كشف المستور حكايات علي ابو الدهب 3
مرت سنتين على الليلة اللي الستار فيها نزل على الق*ضية اللي هزت الرأي العام. سنتين كاملين وأنا بحاول أبني من جديد كل حاجة اتهدت جوايا.
المحكمة حكمت بالإعدام على رامي، وبالسجن المؤبد على أمي بتهمة التحريض والمشاركة في القتل العمد والشروع فيه. في الأول، كان جوايا شرخ كبير، إحساس بالذنب بياكل في قلبي كل ما أفتكر إن قلمي وإمضائي والأدلة اللي جمعتها بإيدي هي اللي ودت أمي وأخويا ورا الشمس. بس كل ما كنت ببص لوش كريمة وهي راجعة لصحتهما وبضحكتها اللي ردت في البيت، ولماجد وهو بيكبر قدام عيني في أمان، كنت بعرف إن اللي عملته كان الصح الوحيد اللي ينفع يتعمل.
الحياة بدأت تمشي في خط هادي، نقلت من شقتنا القديمة—شقة الكوابيس—واشتريت شقة جديدة في مكان بعيد تماماً، عشان أقطع كل حبل يربطنا بالماضي. كريمة رجعت لدراستها وشغلها، وأنا اترقيت في مكتبي وبقيت رئيس قطاع التفتيش.
وفي يوم من الأيام، وأنا قاعد في مكتبي براجع ملفات ق*ضية فساد جديدة، تليفوني رن. الرقم كان من إدارة السجن اللي فيه أمي.
رديت بقلب مقبوض: “أيوة، مع حضرتك طارق فؤاد”.
جالي صوت المأمور هادي وقاطع: “البقاء لله يا طارق بيه. الوالدة زينات عبد الحميد توفت النهارده الصبح في مستشفى السجن بعد هبوط حاد في الدورة الدموية. وجدنا معاها ظرف كاتب عليه اسمك، وموصية إنه يتسلم ليك شخصياً قبل الدفن”.
استلمت الج*ثة، ودفنت أمي في صمت تامر، مكنش فيه غيري أنا وكريمة وعدد قليل جداً من المعارف. بعد الدفن، رجعت البيت وقعدت في مكتبه لوحدي. طلعت الظرف اللي مأمور السجن سلمهولي. كان ورق أصفر قديم، ومكتوب عليه بخط إيد أمي اللي بدأ يرتعش في أيامها الأخيرة.
فتحت الورقة وقريت:
”إلى طارق.. الابن اللي قسيت عليه وقسي عليا.
أنا عارفة إنك بتكرهني، وشايفني الوحش اللي دمر العيلة. أنا مش بطلب منك سماح، لأن اللي زيي مبيطلبش السماح. بس وأنا بقابل رب كريم، لازم تبرئ ذمتي من حاجة واحدة.. أنت طول عمرك بتسأل ليه أنا كنت بفضل رامي عليك، وليه كنت مستعدة أموت عشان مصلحته.
طارق.. أنت مش ابن فؤاد عبد الهادي.
أبوك الحقيقي هو (….) اللي فؤاد قت*له زمان في ليلة غبرة ودفن ج*ثته تحت أرض بيتنا القديم، وأجبرني أعيش معاه وأربي رامي. فؤاد مكنش الضحية يا طارق، فؤاد كان القاتل.. وأنا لما خلصت منه، كنت باخد بتار أبوك الحقيقي، ولما رامي عرف، ساعدني عشان يحميني. أنا كنت طالعة بيك وبأخوك من مستنقع دم، بس أنت اخترت تنهي الحكاية بإيدك.. فتش تحت بلاط السرداب في البيت القديم، وهتعرف إنك حبست اللي انتقمت لأبوك الحقيقي”.
الورقة وقعت من إيدي، والدنيا لفت بيا.
هل يعقل؟ كل السنين دي.. كل التحقيقات، كل الوجع، يطلع وراه سر أعمق وأقذر؟
جريت على برا، كريمة شافت وشي المخطوف وقفت مخضوضة: “في إيه يا طارق؟ أمك كتبتلك إيه؟”
بصيتلها وعيني مشوشة بالدموع والصدمة: “أمي مسبتنيش ارتاح حتى وهي ميتة يا كريمة.. أمي سابتلي لغز يهد حياتي من جديد”.
بدون تفكير، أخدت مفاتيح عربيتي وطلعت جري على بيتنا القديم.. البيت المهجور اللي بقاله سنتين مقفول والشمع الأحمر اترفَع عنه من شهور بسيطة. دخلت البيت، ريحة التراب والذكريات الميتة كانت بتخنقني.
نزلت للسرداب الصغير اللي تحت الأرض، وبإيد بترتعش، مسكت عتلة حديد وبدأت أكسر في البلاط القديم اللي في الزاوية.. زي ما أمي كتبت بالظبط.
بعد ساعتين من الحفر والتعب والدموع اللي بتعمي عيني، الحديد خبط في حاجة صلبة.. صندوق خشب قديم ومتهالك. فتحته بقوة.. وجوا الهيكل العظمي، كان فيه محفظة جلدية قديمة جداً، فتحتها وطلعت منها بطاقة شخصية وصورة..
الصورة كانت لراجل شبهي لدرجة تطابق مرعبة.. وبطاقته كانت باسم شخص تاني خالص ملوش أي صلة بعيلة عبد الهادي. وجنب الصورة، ورقة زواج عرفي قديمة بين الراجل ده.. وبين أمي.
قعدت على الأرض وسط التراب والج*ثة القديمة، وأنا بضحك وببكي في نفس الوقت.
أمي مكدبتش في دي.. بس هي نسيت حاجة واحدة. نسيت إن الج*ريمة بتولد جري*مة، وإن الانتقام بالدم مبيجيبش غير الدم. فؤاد قت*ل أبويا الحقيقي، وأمي قت*لت فؤاد، وأنا حبست أمي وأخويا.. حلقة مفرغة من الوحوش اللي عاشوا في ضل بعض.
طلعت تليفوني للمرة الأخيرة، وكلمت زمايلي في الطب الشرعي: “عندي ج*ث*ة قديمة محتاج رفاتها.. الحكاية القديمة لسه مخلصتش”.
بعد سنة كاملة من تحقيقات هادية وقضايا إثبات نسب وتصحيح أوراق..
قفلت الق/ضية دي تماماً ودفنت الرفات في قبرها الحقيقي. غيرت اسمي في الأوراق الرسمية، اتخلصت من لقب “عبد الهادي” للأبد، وبقيت “طارق” وبس.. الراجل اللي ملوش ماضي، بس ليه حاضر ومستقبل بيحميه.
رجعت البيت، كريمة كانت مستنياني وعاملة عشا هادي. ماجد جِري عليا وحضن رجلي: “بابا وحشتني”.
شيلته وضgroupته لحضني بكل قوتي، وبصيت لكريمة وقلت:
”المرة دي بجد يا كريمة.. الحكاية انتهت، والوحوش كلها ماتت واندفنت، ومبقاش فاضل غيرنا.. إحنا وبس”.
جلسنا نحن الثلاثة شرفة شقتنا الجديدة، حيث الهواء نقي، والأنوار البعيدة تتلألأ في هدوء كأنها ترحب ببدايتنا الجديدة.
نظرتُ إلى كف يدي؛ لم تعد هناك آثار لضغوط الماضي ولا لارتجاف الصدمات. كل شيء بات مستقراً، والعدالة وإن كانت قاسية، فقد وضعت كل ذي حق في مكانه، ودفنت أسرار الموتى حيث ينبغي لها أن تنام.
كريمة وضعت كوب الشاي أمامي، وجلست تسند رأسها على كتفي، بينما كان ماجد يلهو ببعض ألعابه على السجادة، يصدر ضحكات بريئة تقطع صمت الليل الجميل. التفتَتْ إليّ وقالت بنبرة ملؤها الطمأنينة:
”تعرف يا طارق.. لأول مرة من سنين بحس إن النفس اللي بطلعه مفيش معاه خوف. بحس إن الحيطة دي بتحمينا بجد، مش بتراقبنا”.
ابتسمت وطبعت قبلة على جبينها:
“لأنك صمدتي يا كريمة. لأنك عديتي بجهنم وفضلتي واقْفة عشان ابننا.. وعشاني”.
في عملي الجديد، أصبحتُ أكثر هدوءاً، لكنني أشد حزماً. علمتني هذه التجربة المريرة أن القانون ليس مجرد نصوص تُقرأ، بل هو درع يحمي الأبرياء من وحوش يرتدون ثياب الأقارب. لم يعد اسمي يربطني بقاتل، ولم تعد جينات الدم تحدد من أنا.. أنا طارق، الإنسان الذي اختار أن يكون عادلاً ونقياً رغم كل القذارة التي أحاطت بنشأته.
نظرتُ إلى ماجد، وهو يركض نحوي ويرتمي في أحضاني، يطالبني بقراءة قصته المفضلة قبل النوم. شلته بين ذراعي، وبصوت خافت مليء بالعهد، همست له:
“أنت هتكبر في النور يا ماجد.. مفيش أسرار في دولابك، ومفيش خوف في كبّاية ميتك”.
أغلقتُ باب الأوضة على ابني وهو نائم، وعدتُ لأقف بجانب كريمة ننظر إلى السماء. الحكاية التي بدأت بكاميرا مستخبة وصدمة عمر، انتهت بأعظم حقيقة يمكن أن يصل إليها إنسان: إن العيلة مش بالدم.. العيلة هي الأمان اللي بنبنيه بإيدينا، والقلوب اللي بتخاف علينا بجد.
تنفسنا معاً عميقاً.. ولأول مرة، كانت النسمة باردة، خفيفة، وخالية تماماً من طعم السموم.
