بقالي 6 سنين بدفع فاتورة الميه ج 3

قالت لي داليا وهي تنظر إلى الشارع الهادئ:

— عارفة يا نادية… أنا طول الطريق كنت خايفة أرجع ألاقي أمي راحت والبيت ضاع. بس لما لقيتك إنتِ هنا، حسيت إن أمي ما ماتتش… حسيت إن رحمتها وكرامتها لسه عايشة في البيت ده.

ابتسمتُ وقلت لها:

— أمك هي اللي علمتنا إن الحق ما بيموتش، وإن اللقمة والنقطة المية اللي بتندفع بكرامة بتعيش العمر كله.

لكن، وقبل أن نغلق الباب ليلة الافتتاح الكبير، وصلتنا رسالة مستعجلة من المحكمة تحمل إخطارًا بقرب صدور الحكم النهائي والتنفيذي بقطع دابر طارق نهائيًا، بجانب مفاجأة أخير متعلقة بالصندوق الخشبي المغلق الذي تركه والد طارق والحاجة فاطمة في القبو منذ سنة 1972… صندوق لم يجرؤ أحد على لمسه من قبل!

مع إشراق صباح يوم الافتتاح، كانت أزهار الياسمين تملأ فناء البيت بعطرها، واللمبة الجديدة فوق الباب تُشع نورًا دافئًا يطرد ظلال السنوات الماضية. استجمعنا أنا وداليا شجاعتنا، ونزلنا برفقة الأستاذ سامح بدوي إلى القبو القديم أسفل البيت للبحث عن الصندوق الخشبي المغلق منذ عام 1972.

كان الصندوق قابعًا في زاوية هادئة تحت السلم، يعلوه غبار العقود. وبمفتاح فضي صغير كانت الحاجة فاطمة قد أرفقته في نهاية مفكرتها، فتح الأستاذ سامح القفل النحاسي الصديء.

لم يكن بالداخل ثروات أو مجوهرات، بل كان يحوي أمانة أعمق وأعظم؛ كان يضم الرسائل الأصلية والخطابات الشخصية التي تبادلها والد طارق والحاجة فاطمة أثناء بناء البيت، ومعها وصية قديمة جداً كتبها الأب قبل وفاته.

في تلك الوصية، كان الأب قد كتب بوضوح شديد أنه يوصي بالبيت والأرض لزوجته فاطمة لتتصرف فيهما كيفما تشاء لخدمة الفقراء والأرامل، مشيرًا بمرارة إلى أنه كان يتوقع جشع طارق منذ صغره وحذر من تسليمه أي ملكية مباشرة دون موافقة أمه وأخته داليا.

أزالت هذه الوثيقة التاريخية أي شك أو طعن قد يتقدم به دفاع طارق، وأغلقت القضية في المحكمة الاستئنافية بشكل نهائي وقطع دابر أي محاولة قادمة للتلاعب بالتركة. صدر الحكم البات والمشين بحبس طارق بالسجن المشدد لسنوات طويلة عن جرائم التزوير والنصب، ليطوى فصل جشعه خلف القضبان إلى الأبد.

في عصر ذلك اليوم، افتتحنا رسمياً «دار فاطمة للكرامة والآواة».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *