بقالي 6 سنين بدفع فاتورة الميه ج 3

تسمرتُ في مكاني وأنا أقرأ هذه السطور من المفكرة! الحاجة فاطمة لم يكن لها طارق فقط، بل كان لها ابنة تدعى “داليا”، ادّعى طارق أنها توفيت في حادث قديم في الخارج حتى يستفرد بالتركة والأموال!
وفي المساء، بينما كنتُ أقف عند بلكونة بيتي أنظر إلى شجرة الياسمين التي بدأت تُنير فناء البيت المجاور، توقفت سيارة سوداء غريبة أمام باب بيت الحاجة فاطمة.
ترجلت من السيارة سيدة في أواخر الأربعينيات من عمرها، ترتدي ملابس بسيطة وتضع وشاحًا أسود على رأسها، وعلامات التعب والسفر الواضح تبدو على وجهها. وقفت تنظر إلى السور والشجرة بدموع تترقرق في عينيها.
نزلتُ إليها فورًا، ووقفتُ أمام الباب الخارجي وسألتها بهدوء:
— أهلاً يا فندم… بتدوري على حد هنا؟
التفتت إليّ بصوت يرتجف ويدين ترتعشان، وقالت:
— هل ده بيت الحاجة فاطمة عبد الرحيم؟ أنا عرفت إنها اتوفت من فترة قريبة…
قلت لها ونبضات قلبي تتدفق بقوة:
— أيوه يا فندم، ده بيتها… حضرتك مين؟
غالبها البكاء وقالت بصوت خافت:
— أنا داليا… بنت الحاجة فاطمة. طارق أخويا كان قايلي إن أمي ماتت من عشر سنين وقفل كل الأبواب في وشي، ولما عرفت بالصدفة إنها كانت عايشة للشهور الأخيرة، جيت جري من السفر… هل أمي سابتلي أي كلمة قبل ما تموت؟
وقفتُ مشدوهة والكلمات تتجمد في حلقي، وأنا أنظر إلى وجه داليا. كانت تحمل نفس النظرة الدافئة والعينين اللتين طالما رأيتهما في وجه الحاجة فاطمة. تراجعت خطوة إلى الخلف، وفتحت الباب الحديدي على وسعيه وقلت بصوت متهدج:
— اتفضلي يا داليا… بيتك ومكانك. أمك ما نسيتكيش ولا لحظة واحدة.
دخلت داليا إلى الصالة، وسقطت على ركبتيها فور أن وطأت قدمها السجاد القديم. أخذت تنتحب بكاءً مريراً وهي تضم يديها إلى صدرها، وتنادي باسم أمها. جلستُ بجوارها وأنا أهدي من روعها، حتى استكانت قليلاً وبدأت تجفف دموعها بوشاحها الأسود.
قصت عليّ داليا المأساة التي عاشتها؛ كيف استغل طارق بعد وفاة والدهما صغر سنها وضعف حيلتها، ودبر لها مكيدة مالية وضغط عليها لتسافر إلى إحدى دول الخليج للعمل، ثم قطع كل أخبارها عن أمها. كان يرسل لها خطابات مزورة تدعي أن الأم لا تريد رؤيتها، وفي الوقت نفسه كان يقنع الحاجة فاطمة بأن داليا قطعت صلتها بالعائلة واستقرت في الخارج ولن تعود، ثم أشاع بين الجيران بعد سنوات طويلة أنها توفيت في حادث غربة حتى يغلق ملفها تمامًا وينفرد بالتركة.

