اختي ماتت

اماني السيد

دخلت مكتب الظابط، والكل كان مستني كلمتي. أمي أول ما شافتني جرت عليا ووشها غرقان دموع: “بوس إيدك يا بنتي، أبوكي هيروح مني، السكر علي عليه والكلبشات في إيده ذبحتني.. ارحمينا يرحمك ربنا.”

بصيت لأبويا، كان قاعد كأنه كبر عشرين سنة في ساعة، عينه مكسورة في الأرض ومبقتش قادرة تبص في عيني. قلبي وجعني عليه، مهما كان ده اللي شالني وأنا صغيرة، لكن الجرح اللي سابه في قلبي كان غويط قوي.

قلت للظابط بصوت ثابت وجامد: “يا سيادة الظابط، أنا هتنازل عن المحضر بالنسبة لبابا.. عشان سنه ومرضه، وعشان خاطر ربنا مش عشان خاطره هو. بس أخوي أحمد ومراته سمر، المحضر يكمل فيهم للآخر.. اللي يمد إيده على لحمه ويطعن في شرفي، ملوش عندي رحمة.”

أحمد صرخ بغل: “بقى بتسجني أخوكي يا أمل؟”

رديت عليه بكل قوة: “أنت اللي سجنت نفسك لما نسيت إني أختك، ولما سبت مراتك تنهش في عرضي وأنت واقف بتتفرج.. أنت مكنتش أخ، أنت كنت وحش.”

الظابط أمر العساكر فوراً: “خدوا المتهمين على الحجز، والمدام تمضي على التنازل الجزئي لوالدها.”

سمعت صراخ سمر وهي بتتسحل للحجز، وأحمد وراها وشه مسود من الصدمة. أبويا فكوا الكلبشات من إيده، وقام وقف قدامي وهو بيرعش، حاول يمسك إيدي بس أنا سحبتها براحة وبعدت خطوة لورا.

قلت له والدموع محبوسة في عيني: “يا بابا، أنا سامحتك عشان ربنا، بس مش هقدر أنسى.. البيت اللي دخلتوه عشان تكسروني وتق/تلوا ابني، متبقوش تعتبوه تاني. من النهاردة أنا ماليش أهل غير جوزي وأولادي.. انتم اللي اخترتوا الورث، وأنا اخترت حياتي.”

أمي حاولت تمسكني وهي بتعيط: “يا بنتي حرام عليكي، هنعيش إزاي وأنتِ مقطعة بينا؟”

بصيت لها بكسرة وقلت: “زي ما عشت السنة اللي فاتت وأنا خادمة لعيال أختي ودافنة نفسي بالحيا وانتم مستخسرين فيا الفرحة.. عيشوا حياتكم بعيد عني، وخلوا سمر وأحمد ينفعوكم.”

يوسف مسك إيدي وشدني عليه، وبص لأهلي بجمود وقال: “أظن الكلام واضح.. المدام محتاجة راحة، وأي حد هيفكر بس يقرب من باب بيتنا، المرة الجاية مفيش تنازل.”

خرجت من القسم وأنا حاسة إني رميت حمل جبل من فوق كتافي.. قفلت باب الماضي ورايا بالترباس، ومشيت وأنا ساندة على يوسف، وعيني على بطني، وكأني بقول لابني: “متخافش يا حبيبي، أمك باعت الدنيا كلها عشانك.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *