بقالي 6 سنين بدفع فاتورة الميه ج 1

ثم توقف المحامي قليلاً وأكمل القراءة:
— وأوصت الحاجة فاطمة بأن تُخصص جميع عوائد الشقة المملوكة لها في وسط البلد لسداد كافة الفواتير والمصاريف التي دفعتها نادية طوال الست سنوات الماضية، مع رد كل مليم أُنفق عليها بالكامل مرفقًا بشكر خاص على حفظ كرامتها وعدم إحراجها.
ساد الصمت من جديد. تجمعت الدموع في عيني وأنا أتذكر كلامها لي دائماً وهي تجلس في البلكونة: “يا نادية، الست لما تكبر في السن مش بتحتاج شفقة، بتحتاج تحس إنها لسه ليها قيمة وما تتقلش على حد”.
طارق انقبض وجهه وتغيرت نبرته تمامًا، متراجعًا عن لغة ليتحول إلى رجاء مرتبك ومخاتل:
— أستاذ سامح… أكيد الوصية دي فيها بطلان! إزاي توهب البيت وتطلعني من كل حاجة؟ أنا ابنها الوحيد!
رد المحامي وهو يغلق الملف بصرامة:
— التقرير الطبي المرفق والأدلة الموثقة على المبالغ التي أخذتها بدون وجه حق تحميان الوصية تمامًا من أي طعن يا طارق. والدتك أخذت احتياطاتها كاملة لأنها كانت تعلم أنك ستأتي فور وفاتها محاولاً التشكيك في أهليتها واستغلال من حولها.
الآن وضحت لي الرؤية تمامًا. عرفت لماذا كان طارق يحاول اتهامي منذ اللحظة الأولى؛ لم يكن ينقب عن الحقيقة، بل كان يحاول استخدام دفعي للفواتير كذريعة لإثبات أن أمه كانت غير قادرة على إدارة شؤونها المالية وأنني استغللتها، ليطعن في أهلية أمه وينقض الوصية التي كان يعلم أو يشك أنها حرمته من البيت الذي طمع فيه.
وقف طارق ينظر إليّ بنظرات غل مكتومة، ثم أخذ يلملم أوراقه وارتباكه، وقال بحدة وهو يتجه نحو الباب:
— الموضوع ده مش ينتهي هنا يا نادية… المحاكم بيننا.
خرج طارق مسرعًا وترك الباب مفتوحًا خلفه، بينما ظل المحامي سامح واقفًا ومسك بالظرف المتبقي وأعطاني إياه بهدوء.
قال المحامي:
— مدام نادية، الأوراق دي أمانة عندك، والوصية نافذة بقوة القانون. الحاجة فاطمة كانت عارفة اختيارها كويس، وعارفة مين اللي صان كرامتها ومين اللي حاول يستغلها.
أخذت الظرف بين يدي وأنا أشعر بثقل الأمانة، لكنني نظرت من الناقية إلى بيت الحاجة فاطمة، إلى شجرة الياسمين التي أزهرت في السور الواطي، وعرفت أن الحكاية لم تنتهِ بعد، وأن مواجهتي مع طارق في المحاكم أو خارجها قد بدأت للتو لتنفيذ وصية جارتي وحماية بيتها.


