جوزي رجع حكايات علي ابو الدهب

جوزي رجع بعد 3 سنين ومعاه عشيقته وشايل طفل على إيده، وقالي بكل بجاحة: “هتقبلي بالأمر الواقع وغصب عنك”، بس أنا سلمته ورق الطلاق وخدت منه كل حاجة عمرها ما كانت بتاعته!

​لما كريم عدى من بوابة البيت بعد 3 سنين شغل برة القاهرة، مجابش معاه ورد، ولا اعتذار، ولا حتى وحشته.. جاب معاه عشيقته وهي متكلبشة في دراعه ولابسة كعب عالي، وشايل طفل عنده سنتين وقال عليه إنه ابنه!#حكايات_علي_ابوالدهب

​هناء فضلت واقفة مكانها عند مدخل البيت المكون من دورين في حي مصر الجديدة، وكان جو سبتمبر الخانق كأنه كاتم على الحيطان الفاتحة اللي أمها دهنتها بنفسها قبل ما تموت.

​كريم ابتسم بكل برود وكأنه راجع من مأمورية شغل عادية:#حكايات_علي_ابوالدهب

— “هناء، بلاش تعملي لنا مشهد وتلمي علينا الناس. خلينا نتكلم كبار وعاقلين.”

​الست اللي واقفة جنبه عدلت حزام شنطتها الجلد. كانت في الثلاثينات من عمرها، شعرها مفرود، ولابسة فستان ضيق زيادة عن اللزوم بالنسبة لزيارة بالبشاعة دي، وكانت بتبص للبيت بنظرة الست اللي متأكدة وموعودة إن البيت ده هيبقى بتاعها قريب.

​الولد الصغير كان ماسك في إيده عربية لعبة حمراء وبيبص حواليه بفضول وبراءة طفولية.

​كريم حط إيده على كتف الولد وقال:

— “ده زين.. ابني.”#حكايات_علي_ابوالدهب

​هناء منزلتش عينيها من عليه ولا لحظة.

​بق الها 15 سنة متجوزة من كريم. كانوا عايشين في البيت ده اللي ورثته عن أمها، وبيتديروا سوا شركة قطع الغيار والمستلزمات الصناعية اللي أبو هناء سابهالها قبل ما يموت.

​يعني على الورق.. كل حاجة كانت ملك هناء؛ البيت، الأرض، الشركة، والعقود الكبيرة.

​بس مع الوقت، كريم بدأ يتكلم كأنه هو صاحب الملك، وياخد قرارات كأنه صاحب الملك، ويهينها كأنه صاحب الملك.

​ولما جاله عقد صيانة لمزارع طاقة رياح في الصعيد والبحر الأحمر، وعدها إنه هيقعد كام شهر بس ويرجع.#حكايات_علي_ابوالدهب

​بس الكام شهر قلبوا 3 سنين!

​المكالمات بقت قصيرة ومقتضبة، والاعذار بقت جاهزة ومحفوظة، والمشاعر اختفت تماماً.

— “أنا غرقان في الشغل.”

— “الشهر الجاي هحجز وأنزل.”

— “أنتي عارفة إني بعمل كل ده عشان مستقبلنا.”

​وهناء فضلت في القاهرة؛ بتدفع مرتبات الموظفين، وبتتفاوض مع الموردين، وبتراعي أم كريم وهي عيانة، وموقفة على رجليها الشركة اللي هو عايش في خيرها وبيقنع الناس إنه بيديرها.

​#حكايات_علي_ابوالدهب

​الشك مابداش من ريحة برفان على قميص، ولا صورة منسية في محفظة.. الشك بدأ من الأرقام!

​إيجار شقة شهري في الغردقة.. مشتريات من صيدلية أطفال.. مصاريف مدرسة إنترناشونال خاصة.. وتأمين عربية باسم ست اسمها “بسمة”.

​كريم نسي إن هناء اتعلمت من أبوها إن الفلوس دايماً بتقول الحقيقة قبل البني آدمين ما ينطقوا.

​عينت محامية، وطلبت مراجعة حسابات وسجلات من غير ما حد يحس. صورت مستندات، وعقود، ورسايل، وفواتير، وكشوف حسابات.

​واكتشفت إن كريم عايش حياة تانية كاملة من أكتر من سنتين، وبيسحب من أرباح ومستحقات الشركة كأنها حقه الشرعي.

​في الليلة دي، وقدام باب البيت، رفع راسه لفوق بكل ثقة وقال:

— “دي بسمة. الأوضاع اتغيرت، ولازم تقبلي بالوضع الجديد.”

​هناء ابتسمت من غير ولا دمعة في عينيها.

​مشيت لحد تربيزة الصالون، مسكت دوسيه أزرق وحطته في إيده:

— “أنا فعلاً قبلت بحاجة واحدة بس يا كريم.”

​فتح الدوسيه..#حكايات_علي_ابوالدهب

وقبل ما يخلص قراية أول صفحة، كانت هناء طلعت من جيبها سلسلة مفاتيح.. بس مكنتش مفاتيح البيت!

فتَح كريم الدوسيه وعينيه بتتنقل بين السطور بصدمة، ووشه بدأ يِقلب ألوان. الدوسيه مكنش مجرد ورق طلاق عادي، ده كان “حبل المشنقة” لكل الأحلام اللي بناها على قفاها.

​كان فيه حكم محكمة مستعجل بالحجز التحفظي على كل حساباته البنكية، وقرار بعزله تماماً من مجلس إدارة الشركة، ومحضر رسمي مُثبت فيه تبديد أموال الشركاء (اللي هي هناء).

​كريم صوته رعش وبدأ يتلعثم:

— “إيه العبط ده يا هناء؟ أنتي فاكرة الكام ورقة دول هيخوفوني؟ أنا جوزك وليا النص في كل حاجة بقوة القانون!”

​هناء ضحكت ضحكة هادية وثابتة رعبت بسمة اللي واقفة جنبه، وقربت منه وهي بتبص في عينيه بكل برود وقالتله:

— “النص؟ ده كان زمان لما كنت مغمية عيني بمزاجي. المفاتيح اللي في إيدي دي بقى.. دي مفاتيح المخزن الجديد اللي نقلت فيه بضاعة الشركة كلها الأسبوع اللي فات. المخزن القديم اللي باسمك؟ فضيته ومبقاش فيه غير التراب. والشركة؟ غيرت السجل التجاري بتاعها وبقت شركة جديدة باسمي أنا بس، بعد ما ثبتّ بالورق والمستندات إنك بتختلس من ورايا عشان تصرف على الست هانم وابنك.”

​بسمة أول ما سمعت سيرة الفلوس والحسابات المحجوزة، ملامح الوش الرقيق والناعم اختفت تماماً، ولفت لكريم وهي بتزعق:

— “جرى إيه يا كريم؟ مش قلت لي إنك صاحب الشغل وكل حاجة باسمك؟! مش قلت لي إنها حتة حريم قاعدة في البيت مبتفهمش حاجة؟! إيه الورق ده؟!”

​كريم حاول يمسك دراع هناء بغل:

— “أنتي اتجننتي؟ أنتي هترميني في الشارع بعد كل السنين دي؟!”

​في اللحظة دي، هناء شاورت بإيدها لبرة الباب. ظهر من ورا الحيطة اتنين رجالة مبنيين زي الحيطان (أمن الشركة اللي هناء بتصرف مرتباتهم)، ومعاهم المحامي بتاعها.

​المحامي قرب بكل أدب وابتسامة وثوق:

— “يا باشمهندس كريم، الفيلا دي كمان مكتوبة بعقد بيع وشراء نهائي من والدة أستاذة هناء ليها هي شخصياً كـ (هبة)، يعني مالكش فيها سنتيمتر واحد. والآن، إحنا معانا أمر طرد لعدم وجود أي صفة قانونية ليك هنا. اتفضل اخرج بالذوق مع المدام والطفل، بدل ما نطلب شرطة النجدة ونعمل محضر طرد وتشهير في وسط الحي.. وأظن برستيجك قدام الموردين يهمك.”

​كريم بص حواليه.. بص لبسمة اللي بدأت تبعد عنه وتنفخ بضيق، وبص لابنه زين اللي بيبكي من الزعيق، وبص لهناء.. الست اللي كان فاكرها ضعيفة ومكسورة، ولقاها واقفة زي الجبل، مفيش في عينيها دموع، مفيش غير نظرة احتقار وشفقة.

​رمى الدوسيه في الأرض وشال ابنه، وبص لهناء بغل وهو خارج من الباب:

— “مش هسيبك يا هناء.. هرفع قضية وأخد حقي.”

​هناء ردت عليه وهي بتقفل الباب وراهم بكل هدوء:

— “الحق دايماً بيرجع لأصحابه يا كريم.. وأنت عمرك ما كان ليك حق في حاجة هنا. باي باي يا باشمهندس.”

​الباب اتقفل، وهناء خدت نِفَس عميق لأول مرة من 3 سنين، نِفَس بطعم الحرية والانتصار، وهي سامعة صوت خناقة كريم وبسمة وهي بتعلى برة في الشارع بسبب الفلوس اللي طارت.

​هناء مشيت بخطوات ثابتة وواسعة ناحية البلكونة الكبيرة اللي بتبص على الشارع الرئيسي في مصر الجديدة. وقفت ورا الستارة، وبصت عليهم وهم برة عند العربية.

​المشهد كان عبارة عن لوحة من “العدالة الإلهية السريعة”.. بسمة كانت واقفة بتزعق وتلوّح بإيديها في وش كريم، وركبت تاكسي لوحدها وسابته واقف في نص الشارع مصدوم، وشايل ابنه اللي بيعيط، وعربيته اللي لسه دافع تأمينها مش عارف هيصرف على بنزينها منين بكره بعد ما كل حساباته اتقفلت.

​لفت هناء ضهرها للشارع وبصت للبيت.. لأول مرة من سنين تحس إن الحيطان بتتنفس معاها، وإن روح أمها وأبوها مرتاحين في مكانهم. البيت رجع نضيف، ورجع بتاعها لوحدها.

​قعدت على الكنبة، ومسكت تليفونها، وكتبت رسالة واحدة للمحامي بتاعها:

​”جاهزين لخطوة بكرة يا متر.. ارفع قضية النفقة والمتجمد، وخلي المحاضر تاخد مجراها. أنا مش هسيب مليم واحد اتصرف من ورايا.”

​قفلت التليفون وحطته جنبه، وسندت راسها لورا وهي بتبتسم لنفسها في المراية الكبيرة اللي قدامها. كريم كان فاكر إن الغياب بيكسر الستات، مكنش يعرف إن غيابه كان أكبر فترة تدريب وتأهيل لهناء عشان تعرف تدير حياتها، وشغلها، ومستقبلها.. من غير ما تحتاج لراجل خاين.

​الحكاية مكنتش حكاية ورق طلاق.. الحكاية كانت حكاية ست قررت متكونش ضحية، وعرفت إن القوة مش بالصوت العالي، القوة بالورق والقلم، وبالصبر اللي آخره دايماً جبر وانتصار.

​تمت بحمد الله.

#حكايات_علي_ابوالدهب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *