمر ومن مواعيد المستشفى.
ومن مزاجه المنهك.

أما ياسين فكان يزداد ضعفًا يومًا بعد يوم.

خسر الكثير من وزنه وصار يغيب عن عمله باستمرار.
وحتى وجهه تغيّر.

وفي كل مرة ينظر إلى نفسه في المرآة كان يرى رجلًا يدفع ثمن لحظة ظنها سعادة.

أما هالة فكلما تحسنت صحتها ازدادت رغبتها في الهروب من تلك الحياة.

بدأت تخرج كثيرًا تتأخر خارج البيت وأحيانًا تختفي يومًا كاملًا دون تفسير.

وحين يسألها ترد ببرود:
لا أستطيع أن أعيش طوال الوقت بين الأدوية والمستشفيات.

وفي إحدى الليالي…

عاد ياسين من جلسة علاج طويلة وهو بالكاد يستطيع الوقوف.

ناداها أكثر من مرة. لكن الشقة كانت صامتة.

اقترب من الغرفة ببطء…

فوجد خزانتها مفتوحة ومعظم ملابسها اختفت.

شعر ببرودة تسري في جسده.

أمسك هاتفه بسرعة واتصل بها مرة…
ثم عشرات المرات.

لكنها لم ترد.

وفي منتصف الليل فقط وصلته رسالة قصيرة:

“تعبت من هذه الحياة يا ياسين… سامحني.”

ظل يقرأ الرسالة طويلًا.

ثم جلس على طرف السرير يبكي لأول مرة منذ شهور.

في تلك اللحظة فقط فهم الحقيقة القاسية كاملة.

المرأة التي خاطر ببيته وابنته وزوجته لأجلها…

رحلت فور أصبحت الأيام ثقيلة.

أما مريم التي كسر قلبها…

فكانت الوحيدة التي لم تهنه أمام الناس، ولم تفضحه رغم كل ما فعله.

مرت الأسابيع بعدها ببطء قاسٍ صار ياسين أضعف بكثير.

وجهه شاحب دائمًا وخطواته متعبة.
حتى أمه بدأت تبكي كلما رأته وكان كل يوم يكتشف شيئًا جديدًا:

أن البيت الهادئ الذي كان يملكه…
كان نعمة.

وأن الزوجة الأصيلة لا تُعرف في أيام القوة بل حين يسقط الرجل.

وفي إحدى الليالي…

سقط ياسين مغشيًا عليه داخل المسجد بعد صلاة العشاء.

وحين وصل الخبر إلى مريم…

شعرت بقلبها يرتجف رغم كل شيء.

قاومت نفسها كثيرًا.

قالت إنها لا يجب أن تهتم وأنه اختار طريقه بنفسه.

لكنها في النهاية ذهبت.

دخلت غرفته في المستشفى بهدوء.

وحين رآها بكى.

بكى بطريقة لم ترها منه من قبل.

لم يكن بكاء رجل يحاول إقناع امرأة بالعودة.

كان بكاء إنسان فهم متأخرًا حجم خسارته.

قال بصوت متعب:
كنت أظن أن الحب هو أن يفعل الإنسان ما يريد… ثم يعود فيُسامحونه.

سكت قليلًا وهو يتنفس بصعوبة.

ثم أكمل:
لكنني فهمت متأخرًا أن الإنسان لا يعرف قيمة بيته إلا حين يضيعه بيده.

لم ترد مريم.

كانت تنظر إليه فقط إلى وجهه الشاحب وعينيه المرهقتين وضعفه الذي لم تتخيله يومًا.

ثم قال بصوت مكسور: هالة تركتني حين تعبت وأنتِ جئتِ رغم كل ما فعلته بكِ.

أخفضت مريم عينيها.

ثم قالت بهدوء:
لأن بيني وبين الله عشرة يا ياسين ولأنني لا أترك مريضًا وحده حتى لو كسر قلبي.

بكى أكثر ومنذ تلك الليلة صارت تزوره.

تطمئن على دوائه وتتأكد أنه يأكل وتترك ابنته تجلس معه ساعات طويلة.

لكن شيئًا واحدًا لم يعد أبدًا قلبها.

كانت ترعاه بإنسانية لا بحب.

أما هو…

فكان يرى الفرق بوضوح قاتل.

الفرق بين امرأة أحبته بصدق وامرأة أحبته ما دام قويًا.

وفي أحد الأيام طلب منها أن تجلس بجواره قليلًا.

كان أضعف من السابق بكثير.

نظر إليها طويلًا ثم قال:
سامحيني.

أغمضت عينيها للحظة.

ثم أجابت بهدوء:
أسامحك على حقي عندي لكن بعض الكسور لا تعود كما كانت.

هز رأسه بتعب.

وكأنه أخيرًا فهم ذلك.

قبل وفاته بأيام طلب رؤية ابنته.

ضمّها طويلًا وهو يبكي.

ثم همس لمريم حين خرجت الصغيرة من الغرفة:

لا تجعليها تكرهني.

شعرت بغصة حادة في حلقها.

ثم قالت:
ستعرف أنك أخطأت لكنها ستعرف أيضًا أنك كنت تحبها.

ابتسم لأول مرة منذ شهور.

ابتسامة متعبة جدًا.

وفي فجر يوم جمعة رحل ياسين بهدوء.

دون ضجيج.
ودون أن يسمع أحد اعترافاته الأخيرة.

أما مريم…

فوقفت بعد دفنه تنظر إلى السماء بصمت طويل.

لم تبكِ كما توقعت.

كانت تشعر بحزن غريب…
يشبه وداع شيء مات داخلهما منذ زمن بعيد.

وفي تلك الليلة عادت إلى بيتها جلست قرب ابنتها النائمة.
وأطفأت الضوء بهدوء.

ثم فهمت أخيرًا…

أن بعض النساء لا يربحن الرجال في النهاية.

بل يربحن أنفسهن.

وأن الزوجة الأصيلة لا تظهر في أيام الراحة…
بل حين يسقط الجميع ويهرب الجميع.

وحينها فقط…
يعرف الرجل متأخرًا جدًا…

الفرق بين امرأة بنت معه بيتًا،
وامرأة كانت مجرد محطة هروب مؤقتة في لحظة ضعف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *