الفيزا بتاعتي ج 4

روماني مكرم

سقط الهاتف من يدي على أرضية البلكونة، بينما كانت ألسنة اللهب البرتقالية تصعد لتلتهم ما تبقى من سيارة أبي، وصوت فرقعة الإطارات يمزق سكون الليل. جيران الشارع استيقظوا على الكارثة، ونزل الشباب بجرادل المياه وطفاية حريق من المحل المجاور محاولين السيطرة على الحريق قبل أن يمتد لباقي السيارات أو لمدخل العمارة.

أمي ركضت نحوي وهي تصرخ، وأبي خرج يجر قدميه بوهن، وما إن نظر من البلكونة ورأى سيارته—التي كانت سنده الوحيد في مرضه—تتحول إلى كومة من الصفيح المتفحم، حتى تراجع للخلف وهو يمسك بصدره، وأنفاسه تخرج متقطعة.

“بابا!” صرخت ريم وهي تسنده قبل أن يسقط على الأرض.

تجمعنا حوله والذعر يأكلنا، وضعت يدي في جيبي لأخرج هاتفي لأطلب الإسعاف، فتذكرت الرسالة.. تذكرت التهديد: *”والجاية في ريم أختك”*.

نظرت إلى ريم التي كانت تبكي وخوفها كله على أبي، وشعرت برعب لم أختبره من قبل. حازم في السجن، لكن أمه وشبكة معارفه الفاسدة بالخارج ينفذون انتقامه بدم بارد. هم لا يريدون المال، بل يريدون كسرنا وإذلالنا كعقاب على تمردي.

وصلت سيارة الإسعاف بالتزامن مع سيارة الإطفاء التي أخمدت الحريق. نقلنا أبي إلى المستشفى سريعاً، ومرت ساعات الليل كأنها دهور وأنا أقف في الممر الضيق، والمروحة المعلقة في سقف المستشفى تصدر صوتاً رتيباً أعادني للحظة الأولى التي طلب فيها حازم الباسورد. كم كنت مغفلة!

خرج الطبيب أخيراً وطمأننا أن أبي أصيب بذبحة صدرية خفيفة نتيحة الصدمة، وتم إسعافه في الوقت المناسب، لكنه يحتاج لراحة تامة وابعاد عن أي توتر.

جلست أمي بجواره تبكي بصمت، بينما سحبتُ ريم من يدها بعيداً عن الغرفة، وقلت لها بنبرة حاسمة وعيناي تتفحصان الممر خوفاً من أن يكون هناك من يراقبنا:

“ريم.. من هنا ورايح مش هتمشي خطوة واحدة لوحدك. مفيش نزول للجامعة، ومفيش خروج من البيت إلا وأنا معاكي.. حازم مش هيسكت.”

ريم نظرت إليّ بعينين متسعتين: “قصدك إنهم هما اللي حرقوا العربية؟”

أومأت برأسي دون أن أريها الرسالة حتى لا تصاب بالرعب.

في الصباح التالي، تركت أمي وريم مع أبي في المستشفى، وتوجهت مباشرة إلى قسم الشرطة لتقديم بلاغ بحرق السيارة وإرفاق الرسالة التهديدية التي وصلتني.

جلس أمامي ضابط المباحث، تفحص الرسالة بعناية، ثم قال:

“الخط ده معمول برقم غير مسجل (خط زائر)، وصعب تتبعه فوراً.. وحازم السيوفي محبوس على ذمة الق*ضية الأولى، يعني قانونياً هو مش الفاعل. لكن واضح إن والدته أو حد تبعهم هو اللي بيتحرك. إحنا هنعمل تحريات، بس لازم تاخدوا حذركم.”

خرجت من القسم وأنا أشعر أن القانون، رغم قوته، يحتاج إلى وقت.. والوقت ليس في صالحنا، فخطرهم يحيط بأختي في كل لحظة.

عدت إلى المستشفى، وقبل أن أدخل غرفة أبي، وجدت المحامي الذي وكلناه لإعادة الشبكة واقفاً ينتظرني في الممر، ووجهه يحمل علامات القلق.

قال بصوت منخفض: “آنية سارة.. أنا رحت النهارده لبيت والدة حازم عشان أسلمهم الشبكة ومصاريف الخطوبة بموجب محضر رسمي ونقفل الصفحة دي زي ما اتفقنا.”

بلعت ريقي وقلت: “ورفضوا يستلموها؟”

هز المحامي رأسه وقال بجفاء جمد الدماء في عروقي:

“يا ريتهم رفضوا.. والدة حازم رمت الذهب في وشي وقالت لي بالحرف الواحد: ‘قول لسارة الذهب والفلوس دي متبلش ريقنا.. إحنا حقنا هناخده شرف ونفس قصاد اللي عملته في ابني.. والصلح مش هيتم إلا بشروطنا إحنا، وأول شرط إنها تيجي تتنازل في النيابة وتكتب كتابها على حازم وهو في السجن، عشان تطلع معاه وتبقى تحت طوعه ساعتها بس النار اللي قادت مش هتوصل لأختها’.”

وقفت مذهولة.. المساومة أصبحت علنية، وإما أن أبيع نفسي وجسدي ومستقبلي لشخص مجرم، أو أدفع ثمن حرية أختي ريم.

وفي تلك اللحظة، اهتز هاتفي في يدي مرة أخرى.. كانت رسالة جديدة من نفس الرقم المجهول، تحتوي على صورة لريم وهي تقف في شرفة غرفتنا بالمنزل الآن، ومكتوب تحتها:

“رجعنا البيت عشان نجيب هدوم لبابا.. تفتكري هتلحقي توصلي لها قبل ما الشقة تولع هي كمان؟”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

لم أعد أشعر بقدمي، ركضت خارج المستشفى بجنون دون أن أنطق بكلمة لريم أو المحامي. استوقفت تاكسي وأنا أصرخ في السائق: “بسرعة! أي سرعة تقدر عليها، بيت أهلي في [اسم الحي]!”

طوال الطريق، كنت أكتب رسالة لضابط المباحث الذي قابلته، أرسلت له صورة الرسالة التي وصلتني وعنوان المنزل، وطلبت النجدة فوراً. قلبي كان يدق بعنف، وصورة ريم وهي في البلكونة تلاحقني في خيالي. هل هي بخير؟ هل هناك من يترصدها الآن؟

وصلت إلى العمارة، وكانت الشقة في الطابق الرابع. صعدت السلم كالمجنونة، قفزت درجات السلم درجتين في كل مرة، حتى وصلت أمام الباب. كان مقفلاً، لكن سمعت صوتاً خافتاً من الداخل.

“ريم؟ ريم افتحي!”

صمت.. ثم سمعت صوت ريم المرتجف من خلف الباب: “سارة؟ مين اللي بيخبط على الباب التاني؟ فيه حد بيحاول يفتح الباب من بره!”

لم تكن في الشرفة كما قالت الصورة، كانت في الداخل تحاول إغلاق الترباس. اندفعت بكل قوتي أركل الباب وأصرخ: “يا جيران! يا ناس الحقوني!”

في تلك اللحظة، سمعت صوت تكسير في باب الشقة الجانبي. لم يكن الفاعل يحاول كسر بابنا، بل كان يحاول الدخول من شقة الجيران المهجورة التي تتصل بلكونتها ببلكونتنا.

لم أفكر في حياتي، دفعت الباب بكل قوتي، دخلت وجدت ريم في حالة انهيار في الصالة. توجهت فوراً إلى البلكونة، رأيت رجلاً ملثماً يقفز من بلكونة الشقة المجاورة إلى بلكونتنا، وفي يده زجاجة تشبه تلك التي أُلقيت على السيارة!

بمجرد أن رآني، تجمد في مكانه. لم يكن يتوقع وجودي. التقطتُ من الأرض “مِقشة” خشبية قوية كانت موجودة في البلكونة واندفعت نحوه كالمجنونة، أضرب بكل ما أوتيت من قوة. الملثم ارتبك، فقد توازنه وسقط على أرضية بلكونتنا، وانكسرت زجاجة المولوتوف في يده قبل أن يشعلها، فانسكبت المادة الحارقة على أرضية البلكونة وبدأت النيران تشتعل في طرف الباب.

“ريم، المية! هاتي أي حاجة!”

كانت ريم قد استجمعت قواها وجلبت جردل مياه كانت أمي تستخدمه للزرع، وأفرغناه سوياً على النار بينما كنت أضرب الملثم بكل قوتي. حاول النهوض، لكن الجيران كانوا قد سمعوا صراخي وبدؤوا يطرقون بابنا بعنف، مما أفزعه.

رمى بنفسه من البلكونة إلى الشرفة المجاورة مرة أخرى وهرب هارباً نحو السطوح.

وقفتُ ألهث، ورائحة البنزين تملأ المكان، والدموع تنهمر على وجهي. لم يمر دقائق حتى سمعت صوت سيارات الشرطة تقتحم الشارع. كان الضابط الذي أرسلت له الرسالة قد استجاب بسرعة قياسية.

نزل الضابط مع أفراده، صعدوا إلى السطوح، وسمعنا أصوات عراك، ثم صوت “الكلبشات”. وبعد لحظات، نزل الضابط ومعه الملثم.. لم يكن سوى موظف أمن الشركة الذي كان شريك حازم في ج*ريمة المخزن!

أمسك الضابط به، وبدأ في استجوابه في الممر أمامنا. “مين اللي بعتك؟”

الرجل، الذي كان يرتجف خوفاً، نظر إليّ ثم إلى الضابط وقال بصوت خائف:

“والدة حازم هي اللي ادتني الفلوس.. وقالت لي إن حازم لو مخرجش خلال يومين، لازم أحرق البيت بمن فيه عشان سارة تخاف وتوافق على شروطهم وتتنازل عن الق*ضية!”

شعرت بنصر مرير.. أخيراً لدينا اعتراف مباشر ضد والدة حازم. لكن الضابط اقترب مني وقال بصوت جاد:

“يا آنسة سارة، اللي عملتيه ده شجاعة، بس خطر جداً. والدة حازم دلوقتي بقت في حكم المحرض على الق*تل والشروع في ح*رق عمد. بس خدي بالك.. حازم ووالدته عارفين إن دي فرصتهم الأخيرة، وهم دلوقتي في حالة جنون. لازم ريم وأهلك يروحوا مكان تاني خالص لحد ما الق*ضية تخلص.”

سألت الضابط بضعف: “إحنا في أمان؟”

نظر إليّ وقال: “مش دلوقتي.. لأن الموظف ده اعترف بحاجة تانية.. قال إن فيه ‘شخص تاني’ مأجور لسه في الطريق، ومهمته مش الحرق.. مهمته الخطف.”

في تلك اللحظة، رن هاتفي مرة أخرى. لم يكن من رقم مجهول هذه المرة، بل من رقم محاميني الخاص، قال بصوت مذعور: “سارة.. حازم السيوفي هرب من عربية الترحيلات وهو في طريقه للنيابة!”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *