حق بنتي حكايات علي ابو الدهب 2

بعد ما الحضن الطويل بين آية وهنا هدي، والبيت رجع له ديرته، قعدت على الكرسي بتاعي وبصيت لبنتي وهي بتمسح دموع هنا وبتقول لها: “خلاص يا قلب ماما، إحنا مع جدو ومش هنبعد عن بعض تاني أبداً”.

​آية رفعت عينيها ليا، وكان في عينيها سؤال عاجز مش عارفة تقوله، قربت مني وقعدت تحت رجلي زي زمان وقالت بصوت واطي: “كريم مش هيسكت يا بابا.. كريم معاه فلوس ومعارف، أنا خايفة يعمل فيك حاجة أو يلفق لنا مصيبة تضيعنا”.

​طبطبت على شعرها وقلت بابتسامة ثقة: “كريم خلاص بقى كارت محروق يا آية. المحقق الجنائي لما بيمسك خيط، مبيسبهوش إلا والقضية متقفلة بالضبة والمفتاح. الفلوس اللي كان سانده عليها اتحجز عليها، والمعارف اللي كان بيتباهى بيهم، أول ناس هيتخلوا عنه عشان ينجدوا بنفسهم”.

​في اللحظة دي، تليفوني رن.. كان رقم غريب، بس أنا كنت مستنيه.

​فتحت الخط وجاء لي صوت أجش ومحترم: “تمام يا فندم، القوة استلمت المتهم كريم من الدوبلكس وهو حالياً ترحيل على النيابة المسائية لفتح التحقيق، ونادين اتقبض عليها على بوابة البرج وهي بتحاول تهرب بشنطة فيها مجوهرات وسندات مالية”.

​قلت بهدوء: “تمام يا سيادة العقيد، وجلسة الشهود الزور جاهزة؟”

​رد بنبرة فيها إجلال: “كله تمام يا باشا، تلامذتك في الخدمة دايماً، والملف اللي حضرتك سلمتهولنا مخرش المية. كريم ليلته السودة بدأت”.

​قعدت مع آية وفهمتها إننا تالت يوم الصبح هنروح النيابة عشان تدلي بأقوالها، وتسترد كل حقوقها بقوة القانون.

​مرت الأيام والتحقيقات كانت زي الإعصار اللي بيقش كل الفساد اللي كريم بناه في سنين. المحامي بتاعه حاول يعرض تسوية ويدفع مبالغ ضخمة لآية عشان تتنازل عن قضية التزوير وغسيل الأموال، بس آية بصت للمحامي في مكتب التحقيق وقالت له بجمود اتعلمته مني: “قول لموكلك.. الفلوس اللي بتعرضها دي متمنعش سقعة ليلة واحدة على الرصيف في المطر، أنا مش هتنازل عن يوم واحد من عقوبته”.

​بعد تلات شهور من القضية والمحاكم، صدر الحكم التاريخي: السجن المشدد 15 سنة لكريم، و7 سنين لنادين، مع مصادرة جميع الأملاك والأموال لصالح الدولة، وإلزام كريم برد ثمن بيت آية المزور مع تعويض مالي ضخم.

​يوم النطق بالحكم، كنت واقف بره قاعة المحكمة، وساند آية اللي كانت لابسة فستان أبيض هادي ورجعت لها صحتها وجمالها، وهنا ماسكة في إيدها وبتضحك.

​كريم وهو خارج بالكلابشات في إيده، وهدومه مبهدلة ووشه ذبلان وعجز عشر سنين قدام، عينه جت في عيني. وقف مكانه وبصلي بنظرة رجاء أخيرة، كأنه بيطلب مني أسامحه.

​بصيت له ببرود، وأخدت بنتي وحفيدتي في حضني ولفيت ضهري ليه ومشيت، وأنا بسمع صوت عسكري الترحيلات وهو بيزقه ويقول له: “امشي يا مسجون قدامك.. خطوة تنظيم”.

​وإحنا خارجين من بوابة المحكمة، الشمس كانت طالعة ومالية المكان دفا، آية بصت للسما واتنفست بعمق، وبعدين لفت ليا وقالت: “شكراً يا بابا.. أنت رجعت لي روحي”.

​ابتسمت وقلت لها: “أنا عملت واجبي كأب وكـمحقق.. يلا بينا عشان هنا عندها تمرين نادي، وعاوزين نبدأ حياتنا الجديدة من غير أي ماضي يضايقنا

 

ركبنا العربية، وهنا كانت قاعدة ورا عمالة تغني وفرحانة باللعبرة الجديدة اللي جبناهالها، وآية ساندة راسها على الشباك وباصة للشوارع اللي كانت من كام شهر بس بتلف فيها وهي خايفة وضايعة. ملامحها كانت هادية، الوجع اللي كان محفور حولين عينيها بدأ يختفي ويحل محله رضا وسكينة.

​وصلنا البيت، وفي المساء وإحنا قاعدين بنشرب الشاي في البلكونة، آية حطت قدامي ظرف كبير.

​بصيت للظرف واستغربت: “إيه ده يا آية؟”

​آية بابتسامة صافية: “دي الفلوس اللي رجعت من القضية والتعويض يا بابا.. أنا مش هعمل بيها حاجة غير إني هشتري بيت جديد لينا كلنا، بيت باسمي وباسم هنا، وهيفضل مفتوح ليكي دايماً. وعاوزة أفتح مشروع صغير، أتيليه لتصميم الأزياء، الحاجة اللي كنت بحبها وزمان كريم منعني عنها عشان يطمس شخصيتي”.

​هزيت راسي بفخر: “هو ده الكلام.. الصدمة اللي متموتش تقوي، وأنتي بقيتي أقوى بكتير”.

​مرت سنة كاملة.. سنة كانت مليانة حركة وشغل وتغيير. آية فتحت الأتيليه وبقى من أشهر الأماكن في وسط البلد، وهنا رجعت مدرستها وبقت الأولى في فرقتها في السباحة.

​وفي يوم، كنت بتمشى في الحديقة القريبة من الأتيليه بتاع آية، لقيت راجل عجوز، دقنه طويلة بيضا، وهدومه مقطعة، قاعد على رصيف وبيتسول من الناس عشان يجيب لقمة ياكلها. لما قربت منه، ملامحه مكانتش غريبة عليا.. كان المحامي بتاع كريم! الراجل اللي ساعده يزور، واللي كان جاي يعرض عليا ملايين عشان نتنازل. بعد ما كريم وقع، اتفتحت ملفات المحامي ده، واتشطب من النقابة واتحبس وفقد كل ثروته، وخرج مش ملاقي ياكل.

​بصيت له ومشيت، وأنا متأكد إن الدنيا دي بتدور، ومبتظلمش حد.. اللي بتعمله في الناس هيرجعلك، بس في الوقت المناسب.

​رجعت الأتيليه لآية، لقتها واقفة وسط القماش والألوان وهي بتضحك مع الزباين. أول ما شافتني، سابت كل حاجة في إيدها وجريت عليا، أخدتني بالحضن وقالت: “جدو جه! أحلى ضيف في المكان”.

​همست في ودنها: “ارفعي راسك دايماً يا بنتي.. طول ما فيا نفس، مفيش قوة في الأرض هتقدر تكسرك”.

​ضحكت وبصت في عيني وقالت: “أنا مش خايفة يا بابا.. أنا بنت المحقق”.

​وانتهت الحكاية مش بس بانتصار القانون، لكن بانتصار الكرامة، ورجوع الضحكة لبيت مكانتش الشمس بتدخله، لتثبت إن العدالة ممكن تتأخر.. بس سيفها دايماً حامي وبيرجع الحق لأصحابه.

​تمت القصة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *