بقلم روماني مكرم 1

انصرف أحمد وهو يجر أذيال الخيبة والكسر. ذهب فوراً إلى القسم حيث اختبأت أخته شيماء وجوزها خلف القضبان، وراء الحديد الذي أكل من غرورهم في ثلاثة أيام فقط. هناك، في زيارة الحجز الضيقة، كانت شيماء تبكي بحرقة، وجهها متسخ، وشعرها الذي كان مصدر كبريائها مبثوراً، وجوزها يصرخ في أحمد بكل غل:
* “إيه العمل يا أحمد؟ المحامي قال القضايا دي فيها ضرب مع سبق الإصرار وتسبب في عاهات وكدمات بالغة، وهندخل في سين وجيم وسجن مش أقل من سنتين! اتصرف، روح لأهلك، اتوسل لعمها وأبوها!”
أحمد بص لشيماء وجوزها بنبرة حسرة وقال:
* “أتوسل لإيه؟ أهلك اللي طعنوني في ضهري! عملتوني أراجوز! أختك وجوزها ضربوا مراتي وابني، وأنا صدقت إن الموضوع خناقة ستات، لحد ما لقيت أكياس التقارير الطبية والمحاضر في الشرطة! أهالي هناء مش طالبين فلوس، طالبين ييجوا الشارع يضربوكم قدام المنطقة كلها زي ما عملتم في هناء، والجيران هما اللي يخلصوكم!”
صرخت شيماء بصوت مخنوق وهي تمسك بحديد السجن:
* “نضرب قدام الناس؟! تتكسر عيننا في المنطقة؟! لا يا أحمد، أرجوك اتصرف، شوف كبار تانيين، روح لشيخ البلد، ادفعوا لهم اللي هما عاوزينه!”
لكن الوقت كان قد فات. في اليوم التالي، اشتدت الضغوط داخل الحجز، وحماها وأم أحمد أدركتا أن المحاكمة اقتربت، وأن حبس شيماء وجوزها سيتسبب في خراب بيتهما وفقدان جوزها لوظيفته الرسمية. تحت وطأة الخوف من السجن الفعلي وتدهور الحالة النفسية للمتهمين، لم يجدوا مخرجاً. رضخوا للشروط القاسية.. وافقوا على تجرع كاس المهانة لإنقاذ أنفسهم من ظلمات السجن.
تم الاتفاق على موعد “الصلح القاسي”. في يوم السبت، ومع غياب الشمس، دخل شارعنا تسعة من شباب عائلتي، يتقدمهم عمي وأبويا، وأنا كنت أراقب المشهد من بلكونة بيت إحدى قريباتي المطلة على الشارع الرئيسي لمنزل حماتي.
كان الشارع مزدحماً بالجيران، الجميع يقفون على الأرصفة وفي البلكونات، فالخبر انتشر كالنار في Hashيش: “أهالي هناء جايين ياخدوا حقها بإيديهم، وبشرط علني!”.
خرجت شيماء، وزوجها، وحماتي، وأحمد يسبقهم بخطوات ملؤها الانكسار. وقف زوج شيماء في منتصف الشارع، مطأطأ الرأس، بينما كانت شيماء تختبئ خلفه تنشج بالبكاء. تقدم أخي “محمود” وأخي “أحمد” ومعهما ثلاثة من أبناء عمي.
