كشف المستور حكايات علي ابو الدهب 2
دخلت الأوضة، قعدت جنب كريمة على طرف السرير، وخدتها في حضني. كانت بتترعش بس المرة دي مش من الخوف، المرة دي من البُكا والنحيب اللي طالع من قلبها وهي مش مصدقة إن الكابوس انتهى. مسحت دموعها بإيدي وبوست رأسها: “خلاص يا قلب طارق.. كل حاجة خلصت، ومحدش هيقدر يمس شعرة منك ولا من ابننا طول ما أنا عايش”.
مرت الأيام، ورامي نفذ الشرط بالحرف؛ وتحت التهديد بالفيديو والتحاليل، وقع على التنازل الرسمي عن نصيبه في ورث أبويا لصالح كريمة وماجد. أمي حاولت تكلمني كذا مرة، وتبعتلي قرايبنا عشان “الصلح والدم ميبقاش مية”، بس قلبي كان زي الحجر. اللي يسترخص عرض مراتي وصحة ابني، ملوش مكان في حياتي، حتى لو كانت الأم اللي ولدتني.
المفاجأة الأخيرة
بعد شهرين، الحياة بدأت ترجع لمجراها الطبيعي. كريمة استردت صحتها تماماً، وشها نور، وماجد بدأ يملى البيت بضحكته. وفي يوم جمعة وهادية، الباب خبط.
فتحت الباب لقيت محامي رامي واقف، وشه أصفر وعينيه في الأرض. ناولني ظرف مقفول وقال بصوت واطي: “أستاذ طارق.. رامي بيه بعتلك الأمانة دي، وبيقولك إنه مكنش يقصد يأذيك، بس هو كان مجبر”.
أخدت الظرف وقفلته الباب. فتحته وأنا مستغرب، لقيت جواه فلاش ميموري (Flash Memory) صغيرة، ومعاها ورقة مكتوبة بخط إيد رامي:
”طارق.. أنا عارف إنك مش هتسامحني، وحقك. بس قبل ما تقفل صفحتنا للأبد، لازم تعرف إن أمك مكنتش بتعمل كده عشان الشقة ولا عشان الورث بس.. أمك كانت بتداري على مصيبة تانية تخص موت أبويا من عشر سنين.. وكريمة شافت ورقة بالصدفة في بيت أمي قبل جوازكم هي اللي بدأت كل ده. اسمع التسجيل اللي على الفلاشة وأنت هتعرف مين الوحش الحقيقي في العيلة”.
الحقيقة المُرّة
حطيت الفلاشة في اللاب توب، وقلبي بدأ يدق تاني بنفس الرعب. اشتغل صوت تسجيل صوتي لأمي ورامي من سنتين فاتوا، أمي كانت بتتكلم بحقد وصوت مخنوق:
“أبوك ماماتش بجلطة يا رامي.. أبوك لما عرف إني كتبت أرض المحافظة باسمك وهرّبنا الفلوس، هددني إنه هيبلغ طارق ويخليه يحقق فينا وهو في التفتيش.. أنا بس حطيتله الدوا الزيادة في العصير عشان يرتاح ونرتاح.. وكريمة لقت الروشتة القديمة والتقرير الطبي المزور في وسط ورق الجواز.. لو طارق عرف، هيحبسنا كلنا!”
النَفَس اتقطع مني تاني.. بس المرة دي، الصدمة شلت حركتي بالكامل.
بصيت لكريمة اللي كانت داخلة من المطبخ وشايلة كبايتين عصير، وبصتلي بخوف لما شافت وشي أصفر زي الأموات.
قربت مني وحطت العصير، وهمست بصوت بيترعش: “أنت عرفت؟”
وقفت على رجلي وأنا مش قادر أستوعب: “أنتي كنتِ عارفة؟ كنتِ عارفة إن أمي هي اللي قت*لت أبويا؟”
كريمة نزلت دموعها وقالت: “والله العظيم ما كنت متأكدة يا طارق! أنا شفت الورق بالصدفة قبل الفرح بأسبوع، ولما أمك لقطتني وأنا بقراه، هددتني إنها هتبهدل سمعة أهلي وتطلقني منك لو فتحت بقي. ولما خلفت ماجد، بدأت تحطلي الدوا في الماية عشان تفقدني عقلي ومحدش يصدقني لو اتكلمت.. أنا مخبيتش عليك عشان أأذيك، أنا خبيت عليك عشان كنت خايفة يجرالك حاجة منهم!”
القرار النهائي
في اللحظة دي، فهمت كل الخيوط.
فهمت ليه أمي كانت مستميتة تطلع مراتي مجنونة، وفهمت ليه رامي كان بيساعدها وهو مرعوب. الموضوع مكنش فلوس ولا شقة.. الموضوع كان “حبل المشنقة” اللي كان بيلف حوالين رقبتهم لو أنا، المحامي اللي مبيسبش قضايا الفساد، شميت خبر.
مسكت الموبايل بتاعي، وطلبت رقم مكتب النائب العام مباشرة. زمايلي في الشغل، ورجال التحقيق اللي مبيجاملوش.
”أهلاً يا طارق بيه، خير؟”
رديت بصوت حاسم، خالي من أي مشاعر، صوت المحامي اللي بيطبق العدالة ولو على رقبة أهله:
”عندي بلاغ رسمي بإعادة فتح التحقيق في وفاة والدي من عشر سنين.. ومعايا أدلة تسجيلية واعترافات صوتية، وتحاليل جنائية تثبت القت*ل العمد مع سبق الإصرار والترصد ضد رامي فؤاد، وزينات عبد الحميد”.
قفلت الخط، وبصيت لكريمة وابني. الحضن المرة دي كان حقيقي، مفيش وراه خوف ولا أسرار. العيلة القديمة ماتت واندفنت مع الورق المزور، والعيلة الجديدة بدأت.. على نضافة، ومن غير وحوش
بعد ما قفلت الخط مع مكتب النائب العام، الأوضة ساد فيها سكوت غريب.. سكوت شبه اللي بيجي بعد العاصفة ما تهدأ وتدمر كل حاجة في طريقها.
كريمة كانت بتبصلي وعينيها مليانة بدموع المخاوف اللي عاشتها لوشهور، بس المرة دي كان فيه لمعة ارتياح. قربت مني، حطت إيدها على كتفي وهمست: “أنا آسفة يا طارق.. آسفة إني مخبيت عليك، بس كنت خايفة يخطفوك مني زي ما خطفوا أبوك”.
نزلت لمستواها، وفضلت باصص في عينيها: “أنتي ملقتيش ذنب يا كريمة.. الذنب ذنب الوحوش اللي كنت فاكرهم عزوتي”.
اللحظة الحاسمة: الفخ الأخير
أنا عارف إن القانون بياخد وقته، بس كشغلتي في التفتيش القضائي، كنت عارف إن الاعترافات الصوتية على الفلاشة ممكن محامي شاطر يطعن في صحتها أو يقول إنها “مفبركة بالذكاء الاصطناعي”. كان لازم أخليهم يعترفوا بنفسهم قدام رجال المباحث وفي تلبس كامل عشان القض*ية تتقفل وميخرجوش منها أبداً.
مسكت تليفوني وكلمت رامي.
أول ما رد، كان صوته مخنوق وبيترعش: “طارق؟ أنت شفت الفلاشة؟”
رديت عليه بنبرة مكسورة ومصطنعة، نبرة الأخ اللي انهار ومبقاش عارف يعمل إيه:
“شفتها يا رامي.. شفتها وضهري اتكسر. أمي تعمل كده في أبويا؟! وتعمل كده في مراتي؟ أنا مش هبلغ عنكم يا رامي.. الدم ميبقاش مية. بس أنا عايز أفهم.. عايزكم تيجوا البيت حالا، أنت وأمي، تفهموني ليه عملتوا كده؟ لو مجيتوش وفهمتوني، أنا هسيب البلد ومستقبلي وهسافر ومش هتشوفوا وشي تاني”.
رامي صدق النبرة دي، لأن طول عمره شايفني الأخ “الطيب الهادي” اللي بيتحكموا فيه. قال بلهفة: “مسافة السكة يا طارق.. هجيب أمي ونيجي، والله العظيم إحنا ندمانين”.
في بيتي.. الستار ينزل
ساعتين بالظبط، وكان الباب بيخبط.
قبل ما أفتح، كنت منسق مع قوة من المباحث الجنائية، كانوا مستخبيين في الأوضة التانية، وكاميرات البيت المستخبية والمكشوفة كلها بتسجل صوت وصورة وبتبث مباشرة لغرفة العمليات.
دخلت أمي وهي بتعيط، ووراها رامي وشبه مكسور.
قعدوا في الصالة، وأمي بدأت تتكلم وهي بتمسح دموعها بطرف طرحتها: “يا ابني.. أبوك كان هيودينا في داهية. كان هيحبس أخوك رامي وضاع مستقبل الواد.. أنا مغلطتش، أنا حميت عيلتي!”.
وقفت قدامها وسألتها بجمود: “حميتي عيلتك بأنك تسمي أبويا؟ وبأنك تحطي السم لمراتي في الماية شهور وتطلعيها مجنونة عشان تداري على جريمتك؟”
رامي اتدخل وقال: “يا طارق، كريمة كانت هتفضحنا! الروشتة اللي لقتها كانت كافية تفتح التحقيق من جديد.. إحنا مكنش قصدنا نموتها، إحنا كنا بنغيب وعيها بس عشان كلامها يطلع كلام مجانين ومحدش يصدقها.. والوصاية كانت عشان نضمن إنها لو اتكلمت، ناخد الواد ونمشيها خالص”.
أمي هزت رأسها وقالت بكل قسوة ظهرت على وشها فجأة: “أيوة عملت كده.. وهعمل كده تاني لو حد وقف في طريق مصلحة عيلتي وفلوسنا. أنت ابن بطني ولازم تقف معايا مش مع الغريبة!”.
نهاية الوحوش
في اللحظة دي، ابتسمت.. بس كانت ابتسامة وجع وسخرية.
صقفت بإيدي مرتين، وباب الأوضة الداخلية اتفتح.
خرج ضابط المباحث ومعه ثلاثة من أمناء الشرطة، والكلابشات في إيديهم بتلمع تحت إضاءة الصالة. الضابط بص لأمي ورامي وقال بجفاء: “مدام زينات.. أستاذ رامي.. أنتوا مقبوض عليكم بتهمة الق/تل العمد للمرحوم فؤاد عبد الهادي، والشروع في ق/تل السيدة كريمة منصور.. اعترافاتكم اتسجلت بالصوت والصورة، والنيابة مستنياكم”.
أمي بصتلي بعينين مليانة غل وصدمة، وصرخت: “بعت أمك يا طارق؟! بعت أمك عشان حتة بت؟!”
رامي انهار على الأرض وهو بيعيط وبيزعق: “ضيعتنا يا طارق.. ضيعتنا!”.
رديت عليهم وأنا بلف وشي الناحية التانية ومش عايز أبص في وشوشهم:
”أنا مبعتش أهلي.. أنا قدمت مجرمين للعدالة. والوحش اللي من دمي.. مكانه السجن”.
أمي ورامي خرجوا من البيت بالكلابشات، والصوت في العمارة اتقلب، بس أنا مكنش يهمني كلام الناس.
قعدت على الكنبة، وكريمة جت قعدت جنبي وحضنتني وهي بتعيط فرحة وعياط ندم على الأيام اللي راحت. ماجد صحي من النوم وبدأ يصدر أصوات طفولية بريئة من الأوضة التانية.
بصيت لكريمة وقلت لها: “البيت ده اتطهر خلاص يا كريمة.. من النهارده، مفيش خوف، ومفيش أسرار”.
العدالة أخدت مجراها، وبعد شهور من المحاكمات والتحاليل ونبش القبر القديم، القاضي نطق بالحكم العادل اللي ريح روح أبويا في تربته، وريح قلبي أنا ومراتي.. وبقت الحكاية دي مجرد درس قاسي، إن ساعات.. أقرب الناس ليك، ممكن يكونوا هما أفعى البيت.


