جوزي اتجوز الي بيحبها ج 3

وقبل أن أغلق عينيّ، سمعتُ طرقات خفيفة وهادئة جداً على الباب السفلي للعمارة، لكنني لم أتحرك.. فقد كنتُ أعلم تماماً من الواقف هناك في الظلام، وأعلم أيضاً أن زمان الظلام قد انتهى إلى غير رجعة.

طال الصمت خلف الباب لعدة دقائق، ثم تلاشت الخطوات في عتمة الشارع للابد. كانت تلك آخر محاولة يائسة من حسن للوقوف على أطلال ماضٍ هدمه بيده، وآخر سطر في حكاية استنزفت من عمري عشر سنوات من التضحية المجانية.

مرت سنة كاملة بعد تلك الليلة.. سنة كانت بمثابة الحياة الجديدة التي وُلدتُ فيها من جديد.

المشغل الصغير الذي بدأته مع صديقتي بجهد متواضع وأمل كبير، تحول بفضل الله ثم العمل الدؤوب إلى منفذ ناجح لتصميم وتفصيل الملابس. أصبحتُ امرأة عامة، مستقلة مادياً ونفسياً، أمتلك كياني وقراري. شقتي الضيقة التي دخلتها يوماً بكراتين ملابسي وأنا أبكي ع البلاط، أصبحت اليوم دافئة، ممتلئة بالضوء والأثاث الهادئ والضحكات الصافية التي لا يقطعها خوف ولا تهديد.

أما فريدة، فقد كبرت وعيناها تلمعان بالثقة. أصبحت تُدرك أن أمها لم تكن فقط ملجأها، بل كانت جدارها الخرساني الذي حماها من الضياع. صارت تذهب لرؤية والدها في النادي مرة كل أسبوع بموجب حكم المحكمة، ترجع لي بروح هادئة، دون أن تؤثر في حياتنا أخباره التي باتت تصلنا كأحداث غريبة من عالم موازٍ.

حسن عاش ما تبقى من أيامه مكسوراً؛ تحول إلى رجل يقتطع نصف روتبه للقضايا والنفقة، يعيش في غرفة صغيرة ببيت والده بعدما جردته زوجته الثانية “هبة” من كل ما يملك وركبت سيارته وطردته من الشقة التي كتبها باسمها، قبل أن تخلعه هي الأخرى بقضية جديدة! أدرك حسن في النهاية أن من يفرط في الأصل المخلص من أجل الباطل المزيف، لا يحصد في النهاية سوى الخسارتين.

في ليلة دافئة، وأنا أجلس في البالكونة أحتسي الشاي وأشاهد فريدة وهي ترسم في دفترها الصغير، أغلقتُ مفكرة مذكراتي وأنا أبتسم ابتسامة رضا صافية. لم أعد تلك الست الضعيفة التي تبلع الزلط لتبقي على رجل لا يصونها، بل أصبحت امرأة تعرف تماماً متى تسامح، ومتى تضرب بالحق، ومتى تدير ظهرها وترحل دون أن تلتفت خلفها.

الحكمـة من القصـة:

* الكرامة لا تُباع في سوق المساومات: من يدهس كرامتك في العلن ويهينك أمام الناس، لا يستحق أن تمنحه سترك أو حنيتك في الضلمة. البيوت لا تُبنى على الخفاء، والعشيرة التي تهون مرة، تهون ألف مرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *