بقلم روماني مكرم 3

وفي يوم، قرر ياسين وأمه يعملوا عزومة كبيرة في القصر، ودعوا فيها عيلتي كلها.. عمامي وأمي وأولاد عمامي، عشان يشوفوا بعيونهم بنتهم اللي كانوا بيتريقوا عليها، عايشة إزاي ومحبوبة إزاي في بيت العز ده…
مرّت الأيام والسنين وأنا عايشة في جنة ربنا على الأرض، بين إيدين جوز بيعشق التراب اللي بمشي عليه، وحماة بقت لي أم ثانية بكل ما تحمل الكلمة من معنى. ياسين مسبنيش لحظة واحدة أفتكر فيها أيام الوجع والكسرة؛ كل يوم كان فيه فسحة جديدة، وسفرية لبلد شكل، وياخدني في أفخم الأماكن، يمسك إيدي قدام الدنيا كلها بكل فخر واعتزاز، ويقولي: “أنتي تاجة رأسي وست البنات كلهم”.
نسيت أهلي.. أو بمعنى أصح، ربنا مسح من قلبي حتى مجرد التفكير فيهم. الكلمات الجارحة اللي كانوا بيقولوهالي زمان، والتريقة على لوني وشكلي، كله داب واختفى وسط الحب والاهتمام والعز اللي بقيت غرقانة فيه. مبقتش أفتكرهم ولا أستنى منهم سؤال، لأن ربنا عوضني بعيلة تانية حسستني أني أثمن حاجة في حياتهم.
وفي يوم، كنت راجعة من فسحة حلوة أوي مع ياسين وحماتي، وحسيت بتعب بسيط ودوخة. ياسين اتخض عليا وجاب الدكتورة فوراً لحد البيت. بعد الكشف، الدكتورة خرجت بابتسامة عريضة وقالت: “ألف مبروك يا بشمهندس، المدام حامل!”
في اللحظة دي، القصر كله اتهز من الفرحة! حماتي حضنتني وقعدت تبكي وتدعي لي من قلبها، وياسين شالني ولف بيا في الصالة وهو مش مصدق نفسه، وعينيه بتلمع بدموع الفرحة والامتنان لربنا.
شهور الحمل كانت عبارة عن رحلة دلع وأمان؛ ياسين كان بيخاف عليا من الهوا، ويصمّم يخدم بنفسه ويريحني تماماً، وحماتي كانت بتعملي كل الأكل اللي بحبه وتقعد تطمن عليا وعلى صحة الجنين.
ولما جه يوم الولادة.. القصر كله كان في حالة طوارئ، وسيادة اللواء خاله وسيادة المستشار عمّه كانوا واقفين برة الأوضة في المستشفى مستنيين وصول الحفيد الجديد مع العيلة. ياسين كان ماسك إيدي جوة غرفة العمليات، بيقرأ قرآن في ودني ويهديني ويدعيلي ودموعه نازلة على خده.
أول ما سمعت صوت صريخ الطفل، وحطوه على صدري.. حسيت إن الدنيا كلها ملكي. ربنا رزقني بطفل جميل، أبيض وعيونه ملونة وأشقر زي أبوه وأهله، ملامحه زي الفل المفتح.

