بقالي 6 سنين بدفع فاتورة الميه ج 1

المحامي رفع نظارته قليلاً، وهز رأسه وهو يقلب بين الأوراق التابعة للتقرير المالي المرفق بالظرف. كانت كل ورقة تحتوي على كشوفات حسابات بنكية دقيقة، وتحويلات سريعة، وإيصالات استلام مبالغ نقدية تُثبت أن طارق كان يسحب أموال أمه على فترات متباعدة، يستغل ثقتها وغياب جوزها، ويوقع نيابة عنها أو يدفعها للتوقيع على أوراق تصفية لبعض شهادات الاستثمار بحجة استثمارها في مشاريع وهمية.
قال المحامي بصوت هادئ ولكنه حاسم :
— يا طارق… والدتك الله يرحمها سجلت التقرير ده عند محامي تاني غيري، ووثقت كل تحويل بنكي وكل إيصال بأرقام التاريخ والوقت. بل إنها مرفقة هنا تقرير طبي كامل من لجنة ثلاثية جرت قبل سنة واحدة فقط، بتأكد إنها في كامل قواها العقلية، وأنها تعي تمامًا كل تصرفاتها المالية وتفاصيل ممتلكاتها.
طرأت على وجه طارق علامات الذعر، وتراجع خطوة إلى الخلف وكأنه يحاول الهروب من المواجهة، لكنه حاول التماسك وقائلًا بصوت يرتجف:
— الكلام ده غير صحيح! أمي كانت كبيرة… أكيد حد أثر عليها أو كتب الورق ده بدالها!
ردت أنا بصوت ثابت لم أعهده في نفسي من قبل:
— الحاجة فاطمة عمرها ما كانت محتاجة حد يفكر بدالها يا طارق. كانت كل يوم تقعد قدام شجرة الياسمين وتقرأ جريدتها وتتابع حساباتها بالقرش. إنت اللي كنت فاكر إن غيابك عن البيت ومجيك كل كام شهر هيداروا على اللي بتعمله.
المحامي لم يلتفت لاعتراضات طارق، بل قلب الصفحة الأخيرة من الظرف، وكانت عبارة عن ملحق للوصية الرسمية المعتمدة ومكتوبة بخط يد الحاجة فاطمة الواضح والجميل، ومختومة بخاتم الشهر العقاري. بانت على وجه المحامي دهشة جديدة وهو يقرأ السطور، ثم أخرج زفيرًا طويلاً ونظر إليّ مباشرة.
قال المحامي:
— مدام نادية… الحاجة فاطمة لم تترك لك البيت كما كان يظن ابنها، ولكنها كتبت شيئًا آخر كليًا.
تسمرت في مكاني، بينما اندفع طارق للآمام وهو يقول بغضب:
— كتبت لها إيه؟ كتبت لها الفلوس؟
المحامي وضع يده على الصفحة وقال بصوت مسموع:
— الحاجة فاطمة جعلت المنزل كوقف خيرى مستقل تحت إدارة وإشراف مدام نادية طوال حياتها، ليكون مأوى للأرامل والمسنات اللاتي لا يجدن من يرعاهن، بشرط ألا يُباع البيت أو يُورث لطارق أو أي من ورثته، نظرًا لاستيلائه مسبقًا على ما يعادل نصيبه الشرعي وزيادة من أموالها بالباطل خلال حياتها.
