بقالي 6 سنين بدفع فاتورة الميه ج 3

قلت لها وأنا أمسك بيديها بحرص:

— أمك كانت أذكياء جداً يا داليا. هي كانت حاسة بشر طارق، وقبل وفاتها بشهور اكتشفت اللعبة اللي لعبها عليكِ وعليها.

أخرجتُ مفكرة المذكرات اليومية من حقيبتي، وفتحت لها الصفحة الأخيرة التي كتبت فيها الحاجة فاطمة بخط يدها الواضح:

«يا داليا يا بنتي… لو أريتي الكلام ده، اعرفي إن قلبي عمره ما قسي عليكِ، وإن طارق خدعنا إحنا الاثنين. أنا سيبت لك حقك كاملاً غير مسبوق في عوائد أرض التجمع الخامس، وحطيت شرط صريح في الوقف إنك تكوني الشريكة والناظرة الثانية على البيت مع نادية، عشان بيتي يفضل ملجأ ليكِ ولأي ست مظلومة مالهاش حد.»

شهقت داليا بالبكاء وهي تقبل حروف خط أمها، وكأن روح الحاجة فاطمة عادت لتردد على أذنيها كلمات العفو والمحبة التي حرمها منها طارق لسنوات طويلة.

في الصباح التالي، اتصلتُ بالأستاذ سامح بدوي وطلبته للحضور فورًا. عندما وصل الأستاذ سامح ورأى الأوراق الثبوتية وجواز سفر داليا وتحاليل الإثبات التي أحضرتها معها، اتسعت عيناه من الدهشة، ثم ابتسم قائلًا:

— سبحان الله! الحاجة فاطمة كانت تدبر أمورها بحكمة غريبة. وجود داليا دلوقتي مش بس هيحمي الوقف، ده هيوجه ضربة قاضية وأخيرة لكل الطعون اللي بيحاول محامي طارق يرفضها في استئناف قضايا التزوير!

خلال أيام قليلة، تقدم الأستاذ سامح بأوراق داليا الرسمية إلى النيابة العامة والمحكمة الابتدائية، لتنضم رسميًا بصفتها الوريثة الشرعية المظلومة والناظرة المعينة على الوقف الخيري بجانبي.

حين علم طارق في محبسه بظهور أخته داليا، وبأن حيلته القديمة قد انكشفت بالكامل أمام القضاء، انهار تمامًا. وأدرك أن كل سنين المكر والخدع التي حاكها لم تزد أمه إلا صلابة وحكمة، ولم تزد جارتها إلا إصرارًا على صون الأمانة.

بدأنا أنا وداليا يداً بيد في تجهيز البيت. طلينا الجدران باللون الأبيض الدافئ، وأصلحنا درجات السلم المتآكلة، وغيرنا اللمبة القديمة فوق باب البيت لتنير الشارع من جديد. وأعدنا تقليم شجرة الياسمين حتى أصبحت أغصانها الثقيلة تتدلى بالورد الأبيض العطر فوق السور الواطي.

وفي المساء الذي سبق الافتتاح الرسمي للمؤسسة الخيرية، جلسنا أنا وداليا في البلكونة المعتادة نرتشف الشاي، ونسترجع ذكرى الحاجة فاطمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *