انا وطليقي ١

بقلم اماني سيد

وانا واقفه فى مكان شغلى شوفت طليقى اللى رمانى بدون ذره رحمه لما حب واحده جديده وهو عارف ومتاكد انى ماليش غيره فى الحياه بعد موت والدى
شوفته مع مراته الجديدة وكان داخل عليه المحل يشتريلها برفان جديد شردت فى الماضى
عمرى ما انسى اليوم اللى جه بكل جبروت وقالى احنا خلاص النصيب وقف لحد هنا انا حبيت واحده معايا فى الشغل وهنتجوز انا وهى
وهى مالهاش غير شرط واحد انى اطلقك عشان توافق تتجوزنى لانها مش عايزه ضره
اتحايلت عليه يسبى على ذمته لحد ما الاقى مكان لكنه رفض قولتله طيب يسبنى قاعده عند مامته لحد ما اظبط امورى ولو حتى شغاله
لكنه رفض وقالى قصادك يومين بالظبط اللى فيهم هروح اتقدملها وجودك فى حياتى هيضايق حبيبتي وأنا بصراحه مش عايز ازعلها ولا اضايقها
طلبت منه حقوقى وقولتله مش هسكت
قالى عايزه حقك خديه فى المحاكم وطالما بتبجخى كده فهتخرجى دلوقتي بالهدوم اللى عليكى وورينى هتجيبى حقك ازاى ولا مين هيساعدك أصلا ولا المحامى اللى هتجابيه هتدفعيله منين ده إذا لقيتى حاجه ولا ورقه حتى تثبتى حقك
انا القايمه بتاعتك حرقتها تانى يوم جواز دورى على. دليل يثبت ان ليكى حق حتى مافيش عيل تاخديله نفقه
قال. كلامه وهو بيضحك ومبسوط وهو شايفنى مكسوره قدامه
وقرب منى اكتر وبصلى بشماتخ وقالى تعرفى ايه مخلفتيش لحد دلوقتي لانى كنت بحطلك حبوب منع الحمل فى العصير عشان مش عايز احمل من واحده مالهاش اهل عايز لما اخلف اخلف من مشيره ليها عيله وعزوه وعيال يبقى ليهم سند انما انتى وجودك كان وعاء لحد مالاقى اللى تملى عينى بجد وخلاص دورك خلص لانى لقيتها
معرفش وقتها القسوه دى ازاى مجتمعه فى انسان دخلت لمين هدومى قبل ما يرمينى بهدوم البيت كنت ماشيه فى الشارع فى عز الضلمه والشتا ومس عارفه اروح فين ولا لمين كنت بترعش من الخوف اكتر ما بترعش من البرد
جه فى بالى ام احمد
الست الطيبه اللى قاعده لوحدها وولادها مسافرين
روحت خبطت عليها وانا قلبى بيدق مع كل خبطه
فتحت ام احمد الباب وشافتنى بالمنظر ده
مسكت إيدي السقعانة والمرفوعة بترعش، ودخلتني جوة بيتها البسيط. الشقة كانت دافية، ريحة البخور الخفيف والهدوء اللي فيها حسسوني فجأة إن الهوا بقى يدخل صدري بعد ما كنت حاسة إني بتخنق.
قعدتني على الكنبة القديمة، وجريت جابتلي كوبة مية دافية بسكر وهي بتقول بقلب أم:
— “اشربي يا بنتي، اشربي وسمّي الله.. وحدي الله في قلبك، الدنيا لسه بخير.”
أنا مكنتش قادرة أوقف عياط، جسمي كله كان بيتنفض. كل ما أغمض عيني، أشوف ضحكته الشمتانة وسامعة صوته وهو بيقولي: “أنا حرقت القايمة.. مالكيش عيل تاخدي له نفقة.. كنت بحطلك حبوب منع الحمل في العصير”.. الكلمات دي كانت بتلف في دماغي زي السكاكين. بصلت لأم أحمد وأنا شفايفي بترتعش وقولتلها:

— “ظلمني يا خالة.. ظلمني وكسرني وهو عارف إن ماليش حد في الدنيا بعد أبويا.. قالي مالكيش عزوة ولا سند، وريني هتعملي إيه.”
​أم أحمد قعدت جنبي، وخدتني في حضنها تاني وطبطبت على كتفي بقوة ومسحت دموعي بطرف شالها وقالتلي بنبرة كلها يقين وهيبة:
— “ال ساب العباد يا بنتي مابيسيبش رب العباد. اللي مالوش أهل، ربنا بيبقى هو أهله وسنده وعزوته. سيبك من كلامه، كلامه ده قش هتدوسه الأيام. نامي دلوقتي وارتاحي، والصباح رباح.. وعزة جلال الله ما هسيبك تخرجي من هنا إلا وأنتي واقفة على رجليكي.”
​في الليلة دي، نمت على سرير صغير في صالة بيتها، كنت حاسة إني ج*ثة بلا روح، بس لأول مرة من شهور نمت وأنا مش خايفة إن حد يدخل يكسر بخاطري أو يسمعني كلمة تجرحني.
صحيت الصبح على صوت حنين ونبرة هادية مسمعتهاش من زمان، صوت الخالة أم أحمد وهي بتهز كتفي بالراحة وبتقولي:
— “اصحي يا بنتي.. اصحي يلا الشمس طلعت والصباح رباح، قومي غسلي وشك عشان لقمة عيشنا تفطرنا سوا.”
فتحت عيني براحة، وفي أول ثواني جالي الإحساس المخيف بتاع كل يوم؛ دقات قلبي السريعة والخوف من الكلمة اللي هتجرحني أو اليد اللي هتمتد تأذيني. بس لما بصيت للسقف الخشبي البسيط وشوفت وش أم أحمد البشوش، النفس رجع لصدري تاني وافتكرت إن الكابوس انتهى، وإني خلاص بره جدران البيت الظالم ده.
قمت غسلت وشي ورحت وراها على الصالة، لقيتها مجهزة طبلية صغيرة وعليها الفطار.
الفطار كان بسيط جداً؛ شوية فول صغيرين في طبق، حتة جبنة قريش، ورغيفين عيش سخنين لسه جايباهم من الفرن. مكنش فطار ملوكي، ولا سفرة مليانة زي اللي كنت بعملها في بيتي، بس بالنسبالي في اللحظة دي.. كان الفطار ده أكبر وأغلى حاجة دوقتها في حياتي.
القمة دي مكنش فيها ذل، مكنش فيها نظرة شماتة ولا كلمة تهين كرامتي. كانت لقمة مغسولة بالرضا والحنان.
أم أحمد قعدت وبدأت تقسم العيش وتديني وهي بتقول:
— “سمّي الله يا بنتي وكلي، الحزن مابيوكلش عيش، وإحنا عايزين صحتك ترد عشان نعرف هنمشي في دنيتنا دي إزاي.. طول ما اللقمة دي بتدخل جوفنا بالرضا، يبقالنا ملكنا الدنيا كلها.”
مديت إيدي وأنا حاسة برعشة خفيفة، وأول لقمة بلعتها نزلت مع دموعي، بس المرة دي مكنتش دموع كسرة، كانت دموع أول خطوة في طريق جديد.
بعد ما خلصنا الفطار، أم أحمد شالت الصينية وقعدت جنبي، حطت إيدها على كتفي وبصت لي بنظرتها الحكيمة وقالت:
— “بصي يا بنتي، إحنا فطرنا والحمد لله، ودلوقتي لازم نفكر في الخطوة الجاية. قوليلي، معاكي شهادة؟ بتعرفي تعملي إيه؟ الشغل هو اللي هيحميكي وهيخليكي تقفي على رجليكي من تاني.”
نزلت عيني الأرض وقولت لها بصوت هادي:
— “أنا معايا دبلوم يا خالة، وبعرف أقرأ وأكتب كويس، ومستعدة أشتغل أي حاجة.. أي حاجة شريفة تجيب لي قرش حلال ومأقعدش حمل على حد.”
أم أحمد ابتسمت وطبطبت عليا وقالت:
— “حمل إيه يا هبلة، أنتي بنتي. أنا بس عايزاكي قوية. بصي، أنا ليا معارف في السوق اللي ورا الشارع، وفي محلات هناك بتطلب بنات دايماً. إيه رأيك ترتاحي النهاردة، وبكرة الصبح أخدك من إيدك وننزل ندور؟”.
هزيت راسي بالموافقة وأنا حاسة بامتنان ملوش حدود للست الطيبة دي. أم أحمد مقعدتش ثانية، قامت على طول وجابت تليفونها القديم، وضغطت على الزراير وهي بتفتكر النمرة، وكلمت واحد من قرايبها اسمه “أبو وائل” عنده محلات في السوق.
سمعتها وهي بتتكلم بحماس وبتقوله:
— “يا أبو وائل، معايا بنيّتي الغالية، شاطرة ومعاها دبلوم وبتفهم، وعايزة لقمة عيش بالحلال.. شوفلها مكان عندك في محلات الملابس.”
المكالمة مخدتش دقائق، ولفت لي أم أحمد والضحكة مالية وشها التجاعيد وقالت لي:
— “الحمد لله يا بنتي، قالي خليها تيجي بكره الصبح المحل الكبير اللي في أول السوق، وهيوقفها مع البنات وتتعلم الشغلانة بسرعة.”
أنا الفرحة مكنتش سيعاني، قومت وقفت وقولت لها وأنا بمسح دموعي:
— “الحمد لله يا رب.. أنا هشتغل وأول ما يقبضني هدور على أوضة صغيرة على قدّي عشان ما أكونش حمل عليكي وتقلت عليكي أكتر من كده يا خالة.”
أول ما نطقت الكلمة دي، وش أم أحمد اتقلب وبان عليه الزعل، وقفت وحطت إيدها في وسطها وقالت لي بنبرة لوم حنينة:
— “أوضة إيه يا عبيطة أنتي؟ وعايزة تسكني لوحدك وأنتي في السن ده وفي الغربة دي من غير سند؟ جرى لك إيه يا بت؟”
بصيت لها بكسوف:
— “يا خالة مش عايزة أضيق عليكي، وأكيد ولادك بيجوا يزوروكِ ومينفعش…”
قاطعتني بسرعة وهي بتمسك إيدي وبتقعدني جنبها تاني:
— “ولادي إيه! ولادي مسافرين ومش هيجوا خالص السنتين دول، وغير كده كل واحد فيهم ليه شقته وحياته ومستقبله بره.. أنا اللي قاعدة بطولي في البيت ده والحيطان بتاكل فيّا من الوحدة.”
دمعت عيونها وهي بتبص في عيني وكملت:
— “أنتي ربنا اللي بعتك ليا ونس عشان ما أقعدش لوحدي.. بعتك تعوضيني عن لمتهم وتملي عليا البيت. من النهاردة أنتي بنتي، وهتقعدي معايا هنا، وسيرة السكن لوحدك دي مش عايزاكي تنطقيها تاني، مفهوم؟”
كلامها خلاني أحس إن الدنيا لسه فيها خير، وإن ربنا لما بياخد حاجة بيعوض بأحسن منها. نمت الليلة دي وأنا بالي مرتاح، وبفكر في بكره وفي أول يوم شغل ليا في محل الملابس.
مرت الأيام والشهور، وأنا بنزل كل يوم من النجمة لمحل الملابس. الشغل في الأول كان متعب ورجلي مكانتش بتشيلني من الوقفة، بس كنت بنسى كل التعب أول ما بمسك في إيدي القرش الحلال. بدأت أتعلم إزاي أتكلم مع الزباين، وإزاي أقنعهم، وبقيت أشيل كل قرش يفيض مني على جنب وأحوشه في علبة صغيرة شايلاها في دولاب أم أحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *