دعوة المظلوم بقلم انجي الخطيب

تاني يوم الصبح، النيابة طلبتني. وأنا طالع بالكلبش في إيد عسكري، لقيت أختي واقفة في الممر مع المحامي. ملامحها كانت شاحبة، عينها حمرا من كتر العياط، بس لما بصتلي، ما شفتش في عينها أي شفقة.. شفت خيبة أمل تسحق.
قربت مني وبصتلي بصوت مخنوق ومكسور: “عملت في نفسك إيه؟ إنت بجد وصلت للندالة دي؟ تهدد وتساوم عشان فلوس؟”
حاولت أتكلم: “والله يا أختي هي خدعتني.. هي ليها ماضي وأنا…”
قطعت كلامي بزعقة مكتومة وهي بتهز رأسها بنفي: “ماضي إيه وزفت إيه! إنت فاكر ربنا بيعدي الظلم؟ إنت فاكر البنت الغلبانة اللي علمتها التجاوزات وركبتها الهم ورميتها كانت بتدعي في الفراغ؟ ربنا ردلك اللي عملته في دي ودي.. إنت اللي جبت لنفسك العار!”
كلامها كان أشد عليّ من أي محضر. المحامي دخل وخرج، وفي الآخر جالي بنتيجة الكابوس: “البلد دي فيها قانون.. والتسجيل اللي معاهم وهيئة التلبس تخليك تأخد لك سنة أو سنتين سجن استغلال وابتزاز. الحل الوحيد إننا نعمل تسوية.. هتكتب لها مؤخر، وهتتنازل عن الشبكة اللي معاها، وهتدفع مبلغ كاش تعويض عشان تنازلهم عن البلاغ ونعمل طلاق حدي”.
تحويشة عمري كلها.. اللي شقيت فيها سنين، والشبكة الغالية اللي استلفت عشان أشتريها، بقوا التمن اللي لازم أدفعه عشان بس أخرج وما أتسجنش. وافقت من غير ما أفكر.. كنت مستعد أبيع هدومي بس أخرج من الكابوس ده.
ساعتين وتنازلت عن كل حاجة، وطلقت.. خرجت من باب القسم وأنا حافي المصير. الشارع كان زحمة، بس أنا كنت حاسس إني لوحدي تمامًا في العالم. معيش قرش، سمعتي بقت في الأرض، وأهلي مش قادرين يحطوا عينهم في عيني.
مشيت في الشارع ومش عارف أنا رايح فين، وجمجمة رأسي حاسة إنها هتتفجر. تليفوني رن، كان قريب خطيبتي الأولى اللي جابلي خبرها زمان. رديت بصوت مش طالع..
قال بقلق: “إيه يا صاحب، سمعت إن عندك مشاكل.. إنت كويس؟”
ما ردتش.. سكت خالص.
كمل هو بتنهيدة: “على فكرة.. إنجي عرفت إمبارح إنك طلقت.. أختك كلمت والدتها وكانت بتعيط وتطلب منها تخلي إنجي تسامحك وتبطّل تدعي عليك”.
سألت بصوت بيترعش زي العيل الصغير: “وهي.. هي قالت إيه؟”
سكت شوية، وبعدين قال برحمة ملوثة بأسى: “قالت كلمتين بس.. قالت: ‘أنا مش هدعي عليه تاني.. ربنا خلاص أخدلي حقي، وزي ما هو هدّ قلبي ودمر نيتي الصافية، ربنا هدم له اللي بنى، وأنا مسامحة في الباقي’.”
