يوم زفافي ٣
مر أسبوع كامل على ليلة المحكمة الصادمة. أسبوع كانت الصحافة وصفحات التواصل الاجتماعي ملوشية فيه بقصتي، “محامية جرائم الأموال التي قلبت طاولة الفرح على رأس النصابين”. عيلة شريف بقوا سيرة على كل لسان، والكل بيتفرج على سقوطهم المخزي.
شريف ونيرة تم تجديد حبسهم 15 يومًا على ذمة التحقيق، والنيابة وضعت يدها على الحساب البنكي المشترك، وصدر قرار بالتحفظ على الشقة الجديدة اللي شريف اشتراها لزوجته العرفية مروة، والتي تم القبض عليها هي الأخرى بتهمة التستر والاشتراك في غسيل أموال متحصلة من سرقة.
كنت قاعدة في مكتبي الفخم وسط ملفات القضايا، ملامحي هادية، وبشرب قهوتي الصباحية، لما دخلت نورا وهي شايلة بوكيه ورد أحمر كبير، وفي وسطه كارت أسود.
حطت البوكيه على المكتب وقالت بقلق: “يا فندم، البوكيه ده لسه واصل حالاُ للمكتب، واللي جابه مشي بسرعة، بس الكارت اللي جوه مكتوب فيه كلام غريب.”
سحبت الكارت الأسود وفتحته، كان مكتوب فيه بخط أيد منمق:
> “لعبة المحاكم مسلية يا سيادة المستشارة، بس متنسيش إن اللعب مع الكبار ليه أصول.. شريف ونيرة مجرد عرايس خشب في مسرحية أكبر بكتير منكِ. لو ميسرتيش أمر التصالح والتنازل عن القضية قبل جلسة التجديد الجاية، ملفات عيلتك وشغل مكتبك القديم كلها هتكون على مكتب النائب العام.. فكري كويس قبل ما تخسري كل حاجة.”
> — التوقيع: (صديق قديم)
>
## خيوط المؤامرة تتسع
سندت ضهري على الكرسي وابتسمت بسخرية. “صديق قديم؟”
أنا ماليش أصدقاء في سوق المحاماة بيلعبوا بالطريقة القذرة دي إلا شخص واحد.. “حازم الهواري”، المحامي الأنتيم لشريف، واللي كان واقف في الفرح بيصقف لنيرة وهو مستمتع. حازم مكنش مجرد صاحب شريف، حازم هو اللي كان بيمشي ورايا من سنة في المحاكم، وبيحاول يوقع مكتبنا في كذا صفقة وخسرهم كلهم قدامي.
بصيت لنورا وقلت لها: “الشكوى اللي قدمناها لنقابة المحامين لشطب حازم الهواري، إيه موقفها؟”
نورا ردت بسرعة: “النقابة حددت جلسة استماع عاجلة بعد 48 ساعة يا فندم، بناءً على الأدلة والرسائل والمكالمات المسجلة اللي قدمناها، والتي تثبت إنه هو اللي صاغ العقود الوهمية لشريف ونيرة وكان بياخد نسبة منها.”
وقفت ورحت ناحية الشباك الإزاز الكبير المطل على الشارع وقلت: “حازم بدأ يخاف، والتهديد ده معناه إننا لمسنا العصب العاري عنده. هو فاكر إنه لما يهددني بشغلي القديم أو بعيلتي هخاف.. هو ميعرفش إني مأمنة نفسي ومأمنة كل قضية دخلتها من يوم ما بقيت محامية.”
## المواجهة في وكر الثعالب
قررت مأجلش المواجهة. في نفس اليوم بالليل، توجهت لمكتب حازم الهواري في أحد الأحياء الراقية. مكنتش لوحدي، كان معايا اتنين من الحرس الشخصيين بتوع مكتبنا، ونورا ماسكة جهاز التسجيل الصغير في شنطتها.
دخلت المكتب من غير استئذان، السكرتيرة حاولت توقفني بس نظرتي ليها خلتها تتراجع. فتحت باب مكتبه وقيت حازم قاعد ورا مكتبه، حاطط رجل على رجل وبيشرب سيجار.
أول ما شافني، ملامحه اتهزت للحظة، بعدين رسم ابتسامته الثعلبية الباردة وقال: “أهلاً يا سيادة المستشارة.. خطوة عزيزة. بس مش غريبة عروسة تسيب بيتها وتيجي لمكتب محامي بالليل؟ ولا جاية تدوري على شريف عندي؟”
قعدت على الكرسي اللي قدامه بكل برود، وحطيت الكارت الأسود على مكتبه.
وقلت له: “الخط ده خطك يا حازم، والأسلوب الرخيص ده أسلوبك. شريف ونيرة خلاص انتهوا، والكلابشات في إيديهم، والورقة اللي نيرة طلعتها في الفرح عشان تذلني بيها، بقت هي حبل المشنقة اللي اتلف حوالين رقبتكم كلكم.”
حازم ضحك بصوت عالي ونزل رجله، وقرب من المكتب وقال بغل: “أنتِ فاكرة نفسك ذكية يا إيمان؟ شريف ده كان مجرد طعم، مغفل وسقناه عشان يدخل حياتك ويجيب لنا ثغرة في مكتبك. إحنا كنا عايزين ملفات قضية (حيتان سوق العقارات) اللي أنتِ ماسكاها، والفلوس اللي شريف ونيرة اختلسوها كانت مجرد مصاريف تشغيل للعملية الكبيرة. لو متنازلتيش، أنا هطلع ورق يثبت إنك أنتِ اللي كنتِ بتسهلي تهريب أموال لأصحاب القضية دي، وهتتسحبي معاهم.”
## الرد القاتل
كنت هادية جداً لدرجة خلت حازم يبدأ يقلق. ملامح الثقة اللي كانت على وشه بدأت تختفي تدريجياً.
طلعت تليفوني، وشغلت تسجيل صوتي.. صوت حازم وهو بيكلم شريف من أسبوعين وبيقول له: *”لازم تمضي إيمان على عقد الشراكة ده بأي طريقة في يوم الفرح وسط الزحمة، عشان نضمن نقل الأصول لشركتنا في دبي قبل ما النيابة تكتشف تلاعب حيتان العقارات، وإيمان هي اللي هتشيل الليلة في الآخر لو حصل حاجة.”*
حازم وشه بقا أبيض زي الورقة، السيجار وقع من إيده على المكتب. وقف وهو بيترعش وقال: “أنتِ.. أنتِ جبتي التسجيل ده منين؟”
وقفت ولقطت الكارت الأسود من على مكتبه وقلت له: “أنا محامية جرائم أموال يا حازم.. يعني بقرا أفكار الحرامية والنصابين قبل ما ينطقوها. شريف مكنش مخترق حساباتي، أنا اللي كنت سايبة له الباب موارب عشان يدخل، وتليفونه كان تحت المراقبة القانونية بإذن نيابة من شهر فات، لأن اسمه ظهر في تحريات قضية العقارات الكبيرة كشبهة وسيط!”
حازم رجع لورا وصوته اتهز تماماً: “يعني أنتِ كنتِ عارفة كل حاجة؟ من قبل الفرح؟”
قلت له وأنا ماشية ناحية الباب: “كنت عارفة.. وكنت قادرة أقبض عليه وعليك من شهر. بس أنا حبيت أكشفكم قدام الناس كلها، حبيت أفرّج الدنيا على حقيقتكم القذرة في الليلة اللي كنتوا فاكرين إنكم هتكسروني فيها. بكره الصبح في النقابة، مش بس هتشطب يا حازم.. بكره اسمك هيتضاف للمتهمين في قضية الجناية الكبرى مع شريف وعيلته.”
خرجت من مكتبه، وبصيت للسما.. الهوا كان ساقع ومنعش.
شريف، ونيرة، وحماتي، وأبوه، ومروة، وحازم.. كلهم بقوا جوه المصيدة اللي صنعوها بإيديهم. بس وأنا بركب العربية، نورا تليفونها رن، وبصت لي بوش شاحب وخوف حقيقي وقالت:
“يا فندم.. شريف حاول ينتحر في الحجز، ونقلوه المستشفى في حالة حرجة، وأمه واقفة بره المستشفى وبتصرخ وبتقول إنها مش هتمشي إلا لما تاخد حقها منكِ وبتموت!”
ابتسمت وغمضت عيني.. الحكاية لسه بتتشابك، والخيوط بتتعقد أكتر، والأقنعة اللي وقعت لسه وراها وشوش تانية مظهرتش.
فتحت عيني وبصيت لنورا بهدوء شديد. الخبر متهزش ليه شعرة فيا. المحاماة علمتني إن المجرم لما بيتحاصر، مبيفضلش قدامه غير كارت الاستعطاف أو إيذاء نفسه عشان يقلب الطاولة ويتحول من جلاد لضحية.
قلت لنورا وأنا بعدل ياقة جاكيت البدلة: “اطلعي بينا على المستشفى يا نورا. شريف مش هيموت، شريف أجبن من إنه ينهي حياته.. دي مجرد مناورة رخيصة عشان يهرب من جلسة التجديد بكره، وأنا مش هسيب له الفرصة دي.”
## في ممر المستشفى.. العرض الأخير
وصلنا المستشفى الحكومي اللي اتنقل ليه تحت حراسة مشددة. الممر قدام الأوضة كان مقلوب. حماتي كانت قاعدة على الأرض، لامة الناس حواليها بصراخها وعياطها، وأول ما شافتني داخلة، قامت زي المجنونة وجريت عليا، وعينيها فيها غل مش طبيعي.
زعقت بصوت مسموع في المستشفى كلها: “يا جبروتك يا شيخة! جاية تشمتي في ابني وهو بين الحيا والموت؟ حرّمتيه من دنيته وشرفه وسجنتيه، وجاية تكملي عليه؟ منك لله.. ربنا مش هيرميكي في خير!”
وقفت قصادها بكل ثبات، وبصيت للظابط المسؤول عن الحراسة اللي كان واقف ومحرج من الهيصة.
قلت لها بصوت مسموع وهادي: “ابنك في المستشفى مش بسببي، ابنك هنا بسبب طمعه وغبائه. اللي بيحاول يسرق شقا عمر واحدة أمنته على نفسها، ميلومش إلا نفسه لما القانون يجيب لها حقها. وفري دموعك يا مدام.. لأن ابنك لسه وراه جلسات تانية كتير.”
في اللحظة دي، الدكتور خرج من الأوضة. حماتي جريت عليه: “طمني يا دكتور، ابني عاش؟”
الدكتور بص في التقرير اللي في إيده وقال بملل: “يا فندم حالة تسمم سطحي جداً، جرعة الأدوية اللي أخدها متعملش حاجة، إحنا عملنا له غسيل معدة وحالته مستقرة تماماً وتقدر النيابة تستجوبه في أي وقت.”
بصيت لحماتي وابتسمت ابتسامة خفيفة: “شفتي؟ قلت لكِ ابنك أجبن من إنه يموت.. ده حتى في الانتحار فاشل ومزيف.”
## مواجهة في غسق الليل
دخلت الأوضة مع الظابط ونورا. شريف كان قاعد على السرير، المركب في إيده محاليل، ووشه باهت وعيونه مليانة انكسار وخوف. أول ما شافني، دارى وشه بإيده وبدأ يعيط بجد المرة دي.
قعدت على الكرسي اللي جنب السرير، وقلت للظابط: “خمس دقائق بعد إذنك يا فندم.” الظابط هز راسه ووقف عند الباب.
التفت لشريف وقلت له: “الحركة دي قديمة أوي يا شريف، ومش هتنفعك مع النيابة بكره. حازم الهواري برضه افتكر إنه ذكي، وباعك في دقيقة أول ما حطيت قدامه التسجيلات اللي بتثبت إنه كان بيحركك زي العروسة الخشب.”
شريف نزل إيده بسرعة وبص لي بصدمة: “حازم؟ حازم قال إيه؟”
قلت له ببرود: “قال إنك كنت مجرد طعم عشان يوصل لملفات مكتبنا وقضية العقارات الكبيرة، وإن الفلوس اللي أنت وأختك سرقتوها كانت مجرد فتافيت بيلهيكم بيها. أختك نيرة في التخشيبة دلوقتي بتلطم لأنها اكتشفت إنك غفلتها وكنت بتشتري شقة لمروة بفلوس السرقة، وحازم لبّسك القضية كلها وقال إنك أنت اللي خططت ونفذت.”
شريف اتنفض من على السرير والمحاليل كانت هتقع من إيده، وزعق بغل عمى عينه: “الواطي! حازم هو اللي قالي على الفكرة! هو اللي قالي إيمان معاها ملايين في حسابات مكتبها ومش هتحس باللي بناخده، وهو اللي عرفني على مروة وقال لي اتجوزها عشان تأمن نفسك وتغيظ إيمان لما تاخد فلوسها! أنا مش هشيل الليلة لوحدي يا إيمان.. أنا هعترف بكل حاجة بكره في النيابة.”
نورا بصت لي وهزت راسها.. جهاز التسجيل الصغير في شنطتها كان شغال وبيسجل كل كلمة، اعتراف جديد وصريح من شريف بيورط فيه حازم الهواري بالاسم والصوت.
## الطعنة الأخيرة من الصديق
طلعت من المستشفى وأنا حاسة إن الخيوط كلها بدأت تتربط في إيدي. حازم الهواري افتكر إنه يقدر يهددني، وميعرفش إن اعتراف شريف ده هو المسمار الأخير في نعشه القانوني والمهني.
تاني يوم الصبح.. الساعة 10.
كنت واقفة في مقر نقابة المحامين لحضور جلسة الاستماع الخاصة بشطب حازم الهواري. حازم جه ومعاه تلاتة من كبار المحامين عشان يدافعوا عنه، وكان داخل ورافع راسه بثقة، وافتكر إن التهديد اللي بعته لي في الكارت الأسود جاب نتيجة وإني هخاف.
بدأت الجلسة، ومحامي حازم وقف وقال: “سيادة المستشارين.. كل الاتهامات الموجهة لموكلي هي اتهامات كيدية من الأستاذة إيمان بسبب خلافات شخصية مع صديق موكلي (شريف)، ومفيش أي دليل مادي يربط حازم بعقود وهمية أو سرقة.”
رئيس اللجنة بص لي وقال: “أستاذة إيمان.. هل عندك رد أو مستندات جديدة؟”
وقفت بكل ثقة، وطلعت فلاشة صغيرة من شنطتي، وحطيتها على الترابيزة.
وقلت بصوت قوي زلزل القاعة: “سيادة المستشارين.. الفلاشة دي عليها تسجيلين. الأول: صوت المتهم حازم الهواري وهو بيخطط مع شريف لسرقة حسابات مكتبي ونقل الأصول لدبي. والتسجيل الثاني: هو اعتراف موثق ومسجل للمتهم شريف من داخل المستشفى امبارح بالليل، بيعترف فيه إن حازم هو المحرض والمخطط الرئيسي للجريمة، وهو اللي دفعه للجواز العرفي وتزوير إمضائي.”
حازم وقف وفقد أعصابه تماماً وزعق في القاعة: “التسجيلات دي غير قانونية ومش بإذن نيابة! دي محامية نصابة وبتلوي دراعنا!”
رديت عليه بابتسامة قاتلة: “التسجيل الأول بإذن نيابة طالع من شهر في قضية العقارات الكبرى يا حازم بيه.. أما التسجيل التاني فده اعتراف طوعي من المتهم قدام حرس المستشفى. القانون مبيحميش المغفلين.. ولا بيحمي الحرامية اللي فاكرين نفسهم فوق القانون.”
رئيس اللجنة خبط بالشاكوش، والقاعة سكتت تماماً. بعد تداول دام نص ساعة، صدر القرار: **”إيقاف المحامي حازم الهواري عن ممارسة المهنة فوراً، وتحويل ملفه بالكامل للنيابة العامة لإدراجه كمتهم رئيسي في قضية التزوير والاختلاس.”**
حازم انهار على الكرسي، والمحامين اللي كانوا معاه سابوه ومشيوا. رحت وقفت قصاده وقلت له الكلمتين اللي نهوا الليلة: “اللعب مع الكبار ليه أصول فعلاً يا حازم.. بس أنت نسيت إنك كنت بتلعب في ملعبي.”
خرجت من مبنى النقابة، ونورا كانت ماشية جنبي وبتضحك بفرحة. بس فجأة، عربية سودا مفيهاش نمر وقفت قصادنا بسرعة، ونزل منها راجل ضخم، رمى ورقة صغيرة تحت رجلي، وركب العربية وطار في ثواني.
نورا وطت جابت الورقة وفتحتها، ووشها اتقلب تماماً وبقت ترتعش وهي بتقراها:
“يا فندم.. الورقة دي مش من حازم ولا من شريف.. دي من حيتان قضية العقارات الكبار.. ومكتوب فيها: (أنتِ قفلتي اللعبة الصغيرة وحبستي الكلاب بتوعنا.. دلوقتي اللعب بقى معانا إحنا وش وجهاً لوجه.. قدامك 24 ساعة تنسحبي من القضية الكبيرة، وإلا المرة الجاية مش هتبقى ورق.. هتبقى رصاصة).”
بصيت للأثر اللي سابته العربية في الأرض، ونظرتي بقت حادة زي الموس.. الخيوط الصغيرة اتقطعت، والوحوش الحقيقية ظهرت من ورا الستار، والمعركة الكبيرة يلا دوب هتبدأ.
