قبل ما العجوز يكمل كلامه، دوى صوت عصاية العمدة وهي بتخبط في الأرض. "حســـن!" اتخض الراجل وسكت. العمدة قرب منه، وعينه كلها غضب. "إياك تزيد حرف واحد." بلع حسن ريقه، لكنه قال وهو بيبص لغزل: "يا عمدة... لساني سبقني." "وسابقك ده ممكن يوديك في داهية." رفع سالم حاجبه، وبص بين الاتنين. "خالي... هي مين نجاة؟" العمدة رد بسرعة: "ولا حد." العجوز هز راسه. "لا... نجاة كانت..." قاطعه العمدة بصوت زلزل المكان. "حســـــن!" سكت الراجل، ونزل راسه. أما غزل، فكانت واقفة مش فاهمة حاجة. بصت للعجوز وقالت: "إنت تعرف أمي؟" العجوز فتح بقه يرد. لكن العمدة سبقه. "أمك مين يا بت؟" "الله يرحمها... اسمها أمينة." بص حسن لغزل باستغراب. "أمينة؟" هزت راسها. "أيوه." سكت حسن، لكنه فضل يبص في وشها. همس لنفسه: "سبحان اللي يخلق من الشبه أربعين." العمدة شده من دراعه. "تعالى معايا." "بس يا عمدة..." "جولت تعالى." وخرجوا الاتنين. أول ما الباب اتقفل. قال سالم وهو باصص لعز: "فيه سر." رد عز وهو سرحان في كلام العجوز: "وأبوك عارفه." ندى لأول مرة اتكلمت بهدوء. "مش أبوك بس... حتى الحاجة فهيمة أول ما شافت غزل اتبدلت." لف عز ناحية غزل. لقاها واقفة مكانها، دموعها مالية عينيها. قرب منها. "مالك؟" قالت بصوت مكسور: "أنا... أنا عملت إيه لكل الناس دي؟" "ولا حاجة." "أمال ليه أول ما شافوني اتغيروا؟" معرفش يرد. لأنه هو نفسه بقى عنده نفس السؤال. في أوضة المكتب... قفل العمدة الباب بعنف. لف ناحية حسن. "إنت اتهبلت؟" حسن اتنهد. "سامحني يا عمدة... والله غصب عني." "غصب عنك إيه؟" "البت شبه نجاة بصورة تخوف." العمدة قرب منه لحد ما بقى وشه قصاد وشه. "اسمعني زين... السر ده اندفن من عشرين سنة." "بس لو البت طلعت..." مسكه العمدة من جلابيته. "مفيش حاجة هتطلع." "لكن..." "اسمع يا حسن... لو كلمة واحدة من اللي في صدرك خرجت بره... هتكون آخر كلمة تنطقها." اترعب حسن. "حاضر يا عمدة." سابه العمدة. وقعد على كرسيه وهو ماسك راسه. في نفس اللحظة... دخلت زوجة العمدة بهدوء. "رجب." رفع عينه. "خير." بصتله وقالت: "أنا سامعة كل حاجة." اتنهد. "وسمعتي إيه؟" "سمعت إن حسن قال إن غزل بنت نجاة." سكت. قربت منه أكتر. "قوللي بصراحة..." "إيه؟" بصت في عينه مباشرة، وقالت الجملة اللي جمدت الدم في عروقه: "غزل... ليها علاقة بالسر اللي خبيته عني طول عمرك؟" رفع العمدة عينه فيها... ولأول مرة، فقد هدوءه تمامًا. وفي الخارج... كان عز واقف في البلكونة، ولسه هيكلم غزل، لكن قبل ما ينطق... سمع صوت عربية فخمة تدخل السرايا. نزلت منها بنت في أواخر العشرينات، أنيقة، واثقة من نفسها، لابسة بدلة رسمية ونضارة شمس. خلعت النضارة، وبصت حوالين السرايا بابتسامة. وسألت أول خادم قابلها: "فين حضرة الظابط عز رجب العمدة؟" رد الخادم: #انجي_الخطيب "جوه يا هانم." ابتسمت وقالت بثقة: "بلغه إن ياسمين فاروق وصلت... وجاية أقابله قبل ما أهل البلد يعرفوا إنه بقى خطيبي." وفي نفس اللحظة... كانت غزل واقفة أعلى السلم، وسمعت الجملة كاملة اتجمدت غزل فوق السلم، وإيديها مسكت الدرابزين بقوة. بصت للبنت اللي واقفة في نص السرايا، بكل ثقتها وأناقتها، وحست لأول مرة إن المسافة بينها وبين عز أكبر من السما. أما ياسمين... فرفعت عينيها، ولمحت غزل واقفة فوق. ابتسمت وقالت انتي بتخدمي هنا ؟" ردت غزل وقالت "أيوه يا هانم... اسمك اية؟ ." اسمي غزل.. هزت راسها وهي بتبص لها من فوق لتحت. "شكلك صغيرة." وفي اللحظة دي... نزل عز من على السلم. أول ما شافته ياسمين، ابتسمت ومدت إيديها. "أخيرًا اتقابلنا يا حضرة الظابط." عز بص لإيدها، لكنه ما سلمش. قال بهدوء: "أهلًا وسهلًا." سحبت إيديها في هدوء، لكن الابتسامة ما فارقتش وشها. "واضح إنك رسمي." رد من غير ما يبتسم: "طبيعة شغلي كدا ." في اللحظة دي، خرج العمدة رجب من المكتب، وأول ما شاف ياسمين، وشه نور. "أهلًا ببنت المأمور... نورتي دارنا." انحنت باحترام. "الشرف ليا يا عمي." قال العمدة وهو بيبص لعز: "واقف ليه يا ولد؟ خُد الآنسة ياسمين فرجها على الدار." رد عز بسرعة: "لو تسمح يا بوي..." قاطعه العمدة بنظرة حاسمة. "سمحت." فهم عز إن مفيش مجال للنقاش. لف ناحية ياسمين. "اتفضلي." طلعوا السلم. وغزل كانت واقفة مكانها. ولما عز عدى من جنبها... لمح الجرح اللي في إيديها لسه بينزف. وقف ثانية. وقال بصوت واطي محدش سمعه غيرها: "لفيتيه؟" هزت راسها بالنفي. قبل ما يرد... قالت ياسمين وهي واقفة وراهم: "حضرة الظابط... مش هنطلع؟" بص عز لغزل لحظة، وبعدين كمل طريقه. أما ياسمين... فلاحظت كل حاجة. لاحظت وقفته. ونظرته. وسؤاله. ولاحظت إن غزل كانت بتبصله لحد ما اختفى. ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن عنيها مكانتش بتضحك. أول ما دخلوا أوضة المكتب القديمة. قالت ياسمين وهي بتلف تتفرج: "السرايا جميلة... بس واضح إن فيها أسرار كتير." رد عز: "كل دار كبيرة فيها أسرار." لفت تبصله مباشرة. "وأسرارك إنت؟" "معنديش." ضحكت. "دي أول كدبة." سكت. قربت منه خطوة. "أنا بشتغل في علم النفس الجنائي... وبعرف أقرا الناس." رفع حاجبه. "وصلتي لإيه؟" قالت وهي مبتسمة: "وصلت إنك مش مبسوط بالجوازة دي." مردش. "ووصلت كمان... إن قلبك مش فاضي." لأول مرة... بصلها مباشرة. "إنتِ جاية تحققي معايا؟" "لا." "أمال؟" "جاية أعرف الراجل اللي بابي اختاره ليا " سكتت لحظة، وبعدين قالت بثقة: "بس فيه سؤال محيرني." "إيه هو؟" "الخدامة اللي تحت..." اتشدت ملامح عز. "... مالها؟" قالت وهي بتراقب رد فعله: "ليه كل ما اسمها يتجاب... عينك بتتغير؟" وقبل ما يجاوب... كانت غزل معدية قدام الباب، شايلة صينية القهوة للمندرة. وقبل ما تكمل خطوتين... سمعت ياسمين بتقول من جوه: "لو بتحبها... قول دلوقتي، قبل ما حياتنا إحنا الاتنين تضيع." اتجمدت رجلين غزل. الصينية اتهزت في إيديها. وقلبها وقف وهي مستنية تسمع...هيقول إيه؟ فضلت غزل واقفة برا الباب، أنفاسها متقطعة، وإيديها بترتعش وهي ماسكة صينية القهوة. جوا... فضل عز ساكت. ياسمين عقدت دراعاتها وقالت بابتسامة هادية: "السكوت ساعات بيكون إجابة." رد عز من غير ما يبصلها: "وفيه سكوت بيكون احترام." "احترام لمين؟" "لبنت لسه متعرفهاش." ابتسمت بخفة. "يبقى خليني أسألك بطريقة أوضح... في واحدة في حياتك؟" رفع عينه وبصلها. "حتى لو فيه... ده شيء يخصني." ضحكت ياسمين وقالت: "إذن فيه." رد ببرود: "أنا ما قلتش اكده." "بس ما أنكرتش." اتنهد عز. "واضح إنك متعودة تحققي مع الناس." "دي طبيعة شغلي." "وأنا مش متهم." "ولا أنا قاضي." وسكتت لحظة قبل ما تكمل: "أنا بس واحدة رافضة تبدأ حياتها مع راجل قلبه مع واحدة تانية." برا الباب... غزل حست إن قلبها هيطلع من مكانه. كانت مستنية تسمع اسمهـا. لكن عز فضل ساكت. ياسمين هزت راسها وقالت: "السكوت ده كفاية بالنسبة لي." لفت تمشي. وفي اللحظة اللي فتحت فيها الباب... اتفاجئت بغزل واقفة قدامها. بصت للصينية... وبعدين لوش غزل اللي كان باين عليه الارتباك. ابتسمت وقالت بهدوء: "القهوة لينا؟" غزل نزلت عينيها. "أيوه يا هانم." مدت ياسمين إيديها تاخد الفنجان، لكنها لمحت المنديل الملفوف على صباع غزل. "إيدك مالها؟" قبل ما غزل ترد... قال عز من جوه: "اتجرحت وهي بتلم الإزاز." لفت ياسمين تبصله. "واضح إنك واخد بالك من كل تفصيلة." عرف عز إنه وقع في غلطة. فصلح دا وقالها طبيعة شغلي بتحكم عليا كدا.. أما غزل، فحست إن الأرض بتتهز تحت رجليها. أخدت ياسمين الفنجان، وشربت رشفة صغيرة، وبعدين قربت من غزل لحد ما بقى صوتها واطي محدش يسمعه غيرها. "إنتِي بقالك قد إيه شغالة هنا؟" "شهر يا هانم." "أمم..." سكتت لحظة، وهي بتبص في عينيها. "نصيحة مني... خليكي عارفة حدودك." اتجمدت غزل. "مش فاهمة." ابتسمت ياسمين، لكن ابتسامتها كان فيها تحذير واضح. "هتفهمي مع الوقت." وسابتها ونزلت السلم. غزل فضلت واقفة مكانها، والدموع محبوسة في عينيها. دخل عز بسرعة. "قالتلك إيه؟" هزت راسها. "ولا حاجة." "غزل..." قاطعته وهي بتبعد عنه خطوة. "لو سمحت يا سي عز... بلاش تكلمني لوحدنا تاني." اتفاجأ. "ليه؟" "لأن كلام الناس عمره ما بيرحم." "وأنا مالي بكلام الناس." ردت بصوت مكسور: "بس أنا يهمني." قرب خطوة. "غزل..." رفعت إيديها تمنعه يقرب. "لا... لو سمحت." كانت أول مرة تمنعه بالشكل ده. "إنت بعد كام يوم هتخطب واحدة من مقامك... وأنا مجرد خدامة في داركم." قال بسرعة: "أنا موافقتش." "بس هتوافق." "مين قال؟" ابتسمت بوجع. "أبوك حضرة العمدة." لأول مرة... عز معرفش يرد. وفي اللحظة دي، دوى صوت طلقة نار من برا السرايا. وبعدها مباشرة... دخل واحد من الغفر وهو بيجري، ووشه كله تراب. "يا عمدة... إلحق!" خرج الكل يجري. العمدة وقف قدامه وقال بحدة: "في إيه؟" الغفير كان بينهج. "في واحد رمى جواب في نص الدوار... وقال يتسلم للعمدة بإيده... وبعدها مشي." ناول العمدة ظرف. فتحه بسرعة. وأول ما وقعت عينه على أول سطر... اتغير لون وشه. لكن سالم كان أسرع، وخطفه من إيده. قرأ أول جملة بصوت عالي من غير قصد: "لو عايز السر اللي دفنته من عشرين سنة يفضل مدفون... ابعد البنت غزل عن دار العمدة قبل ليلة الخطوبة." ساد صمت مرعب. وكل العيون اتحولت ناحية غزل... وكأنها بقت فجأة مفتاح السر اللي هيقلب البلد كلها. #انجي_الخطيب